ثقافة السرد

قصتان قصيرتان

محمد جبر حسن*

(١)
اكتشاف

منذ فترة لا اعرف مدتها بالضبط، اكتشفت إنه عند قيامي من النوم في صباح كل يوم اجد ان بعضاً من أغراض بيتي غير موجودة، لا أقول سُرقت بل فُقدت، بالبداية كانت الأشياء المفقودة بسيطة لذلك لم اهتم لها، كأن تكون طبقاً زجاجياً او فرشة تنظيف او لوحة فنية كانت معلقة في غرفة الاستقبال ولم يتبق منها غير الاثر المطبوع على الحائط، كنت اقنع نفسي بأني ربما نسيت هذه الحاجيات منذ فترة طويلة، او احسبها غير موجودة سابقاً، وبهذا الاحساس تماشيت مع الأمر الذي صار عندي روتينياً، كون المفقودات بسيطة وغير غالية الثمن، لكن قبل ايام قليلة وعندما نهضت من فراشي صباحاً كالمعتاد فوجئت بإختفاء جهاز التلفاز الذي اشتريته العام الفائت، عندها دق ناقوس الخطر في رأسي ولم استطع ان اقنع نفسي بأن ما حدث شيء بسيط لا يستوجب الخوف منه او على الاقل عدم الاهتمام به، وقد زاد الأمر سوءاً بعدها بأسبوع عندما دخلت الى المطبخ وفوجئتُ مرة أخرى بأختفاء جهاز لا يمكنني السكوت عنه.. كانت الثلاجة غير موجودة! هنا أُسقط في يدي وشعرت ان هناك شيئاً خطيراً ربما يحاك ضدي ويستوجب مني ان اضع حدّاً له، وقبل ان اتحرك لفعل شيء ما بدأت اجهزة البيت ومقتنياته تختفي واحداً بعد الآخر مع صباح كل يوم جديد.
حاولت ان أُبقي هذا الأمر سرّاً ولا ابوح به لزوجتي الممددة في غرفة النوم خوفاً عليها كونها مريضة وكذلك خوفاً عليها من الهلع والخوف والحزن على فقدان حاجات بيتها التي تحبها وتحرص على الاعتناء بها.
لكن ما حدث في هذا الصباح شيء آخر اكثر غرابة، فبعد ان قمت من فراشي اكتشفت ان غرفة نومي خالية من اي شيء وكل ما فيها قد اختفى، السرير، دولاب الملابس، الستائر، والمرآة .. و .. وحتى زوجتي التي كانت نائمة معي بنفس السرير قد اختفت!
يا إلهي ماهذه الحيرة .. قمت فزعاً لأبحث عنها في انحاء البيت، وجدت ان السقف والجدران الفاصلة ما بين الغرف قد اختفت ولم يتبق منها غير جدار صغير كأنه معلق في الهواء، كانت زوجتي واقفة قبالته وعندما رأتني مذهولاً ومتسمراً في مكاني اوأومأت لي بيدها وهي تقول :
تعال تعال ما بك واقفاً هكذا .. تعال انظر الى صورتنا المعلقة على الحائط .. ثم اشارت بيدها .. انظر اليها كم هي جميلة ..
اقتربت من زوجتي بخطوات ثقيلة ووقفت ملاصقاً لها ونظرت الى مكان الصورة التي اشارت اليه ..
كان هناك فقط إطارٌ خشبيٌ قديم يؤطر فراغاً سحيقاً ليس له نهاية.

انتهت.

(٢)
اختفاء

في صبيحة كل يوم اصحو من النوم ولم اجدني! دائماً ما يحدث هذا معي، فابدأ بالبحث عن نفسي في غرف البيت غرفةً غرفة، علّني أجدني فيها .. قد اكون نائماً هنا او هناك، ابحث في صالة المعيشة وسطح المنزل ووصل بي الأمر ان ابحث عني في المطبخ و الثلاجة وأسأل زوجتي : حبيبتي .. هل رأيتيني؟ فأنا مختفٍ منذ فترة .. لم افهم من جوابها شيء سوى انها كانت مستمرة بأعداد وجبة الفطور لي وللأولاد وتردد مع نفسها المعوذتين، فاتركها وأنا في حيرة من أمري وأمره.
ومع هذا لم أتعاجز عن البحث وصار هذا شغلي الشاغل، فلم اترك مكاناً إلّا بحثت فيه، في مخزن البيت وتحت سجادة الصلاة التي بقيت في مكانها منذ فترة، فتشت حتى في أدراج المكتب الذي أكتب عليه مدونتي اليومية وبين اوراق الكتب التي اعيد ترتيبها في كل ساعة، لم احصل سوى الخذلان، كيف يحدث هذا معي؟ اين اختفي؟
اتسائل مع نفسي .. ترى أين أنا الآن ؟ ربما تكون الإجابة إني تسلقت جدار البيت بعد ان رأيت الباب مقفلاً، أو غُرست بين شجيرات حديقتي التي اصابها الذبول، او ركبت دراجة هوائية او سيارة او قد تكون طائرة سافرت بها الى حيث أنا، وربما ايضاً قد اكون تهت في طيات شعر أمي حين تنسله وأنا في حضنها او شعر جارتي التي دائماً ما كنت أرقبها وهي تسرح شعرها في صبيحة كل يوم جمعة.
يا إلهي ما هذه الحيرة.. أين ذهبت أنا؟
أين اختفيت؟
اصبحت على يقين ان الكل لا يصدق ما أقوله لهم .
اليوم وأنا أبحث عن نفسي كالمعتاد شعرت إن اختفائي ليس فقط مقلقاً بل مريباً، فقد كنت أبحث في خزانة ملابسي، وهذه المرة الأولى التي بحثت فيها هناك، وجدت ان جميع ثيابي قد اختفت، وبالصدفة نظرت الى نفسي في مرآة خزانة الملابس، فرأيت حتى ملابسي التي كنت ارتديها في آخر مرة قد اختفت واصبحت عارياً كما خلقني الله!

انتهت

 
*العراق

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق