ثقافة المقال

محمد أركون… هل كان مستشرقا جديدا؟ا

في نقد العقل الإسلامي الكلاسيكي

بقلم: جمال نصرالله
 
كان محمد أركون رحمه الله يحمل في ذهنه مشروعا ضخما غير مستقر على منهج واحد.بل كان يريد استخدام عشرات المناهج الغربية على التراث العربي؟ا وهذا يبيّن بأنه يريد حمل مجمل التراث نحو مخابر هي من إنتاج العقل الأوروبي وفلاسفته ومفكريه.وهذا طبعا ما لم يعجب ويروق الكثيرين الذين رأوا في هذا المشروع مجازفة غير محمودة العواقب.وفريق آخر رحب بالفكرة على أساس أن التراث الذي يريد أركون الزج به نحو مخابر التحليل والدراسة.لا يمس بالنص المقدس(القرآن الكريم الذي هو كلام الله وليس إنتاجا بشريا) لكن للأسف كانت الصدمة ….يوم علم الجميع بأن أركون مع احتراماتنا لكل جهوده.وبتصريح منه وحسب ما جاء في كتبه , فقد ضم حتى النص الديني لمجمل التراث.وهذا ما أوقعه في صدام لا متناهي.مع كل المفكرين الإسلاميين وليس فقط مع الشيوخ والأئمة والفقهاء وأصحاب الفتاوى./
في البداية لم يفهم الجميع ما معنى الإسلاميات التطبيقية. ـ وهو مصطلح جديد على الباحثين ـ إلا أنه فيما بعد اتضح أن أركون يريد به إخضاع النص الديني للنقد التاريخي المقارن والتحليل اللغوي والتألق الفلسفي لإنتاج المعنى…ويقول أركون بأنه مشروع جاء للرد على المستشرقين الذين زاروا المشرق وتعاملوا مع التراث ببرودة أرستقراطية.وفي نفس الوقت هو رد على العقل الإسلامي الكلاسيكي الذي تأسس في القرون الوسطى ومازال الجميع يتبع مفاهيمه وأطروحاته وحكمه على الأشياء والمواقف ,دون إنكار جهوده لكن وجب تجديده …. أي البحث عن المسكوت عنه واللا مفكر فيه… أركون لم يحدد بالضبط ما هو المسكوت عنه وما هو اللا مفكر فيه .. هذا على الرغم من أن الذين ردوا عليه قالوا بأن النص الديني أجاب على كل شيء يتعلق بالحياة والإنسان ومصيره ولماذا وجد على الأرض وحتى تطرقه لأمورات غيبية كالجنة والنار والخلق والماهيات…فأي مسكوت عنه نريد أن نعرفه اليوم… والقرآن أجابنا عن كل شيء..حتى عن النظرية الداروينية وبعض المسائل المتعلقة بالكون والميتافيزقا والمقصود(علم الإلهيات) الذي هو فرع يُدرس اليوم لطلبة الشريعة الإسلامية؟ا
لقد أكثر أركون من المصطلحات الغربية والغريبة متأثرا بذلك بحفريات المعرفة لميشال فوكو وجاك دريدا وألتوسير…وهي مناهج أنثروبولوجية وأركولوجيا ولدت أو جاءت للحفر في الفكر والمعرفة ووضعها في سياقاتها التاريخية ومدى تأثيرها على الوجود والإنسان والإنتاجات الزمنية..وهذه كلها أمورات مقبولة نسبيا إذ هي تبذل جهودا لأجل التصنيف المعرفي وترتيبه..

لكن نحن كمسلمين لن نقبلها بتاتا إذ هي حاولت إخضاع النص الديني؟ا وليس إخضاعها هي نفسها للنص ـ لا لشيء سوى أنه نصا مقدسا ـ وليس بشريا كما يزعم بعض المفكرين. الذين يريدون تفسيرات جديدة ومعان أخرى للكلمات والألفاظ التي تحدث بها القرآن ـ من أمثال نصر حامد أبو زيد ومحمد شحرور وأدونيس والقمني وغيرهم….وهذا ما يسمى بالتخديش في المقدس.
بحيث يريدون معان جديد وأحكام وتشريعات جديدة لحياة الإنسان العربي والمسلم بالخصوص أي قلب كل جهود الأولين رأسا على عقب,والإتيان بأنماط وتشريعات وتنظيمات جديدة للحياة..وهذا في زعمهم مطلب حضاري وحبا في الإنسان العربي الذي يراد له حاليا أن يكون مثل أو أفضل من الإنسان الغربي الأوروبي .إن أعاد النظر في الموروثات التي تتحكم فيه حياة وسلوكا وتفكيرا ـ وهذه هي المهمة المستحلية التي يهرع نحوها هؤلاء(وقد يقال عنا هنا بأننا نشجع الجمود والبقاء في نفس المحطات) لاـ فنحن وجب علينا أن نفهم فقط من أين تبدأ محطات النهضة ونسأل أنفسنا آلاف المرات لماذا تأخرنا فعلا خاصة في المجالات الصناعية والإنتاجية المعرفية.وكيف تقدم غيرنا خاصة في المجالات المادية .وهو بالطبع سؤال كلاسيكي .عنّون به الكاتب المفكر سلامة موسى كتابه الشهير؟ا
والسؤال الجوهري الذي وجب طرحه من زاوية أخرى هل المستشرقين الذي درسوا المجتمعات العربية في العادات والتقاليد والفنون كانوا يريدون خيرا بمجتمعاتنا ضمن رحلاتهم السياحية؟ا نحن نجزم ذلك لأنهم كانوا مجرد سياح عملوا على تأريخ القواسم المشتركة والمماثلة بيننا وبين الغرب.وكانت معظم كتاباتهم عن مسائل اللهو والتشخيص الفني وإبراز السقطات بطرائق انتقائية ؟ا ـ وهذا لا يعني بالقول أن كل الاستشراق شر كله ـ فهناك مسائل مضيئة في هذا الصدد .كجهودهم لحفظ أجزاء كبيرة من التراث والتاريخ…ولكن نحن نتحدث عن الذين انتقدوا التراث وأرادوا الزج به كله نحو مزبلة التراث ورأوا بأنه السبب الجوهري والرئيس في تخلفنا وجمودنا الحضاري.
فمحاولات التجديد والقفز على المعوقات هي محاولات قديمة جدا لم تأت أو نسمع عنها مع المستشرقين فقط بل مع مفكرين وفلاسفة وأدباء ومحدثين عاشوا قبلنا بقرون .ولكنها ظلت مجرد نظريات ودعوات مفتوحة اصطدمت بعوامل كثيرة لهدف تفعليها أولها الاستعمار والانتدابات والحروب الصليبية والداخلية بين المذاهب والفرق وعنجهية كثير من الساسة والسلاطين والأمراء والمماليك والولاة.هذه هي الأسباب التي جعلت الإنسان العربي داخل مجتمعه غير مستقر…وجعلت كذلك من كل الثورات والحركات مُجهضة ومضطهد أصحابها ومطاردون للتصفية حتى الموت.
إذا ما قام به أركون ليس بجديد حسب عدد من العارفين…فقط هو وضع نفسه في خانة لا يحسد عليها .وهي كما قلنا يوم اعتبر النص الديني داخل خانة التراث…لأن التراث يتجزأ من مادي كالحفريات والآثار والشواهد والتماثيل .والثاني هو المعنوي أي الشفوي والمكتوب…ونحن كأمة مسلمة تراثنا المعنوي هو الكتاب المقدس( القرآن) الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. لذلك يستحيل أن نعتبر كلام الله تراثا؟ا

شاعر وصحفي جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق