ثقافة المقال

المثقف ومرجعيات الإبداع الحر

ميثم الجنابي

إن الإبداع محرقة تصهر فيها معاناة الوجود الإنساني من اجل تأسيس المعنى. وهي معاناة فردية تتوقف أبعادها وقيمتها التاريخية والمعرفية على ما فيها من قدرة واستعداد لسماع صوت الحقيقة. وهو الأمر الذي يجعل منها مفارقة يصعب حدها بمعايير المنطق، لكنها غاية في الجلاء بالنسبة للحدس، كما لو أنها البديهة الجلية الوحيدة للوجد والوجدان، أي للمعاناة واكتشافاتها. فالمعاناة الحقيقية هي معاناة الحقيقة، أي حيرة البحث عن المعنى. وهي القوة المثيرة للعقل والوجدان في محاولاتها تأسيس النسبة الضرورية بين الحس والعقل والحدس. وكلما يقترب البحث من تمثل وتمثيل هذه النسبة الضرورية كلما يرتقي إلى مصاف الإبداع الكبير.
فالإبداع الكبير على حجم المعاناة الفردية في كيفية تمثل وتمثيل نسبة المحسوس والمعقول والحدس في تأسيس المعنى. وهي نسبة تصنع الجميل والمتسامي وتجعل منهما أسلوب التراكم الثقافي في مسام الوعي الاجتماعي والتاريخي للأمم. فالإبداع الثقافي الكبير هو توليف دائم للجمال العلمي والعملي، أي للنسبة النموذجية التي تصنع على قدر مكابدتها صرح الثقافة القومية والإنسانية. وهو الأمر الذي جعل ويجعل من غيب الإبداع علامة جلية على طريق المسيرة الفردية للمبدعين، والغاية المثيرة للمثقفين. وهي عملية لا تنتهي، لان المجهول هو عين الحيرة، والإبداع تراكم في مجراها. وهو الشيء الذي ميز ويميز على الدوام الإبداع الحقيقي بوصفه بحثا في غياهب المجهول.
إن الإبداع الحقيقي هو معاناة البحث عن المعنى، أي عن الأبدية المجهولة. وهي المفارقة الأكثر إشكالية بالنسبة للإبداع. فالأبد مجهول الغاية معلوم الهوية. وما بينهما يترامى الوجد والوجود بوصفهما معادلة الكينونة الصانعة لهوية المثقف المبدع. وهي مفارقة ترتقي في الواقع والمثال إلى مصاف الإشكالية الأشد تعقيدا. وذلك لان المجهول في الأبد هو الأنا المبدعة، والمعلوم فيه وجودها. وهي مفارقة تتمظهر في سر التفسير والتأويل الدائمين لإبداع الأرواح، وتفنى في التاريخ وتبقى في الذاكرة ووعي الذات الثقافي.
فالتاريخ الحقيقي الفعال والدائم للأمم هو تاريخ الفكر. وفيه ومن خلاله فقط يمكن “تحجيم” الأبد وجعله ملموسا معلوما. وهي العملية التي تغّيب الأنا المبدعة وتجعلها لغزا، ومن ثم قوة وميدانا للتفسير والتأويل. وفي مجراها تترابط حلقات التاريخ وتتكامل في وعي الذات القومي. وهو الواقع الذي يجعل من المبدع الكبير روح التاريخ الثقافي. ففي فناء المبدع تبقى الوحدة الحية للمراحل والأطوار الثقافية في تاريخ الأمم. بمعنى انه يجسد في ذاته وإبداعه، أي في مواقفه وإنتاجه مرجعيات الروح القومي والثقافي المبدع. وبالتالي لا يعني فناءه الجسدي سوى بقاءه في تاريخ الروح أو الفكر. وهو المعنى الذي يعبر عما أسميته بان المجهول في الأبد هو الأنا المبدعة، وذلك لما في إبداعها الكبير من لغز هو احد نماذج أو مستويات التاريخ الروحي. من هنا تجدده وتنوعه في إشكاليات المعاصرة والمستقبل.
إن المبدع الكبير إشكالية لا تنتهي. وهي إشكالية تستمد مقوماتها وديمومتها من قدرة المبدع الكبير على توحيد حقائق المنطق وحقائق المرجعيات المتسامية للروح الثقافي، أي قدرته على توحيد العقل والوجدان بطريقة تستطيع مع مرور الزمن تفعيل الهموم المشتركة وتنقيتها في معارك العقل النظري والعملي المتعلقة بإشكاليات المعاصرة. وهو واقع نتلمسه في تحول إبداعه واكتشافاته المعرفية إلى ميدان التفكر اللاحق ومختلف محاولات استكناه تجارب الماضي وتأمل المستقبل، أي تحوله إلى خميرة العملية الدائبة للمعرفة. ومن خلالها تتجلى حقيقته بوصفه القوة الوحيدة القادرة على تجاوز الزمن والبقاء قي التاريخ، ونفي التاريخ والعيش بمعاييره، وصنع الحكمة بوصفها خروجا إلى ما وراء العقل والعمل بمقاييسها. وفي كلها ليست إلا التجربة الفردانية للمبدعين الكبار في تمثل حقائق التاريخ القومي والعالمي. وهو الأمر الذي يجعل من إبداعهم خميرة عملية دائبة للمعرفة. إذ لا يمكن للتطور المعرفي والإنساني النضوج دون خميرة الماضي. والماضي مستقبل. وعلى قدر ما فيه تتحدد معالم المستقبل بوصفه بنية بديلة متجددة. وهي ظاهرة لا يمكن للفكر التقليدي أيا كان شكله ونوعه، صنعها وترسيخها في الوعي الاجتماعي والوجود التاريخي للأمم. وذلك لان التقليد زمن، أي اجترار للوقت والبقاء فيه دون معاناة وبدائل. أما تجاوزه إلى ميدان التاريخ الفعلي فهو حصيلة الجهد النظري والعملي للمثقفين المبدعين. وهو جهد مهمته نفي الزمن الميت وتذليله بمعايير التاريخ الواقعي والخروج عليه إلى فضاء البدائل المتنوعة واحتمالاتها غير المتناهية. وهي العملية التي تنتعش فيها وحدة التاريخ ونفيه، بوصفها أسلوب بلوغ الحكمة. إذ ليست الحكمة من حيث الجوهر سوى الاستعداد والقدرة على تجاوز “حدود العقل” والعمل بمعايير الرؤية الإنسانية المتسامية.
إن الارتقاء من الحس إلى العقل ومنهما إلى الحدس، أو من الزمن السياسي إلى تاريخ الدولة ومنهما إلى حكمة الوعي الثقافي للأمة، أو من طور الوعي الأسطوري والديني إلى العقلي الفلسفي ومنهما إلى الحكمة العقلانية، هي العملية التي يصنع حلقات ارتقاءها جهاد واجتهاد المثقفين الأحرار. بمعنى انه الارتقاء الذي يؤسسه المثقف المبدع في مجرى معاناته حل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة. وهي معاناة تجعل من المثقفين الأحرار وإبداعهم إشكالية حرة، أي جزء من تاريخ الأبد. كما أنها تحدد القدر التاريخي للمثقف المبدع، باعتبارها النتيجة المترتبة على قدر إشكاليته بالنسبة للثقافة العقلية والبدائل العقلانية. وهي الإشكالية التي تعيد إنتاج البدائل وتنوع الاحتمالات بوصفها مصدر الحرية الفكرية والروحية، وذلك لما فيها من وحدة خفية لمكونات الفردانية المبدعة والتاريخ الواقعي، التي تجعل من اجتهاد وجهاد المثقف المبدع تحد دائم لكل ما حوله. وهو تحد يجعل من الحرية مبدأ وغاية الوجود. بمعنى التحرر من رق الاغيار والعيش ضمنها، أي الفناء والبقاء في مرجعيات الروح المتسامي. وهو روح لا يعقل بدون نموذجية الأبد وإشعاعه المغري في الروح والجسد. وهي المفارقة المعذبة والعذبة للإبداع. كما أنها الحالة الوحيدة القادرة على جعل الإبداع أبديا. وذلك لان الإبداع الأبدي هو القدرة على الاستماع لصوت الأبد. وهو صوت لا يمكن سماع أنغامه العذبة دون بلوغ الحرية الذاتية. بعبارة أخرى، إن الحرية الذاتية للمثقف المبدع هي الشرط الأبدي لأبديته! وهي مفارقة وجوده التاريخي والروحي، بل مفارقة الإبداع عموما.
إن القيمة المادية والمعنوية لفكرة الأبد تقوم أولا وقبل كل شيء في تحريرها للحس والعقل من إشكاليات الأزل وتحقيقها عبره. فالأبد مستقبل. والمثقف المبدع مستقبل. والبدائل مستقبل. والحدس مستقبل. ومن جميعهم تتراكم إشكالية المبدع الكبير بوصفها إشكالية لا تنتهي. وفي عدم نهايتها تتجسد حدود الأبد. بمعنى أن المثقف المبدع يجسد في حياته وموته، حركاته وسكناته، ظاهره وباطنه حقيقة الحرية في الإبداع بوصفه موقف أبديا. وفيه ومن خلاله يحقق معنى الأبد في التاريخ. وهي الحالة التي تجعل منه روحا حيا.
فالإبداع الحقيقي ابدي بالضرورة. بمعنى انه لا يستمد أبدية من رغبة فردية أو سطوة خارجية، بقدر ما انه يتراكم من معاناة البحث عن بدائل عقلانية وإنسانية هي عين الحدس والمستقبل. وبالتالي، فان السؤال الحيوي لا يقوم فيما إذا كانت هناك ضرورة لان يكون الإبداع أبديا أم لا، بل في كيفية تحقيق الأبد في الإبداع.
إن الأبد في الإبداع هو الاستماع لصوت الأبد، أي الاستماع لصوت الحق والحقيقة وتناسبها الواقعي والتاريخي في رؤية البدائل الحرة. وهو سماع متنوع الأوجه والأشكال والمستويات، لكنه محكوم دوما بهاجس الحرية، بوصفها مرجعية الأبد التاريخي. إذ لا يمكن للمثقف المبدع الارتقاء إلى مصاف الأبد التاريخي دون أن يكون جسده في التاريخ وروحه في الأبد. بمعنى تحقيق فكرة الحرية في إبداعه الفرداني بوصفه توحيدا للجسد التاريخي والروح الأبدي، أي أن يكون تاريخيا في مواقفه أبديا في روحه. وهي النسبة الأشد تعقيدا بالنسبة للإبداع، لكنها الطريقة الوحيدة المثلى والضرورية للارتقاء إلى مصاف الأبد في الإبداع، ومن ثم الإبداع الأبدي.
إن الإبداع الأبدي هو تأسيس دائم للحرية. ومن ثم فانه يحتوي في أعمق أعماقه على أولوية وجوهرية الأنا الحرة. والأنا الحرة هي “أنا الحق”، أي الأنا المبدعة بمعايير الحقيقة. وفيها ومن خلالها تتراكم هوية المثقف الحر. وذلك لان الإبداع الأبدي حرية بلا حدود، أي لا يحده شيئا ولا يقيده غير الحقيقة واستظهارها في المواقف والأعمال والأقوال. وهي الحالة التي حالما تبلغها الأنا المبدعة، فإنها تأخذ في الذوبان والسريان في مكونات الحق، بوصفه النسبة الضرورية للتجانس (الهرمونيا). وهي الخاتمة التي تحي في الأنا مشاعر الأبد، أي تحررها بصورة نهائية من ثقل اليأس والقنوط وأشكال الرذيلة الأخرى، وتجعلها أشبه بالحياة، أي تجسيدا للفضيلة. وهي الحالة التي يمكن تأملها في تجاعيد الزمن العراقي ورسم ملامحه القادمة في تاريخ المستقبل. كما يمكننا رؤيتها في كل مظاهر الانحطاط، بدأ من التفكير والتفكير ونمط الحياة وانتهاء بسقوط العزة القومية والإنسانية. ومن الممكن أن نأخذ من مثال التعبير في اللغة نموذجا. فمن المعلوم، أن لكل لغة تاريخها في الخط والعبارة. والعربية دون شك هي من بين أكثر اللغات العالمية عراقة وتاريخا، بمعنى تراكما في البنية والصورة والمعنى. وليس ذنبها في أنها الآن غريبة بين أتباعها فيما يتعلق بالقدرة على استعمالها والتعبير عنها بها. وهي ليست ظاهرة عجيبة أو عصية على الفهم. لكنها مثيرة للشفقة أحيانا، ولعزيمة الانتفاض أحيانا أخرى. فعندما زرت اليونان للمرة الأولى عندما كنت طالبا (في كلية الفلسفة)، فان السؤال الذي راودني آنذاك هو “هل أن هذه الأرض فعلا هي التي أنتجت أساطين الفلسفة؟ وهل أن أرسطو وأفلاطون وعشرات أمثالهم من هنا؟” وهي الحالة التي جعلتني اشعر بقدر من الاطمئنان إلى أن حالة الخراب عندنا لها ما يعادلها في التاريخ والمعاصرة!! كما أنها قابلة للتغير والتبدل. وهي أمور معقولة بمعايير التاريخ ومقبولة بمعايير المطلق. لاسيما وان المطلق قادر على الاستخفاف بكل موجود بوصفه جزيئة، والاعتزاز بها بوصفها مظهر وجوده. وهي معادلة لا يحلها الجبر ولا تطيقها الهندسة، ويقبلها العقل بمعايير “الوجود خير من العدم”، ويتلذذ فيها الحدس عندما يرى نفسه أبهاما يمهر الحياة بختم النجاة من هول الوقيعة في هوانها. وهو سر اللذة التي يشعر بها المثقف عندما يتفرد لحاله بحاله، ومظهر العزة التي ينبغي أن يحقق وجوده من خلالها. أما سر وجوده الحقيقي (الأبدي)، فيقوم في تجاوز الزمن إلى التاريخ ومنه إلى الروح. بمعنى بلوغ الحالة التي تجعل كل ما فيه اقرب ما يكون إلى سريان الوجود في الوجد، والخرير في الجداول، والصبا في الصبايا!! فهي الحالة التي تنأى به عن الرجوع دوما إلى قواعد الدليل لإثبات بديهيات الوجود والتاريخ. وعوضا عنها تضعه أمام مهمة البرهنة العملية على أن الإبداع الحقيقي سر يتكشف معناه في مجرى معاناة الأجيال والأمم إدراك أبعاده الأبدية، أي غير المتناهية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق