ثقافة السرد

مسرواية: (زمن نجوى وهدان) 4

بقلم / مجدي جعفر

[ 4 ]

كانت قد منحت الخدم إجازة ، بعد أن أنهوا أعمال النظافة بالفيلا ، وإعداد الطعام ، وأخذت حماما ، وتأنقت ، وتعطرت ، وجلست تنتظره
فى تمام الساعة الخامسة مساءاُ ، رن جرس الباب ، همت لتفتح ، وما كادت تفتح الباب حتى وجدته أمامها بطوله الفارع وعطره النفاذ ، وابتسامته العريضة ، لم تستطع أن تدارى فرحة نطت فى عينيها .
احتضنت يدها يده ، وأمطرته بعبارات الترحيب ، قادته عبر ردهة طويلة على جانبيها نباتات الزينة ، وأصص الزهور ، إلى سلالم خشبية ، وتقدمته إلى غرفة واسعة بالطابق الثاني تحوى :
مكتبة كبيرة ، تليفزيون ، فيديو ، جهاز كاسيت ، بيانو ، مكتب فخم أمامه بضع كراسى وثيرة ، وفى جانب من الغرفة سرير .
هو :
= ذوقك جميل .
هى : ” بالفرنسية ” :
ـ مِرسى
هو ” ناظرا لصورة رجل معم على الحائط ” :
= أبوك ؟!
هى :
ـ نعم .. من رجال الأزهر !
هو ” مبتسما من داخله ” :
= من رجال الأزهر يا بنت التربى !
” ملتفتا إليها “
ـ يبدو عليه وقار العلماء ، وسمت العظماء ، وفى طلعته هيبة .
هى :
ـ رحمة الله عليه ، كان مفوها ، وعالما جليلا ، جاب مصر من أقصاها إلى أقصاها لنشر الدعوة ، ولم يكن أبدا متزمتا .
” مستدركة ” :
ـ أمازلت واقفا ؟.. أف لى ! .. كم أنا آثمة !.. كيف لم أنتبه إلى أنك مازالت واقفا؟ .. تفضل ، تفضل بالجلوس يا دكتور ، فأنا لا أصدق أنك لبيت دعوتي .. ماذا تشرب ؟
هو :
= أنا ضيفك ، وأي مشروب تحتضنه يدك يكون لذيذاُ ومثيراُ .
هى ” مبتسمة ” :
ـ أولا أنت لست ضيفا ، أنت صاحب بيت ..
هو ” مقاطعا وضاحكا ” :
= تقصدين صاحب فيلا ! ثم ماذا عن ثانيا ؟
هى ” بدهاء ” :
ـ فلنكمل أولا أولا ، فتتمة أولا – الفيلا تزدان بك وتصبح قصراً منيفا .
أما ثانيا : فأنا لست ” ديكتاتورة ” حتى أفرض عليك مشروبا ، فلك أن تختار !
هو “ضاحكا ُ ” :
= “ديكتاتورة ” مؤنث ديكتاتور ، أليس كذلك ؟
هى :
ـ نعم ، ولكنى لست هى .
هو :
= يا سيدتى العلم كله مبنى على الديكتاتورية ، فالديكتاتورية هى الأصل ، والحرية والديمقراطية هما الاستثناء .
هى :
ـ أرجوك – لا تفسد جلستنا بالكلام فى السياسة .
هو :
= نفترض أن المشروب الذى أريده ليس متوفرا ، فماذا يكون الموقف ؟
هى :
ـ لو طلبت لبن العصفور سأحضره لك . أو حتى النوق الحمر !
هو ” ضاحكا ” :
= يا ولد يا عنترة !
هى :
ـ صدقنى أنا فرحانة ، وسعيدة جدا بتشريفك لى .
هو :
= وأنا سعيد جدا بأنني تعرفت عليك ، فأشعر بأن ثمة شيئا ما يشدنى إليك ، وأنك تختلفين عن كل من التقيت بهن .
هى :
ـ هذه المشاعر الجميلة نحوى تسعدنى ، وكلامك يأسرنى .
هو ” كان طوال الطريق يفكر ، كيف يجذبها – إلى الفضفضة والبوح ، كيف تُسر له بخيبات نفسها وشروخ روحها ، وتطلعه – دون أن يستخدم الخمر وسيطا – على عالمها الغريب ، عالم غرائبى ومثير ، حالة خاصة جداُ “
ـ كنت أظن أننى … ، ولكن هناك من هو أسوأ ! ولم لا أفضفض أنا لها ، حتى تأنس لى ، وتفضفض .. ولماذا لا أكون أنا فعلا محتاج للفضفضة
هى ” ضاحكة ” :
ـ ألو .. نحن هنا .. أين ذهبت يا دكتور ؟
هو ” ناظراً إليها ” :
= كنت أفكر .. لماذا أنت وحدك – التى أريد أن أفضفض لها ؟
هي ” بسعادة ” :
ـ فضفض ؟! .. فضفض يا دكتور ؟! .. كلي آذان صاغية !
هو ” ضاحكا ” :
= الصواب مصغية .
هي :
ـ صاغية أو مصفية ، لا يهم ، المهم أن تفضفض ، والأهم أنك اخترتني من دون النساء جميعا لتفضفض لي .
هو :
= وكيف أفضفض ؟
هي :
ـ مطرقة رأسها قليلا ، ثم قائلة :
ـ وجدتها :
هو ” مبتسما ” :
= ماذا يا نيوتن ؟
هي :
ـ فكرة رائعة ..
ـ اخلع نعليك ؟
هو ” متلفتا ًحوله وضاحكا ” :
= هل نحن بالواد المقدس ؟
هي :
ـ اخلع نعليك وتمدد علي هذا السرير !
هو :
= ماذا ؟!
هي :
ـ لا تسيء الظن : ، سأفعل معك كما يفعل أطباء النفس !
هو :
= ناهضا ، وخالعا نعليه ، وفاردا جسمه علي السرير .
= ولكنني أريد أن أتوسد رجليك ، أو أن أدفن رأسي في صدرك وأفضفض .
هي :
ـ دعك من الشقاوة . وتذكر أنني طبيبتك . هل تستطيع أن تفعل هذا مع طبيبتك ؟
هو :
= حين أتوسد رجليك ، قد انكمش وأعود طفلا .. و..
هي ” مخرجة أوراقا وقلما ، وتلبس نظارة طبية ” :
ـ ها أنذا الطبيبة ! ، تخيل انني الطبيبة ، احك ، فضفض ؟، بح ؟ تفضل .. أوه ـ تصور أنني نسيت أن أحضر لك المشروب .
هو :
= دعك من المشروب ، فإما أن تسقيني من شهد رضا بك أو تأتيني بخمر
هي :
ـ سآتيك بخمر ، فالخمر أرحم من الذى تطلبه !
[ تعود بعد قليل بزجاجة خمر معتقة ، وثلج ، وكأسين ، وتصب له كأسا تلو كأس ..]
هو ” وفي ذهنه من البداية ألا يغادر منطقة البين بين ، وأن يظل في المنطقة الفاصلة بين الوعي واللاوعي ” :
= أراني !!
هي ” فرحة ” :
ـ ماذا تراك ؟!
هو ” مغمض العينين ” :
= أراني ، طفلا صغيرا .
هي :
ـ استرسل ؟ ..استرسل يا دكتور ..
” وتصب له كأسا “
هو :
= ولدت في قرية صغيرة ، لأب كان يعمل كلافا !
هي ” في نفسها ” :
ـ كلافا !
“وتصب له كأسا تلو الأخر .. “
هو :
= كان يعمل كلاّفاً عند أسرة تنحدر من سلالة عربية ، ذات حسب ونسب
” ويضحك ” :
= وطبعا كل الأسر العربية من نسل طاهر !..و..
هي:
ـ وماذا بعد يا دكتور .
هو : ” وهو يدفع بما تبقي في الكأس في جوفه ” :
= وانحسرت حياة أبي في زرائبهم واسطبلاتهم ، لا يغادرها إلا ساعات قليلة ، يأتينا فيها آخر الليل ، كان راضيا ، وقانعا ، خادما أمينا ، لم يتطلع يوما إلى ما منّ الله به علي مخدومه من خير وفير ورزق كثير .
قبل أن يغادر فراشه كل صباح ، يقبل باطن كفه وظهره ، ويحمد الله ويستغفره ” ويضحك ” .
ويستغفر من ذنب لم يقترفه ، ومن ذنب قد يقترفه ولن يقترفه أبدا ..
كنت وهند وحيدين بعد موت أمي ، يأخذني في كل صباح من يدي لأساعده ، نطعم البهائم ، ونسقيها ، كنت علي صغرى أسوق ثلاثة حمير ، يحملني إياها بالروث ، ويوصيني ألا أنشغل في الطريق باللعب ، ويحذرني من وقوع ” السباخ ” علي الأرض أو انحراف الحمير عن مسارها ، ” وتُجرِد ” في أراضي الجيران ، فتتلف زراعتهم ونقترف إثما .
” تصب له كأسا ..”
ـ عندما طلبت الست الكبيرة ” هند ” للخدمة في البيت الكبير مجاملة لأبي ، ولتقيه عناء همها ، وانشغاله عليها ، ولتكون تحت بصره ، راوغ ، ولم يكن أبدا مراوغاً ، وتعلل بصغر سنها ، وضعف جسمها ، ومرضها ، وما كانت ضعيفة ، ولا عرف المرض الذى يجتث أطفال القرية الغلابة طريقة إليها .
لماذا ناورت ، وراوغت ، وكذبت يا أبي ؟ ..
هل كنت تعلم أن ابنتك ..؟! .. فعصمتها من الخدمة في البيت الكبير ، وأقصي أماني بنات القرية ، أن يخدمن فيه حتى لا يفترس العمل في الحقول جمالهن .. وعلي صغرهن ينهد حيلهن ، ويذبلن وهن في عمر الزهور .
من يدرى ؟ !
.. قد يظن الكثيرون ـ أن الناس الغلابة ـ بينهم وبين الله مسافة بعيدة ، وان الله قريب فقط من الأثرياء والوجهاء .. ” ويضحك فتناوله كأسا ..”
الوجهاء ! .. الوجهاء!..
الوجهاء يسكنون .. ، الوجهاء يأكلون .. الوجهاء .. الوجهاء .. الوجهاء ـ في الصفوف الأولي في المساجد ! ، وكأنها محجوزة لهم ، وعلي مقاعد الصدارة في سرادقات الأفراح ! ، والعزاء!، يفسحون لهم الطريق إذا ساروا !.. حتى لا تقع عينهم علي قبيح .
لا أذكر ـ حين كنت أصلي ، أن تجرأ فقير، ودخل المسجد ، وتخطي الرقاب ! ، وجلس في الصفوف الأولى !!.
أحيانا يكون المسجد خالي من المصلين ، ولكنه أبدا لا يتجرأ علي التقدم إلي الأمام ، يختار مكانا في مؤخرة المسجد ، وينوى الصلاة ، وإذا فرغ من أداء الفرض ، يتلفت يمينا ويتلفت يسارا ، وكاللص يتقدم بحذر خطوة ، خطوة واحدة ليصلي السنة ، فإذا رجع هذه الخطوة للخلف فمن المؤكد عند الركوع أو السجود .. ستصطدم مؤخرته بالجدار ، وإذا ازدحم المسجد يوم الجمعة بالمصلين ، يخرج الأجراء والبسطاء من المسجد ، ويتراصوا خارجه ، فالأرض لهم فقط ” مسجدا وطهورا ” !!
” تلاحقه بكأس ..”
ـ الولد ابن الشيخ ـ شيخ القبيلة ، وقع في هوى هند ، وهند بنت فلاحة . بنت الكلاف أسرت عقله ، واستعمرت قلبه ، انشغل بها عن بنت العم ، بنت الحسب والنسب .
” لحظة صمت “
ـ جيء بأبي ، علقوه من قدميه في سقف الغرفة ، وظلوا يضربونه بالخيزران بقسوة ، حتى شحب جسده بالدم ، وكووه بالنار . فالولد ـ ابن الحسب والنسب ، حزم أمتعته وبرح مع البنت هند في القرية ، فأرض الله واسعة .
الويل لكم كل الويل يا أهل هند الفقراء ، قالها الشيخ ـ لساكني العشش وألأكواخ الحقيرة التي أشعلوا فيها النيران .
” لا تدرى إن كان يضحك أو يبكي ، اختلط الضحك بالبكاء ، صبت له كأسا ، دفعة في
جوفه مرة واحدة ..”
ـ شق صراخ النساء ، وبكاء الصبية الليل ، ولم يرحم الرجل ، شيخ القبيلة يتيما ولا أرملة ، عجوزا أو طفلا !
” ينكمش علي السرير ، وينكمش ، ويضع يديه بين فخديه .. “
وقال الرجل الشيخ ـ قد تصير سُنة عند الفلاحات الحقيرات ، يغوين الواحدة تلو أخرى سباب القبيلة .
” وأضاف مطوحا بعصاه الأبنوس في الهواء ” :
ـ ومن يدرى .. قد يتجرأ فلاح في قادم الأيام علي إغواء فتاة من فتياتنا ، ونظر إلي .. وقال هاتوا هذا الولد ، وأخذوني ، وضعوا علي عيني عصابة ..و..
“يضع يده بين فخديه ، ويصرخ :
ـ لا..، لا..
هي ” تناوله كأسا ” :
ـ وماذا فعلوا بهند يا دكتور ؟
هو :
= طلب من شباب القبيلة أن يطاردهما في المدن وفي القرى ، وفي الحوارى وفي الأزقة ، وفي البحار ، وفي الصحارى .. يجب أن يدركوهما ولو كانا في بطن الحوت ” يبتسم ” :
ـ هند ، هند شقيقتي الوحيدة ، لا تفارقني ، كانت تكبرني بعشر سنين ، كان بينى وبينها خمس بطون ماتوا ، قليل من الأطفال كانوا يعيشون !
بنت فلاحة ، تحيك الثوب ، وتطعم الطير ، وتكنس الدار ، وتربى الماشية ، عفية كالمهرة ، وسامقة كالنخلة ، ذات عينين سوداويين وشعر أسود فاحم ، هل بارك أبى حب محمد لها ؟!.. لا أظن ، ولكننى متأكد أنه طلبها على شرع الله وسنة نبيه ، وبالتأكيد أبى أمهله ولم يعطه ردا حتى يقنع أهله وعشيرته ، وبالتأكيد كان يعلم أنه المستحيل ! .. ألهذا يا أبى ، ناورت ، وراوغت ، وكذبت ، ورفضت ، أن تخدم هند فى البيت الكبير ، هل أنا أجوب القرى المدن وأجوس خلال الديار ، كل الديار ، بحثا عن مواهب أو بحثا عن هند .
بالتأكيد محمد يعيش باسم غير اسمه ، وهند تعيش باسم غير اسمها ..
” علا نحيبه ، وانهمرت دموعه “
” جففت دمعه بمنديل ومسحت رأسه ، وهزته “
” استفاق ، ونهض قائلا وهو يردد ” :
ـ هند .. هند .
هى ” مبتسمة وقائلة ” :
ـ اهدأ ..؟! اهدأ يا دكتور ؟! .. من هند ؟!
هو ” ناظرا حواليه ” :
= أنا قلت هند ؟
” مبتسما “
ـ هند وما هند إلا مهرة عربية
سليلة أفراس تزوجها بغل
هى ” فى نفسها ” :
ـ مهرة عربية ، وسليلة أفراس يا بن الكلاف !
هل تقرض الشعر يا دكتور ؟
هو :
= أبدا .. أنا فقط أردد ما قالته هند – عندما أخذها الحجاج عنوة وأرغم زوجها على تطليقها وتزوجها !

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق