قراءات ودراسات

لماذا تفشل الأمم؟

دارون اسيميغلو و جيمس أ . روبنسون.
2012 و 2013.

ترجمة: فؤاد عبد النور.

( هذا كتاب حصلت عليه قبل عدة سنوات ولم أستطع تركه إلا عندما أنهيته. وفي الحقيقة، كنت ارجع إليه بين حين وآخر. ونسّبته لعدة أصدقاء وعدوا بالحصول عليه، ولكن لا أظن أنهم فعلوا.
هذا كتاب امتدحه أغلب خبراء الاقتصاد في أمريكا وبريطانيا، وقرظه حائزون على جائزة نوبل في الاقتصاد، وذلك لأنه كتابٌ متخصص لكنه مكتوب بلغة سهلة الفهم والمتابعة من القارئ غير المتخصص. لا بد أن المؤلفين تطلعا ألى التأثير على شعوب العالم الثالث فيدركون أن سبب فقرهم وتأخر بلادهم ما هو إلا عدم وجود مؤسسات تمثيلية حقيقية للسكان تنقلهم للتقدم، والنجاح الاقتصادي، وبالطبع لتحسين معيشة شعوبها. فؤاد. )

المقدمة.
يبحث هذا الكتاب في الفروق الهائلة في المداخيل ومستويات المعيشة السائدة في الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وتلك الموجودة في أفريقيا نصف الصحراوية، وأمريكا الوسطى، وجنوب آىسيا.
أثناء كتابتنا لهذه المقدمة هز شمال أفريقيا والشرق الوسط ” الربيع العربي ” وبدأت ما تدعى ب ِ ” ثورة الياسمين ” التي اشعل شرارتها الغضب الشعبي على إشعال بائعٍ متجول النار في نفسه ” محمد بو عزيزي ” في كانون أول 17 من السنة 2010. ودفع هذا الحادث رئيس الجمهورية ” زين العابدين علي “، والذي حكم تونس منذ السنة 1987 إلى التنازل عن الحكم. ولكن هذا التنازل لم يكبح الثورة بل استمرت ضد حكم الأقلية صاحبة الامتيازات، وازدادت هذه الثورة قوة وانتشرت في بقة أنحاء الشرق الوسط وأدت إلى طرد مبارك من الحكم بعد احتكاره له بقبضة شديدة منذ 30 سنة تقريباً. أما مصير بقية الأنظمة في البحرين، وليبيا، وسوريا، واليمن فلا يزال غير معروفٍ لنا وقت كتابة هذه المقدمة.
ترجع جذور عدم الرضى في هذه الأقطار إلى فقر شعوبها. يحصل الرجل العادي في مصر 12% مما يحصله مثيله في الولايات المتحدة، ويتوقع أن يعيش 10 سنوات اقل من المواطن في أمريكا. 20% من السكان يعيشون في فقرٍ مدقع. ولكن هذه الفروق تبدو قليلة إذا ما قارناها مع أفقر دول العالم مثل شمال كوريا، سيرالون، وزمبابوي، حيث يعيش نصف السكان تقريباً في فقرٍ مدقع. والآن لماذا تكون مصر أفقر كثيراً من الولايات المتحدة؟ وما هي العقبات التي تمنع مصر والمصريين من النمو والازدهار؟ وهل الفقر في مصر حتمي، أم بالإمكان التخلص منه؟ للحصول على جواب لهذه الأسئلة من الطبيعي أن نسمع ما يقوله المصريون أنفسهم عن المشاكل التي يواجهونها، وعن الأسباب التي دفعتهم للثورة على نظام مبارك.
عبّرت ” نوها حامد ” وهي عاملة في وكالة دعائية في القاهرة ، وذلك أثناء مشاركتها في مظاهرات ميدان التحرير: ” إننا نعاني من الفساد، ومن الاضطهاد، ونظام اتعليم السيء. إننا نعيش تحت نظامٍ فاسد يجب أن يتغير”.
وقال آخر في نفس الساحة، وهو طالب صيدلية – مصعب الشامي 20 سنة : “ آمل أن لا تنتهي هذه السنة دون الحصول على حكومة منتخبة، وتطبق الحرية للجميع، وينتهي حكم الفساد الذي تحكم بهذه البلاد “.
تعابير المتظاهرين كانت موحدة: فساد الحكومات وعجزها عن تأمين الخدمات الأساسية للسكان، وانعدام الفرص المتساويه للجميع في بلدهم. وكانت احتجاجاتهم ممركزة على القمع، وفقدان الحقوق الأساسية.
وكما كتب محمد البرادعي على صفحته في تويتر، وهو المدير السابق وكالة الطاقة الذرية العالمية في 13/ 1/ 2011 : “ تونس+ قمع+ فقدان العدل الاجتماعي ومنع مسارات التعبير = قنبلة موقوتة”.
رأى المصريون والتونسيون أن مشاكلهما الاقتصادية منبعها أساساً فقدان الحقوق السياسية. وعندما أخذ المحتجون في تعريف مطالبهم بشكلٍ منظم، كانت أول طلبات سجلها وائل خليل – المهندس المبرمج – الذي برز كأحد قادة الاحتجاج في مصر، كانت المطالبة بالتغيير السياسي. ثم أضيفت طلبات أخرى مثل رفع الحد الأدنى للأجو ر وغير ذلك، ووصلت الطلبات إلى 12 طلبٍ أضيفت للطلب الأول بعد ذلك.
راى المصريون أن الأمور التي سببت تأخرهم ، وحالة الفساد المستشرية في الدولة والمجتمع هي العجز عن استثمار مواهبهم وطموحاتهم وبراعاتهم، وما يمكن لهم تحصيله عن طريق الدراسة. ولكنهم كانوا يدركون في نفس الوقت أن أساس مشاكلهم سياسية. جميع المعوقات التي تواجههم تنبع من مراكز القوة في مصر، والتي تمارسها أقلية ضيقة، وهكذا توصلوا إلى القناعة بأن يجب حصول التغيير.
ولكن قناعة المحتجين في ميدان التحرير ابتعدت قليلاً عن الحكمة في هذا الموضوع. عندما يناقش معظم الأكاديميين والمعلقين موضوع: لماذا مصر فقيرة؟ يركز معظمهم على عناصر مختلفة. البعض يشدد أن فقر مصر يرجع مرجعه جغرافيتها، مستشهدين من كون مصر صحراء بغالبيتها، تفتقد الكفاية من المطر، وأن تربتها ومناخها لا يشجعان على إنتاجٍ زراعي جيد. البعض الآخر يشعر بدلاً من ذلك أن الصفات الموروثة للمصريين تشير إلى عدائهم للتطوير الاقتصادي والرخاء. ويُحاججون أن المصريين يفتقدون أخلاق العمل وثقافته، وهما ما ساعد غيرهم على الازدهار، وبدلاً من ذلك تقبلوا القناعات الإسلامية التي تتعارض مع التقدم والازدهار الاقتصادي. وهناك آخرون يؤكدون أن مصر لا تعرف كيف تصبح بلداً مزدهراً ، وأن المسؤولين عن البلد اتبعوا سياسات واستراتيجيات خاطئة في الماضي. وإن حصل الحكام على نصائح مجدية من خبراء أكفاء، فإن حقيقة كون مصر تتحكم فيها أقليات ضيقة اهتمت بمصالحها الشخصية على حساب المجتمع، ولا يبدو أن مصالح المجتمع بشكل عام هي في صميم اهتماماتها.
نؤكد في كتابنا هذا أن المحتجين في ميدان التحرير لديهم الجواب الصائب، وليس الأكاديميون أو المحللون. الحقيقة هي أن مصر فقيرة لتحكم أقلية ضيقة نظمت المجتمع حسب مصالحها الخاصة الضيقة، على حساب الجماهير الواسعة من الشعب. القوة السياسية تركزت في أيدي قليلة استطاعت أن تجمع ثروات هائلة، مثل أل 70 مليار دولار ، وهي الثروة التي تجمعت في يدي مبارك. والخاسر كان الشعب المصري. والشعب أدرك ذلك بوضوح.
إننا سنكشف كيف أن فقر مصر ، وإدراك شعبها سبب ذلك الفقر، هما التفسير المنطقي لما حصل. لماذا البلدان الفقيرة فقيرة؟ لماذا دولة كوريا الشمالية، أو سيراليون، أو زمبابوي، فقيرة لنفس أسباب فقر مصر. البلدان مثل إنجلترا أو الولايات المتحدة استطاعتا أن تصبحا غنيتين لأن مواطنيهما أزالوا الأقليات التي تحكمت بالسلطة، وأقامتا مجتمعاً تكون الحقوق السياسية موزعة بشكل أفضل في المجتمع، ويكون بالإمكان محاسبة الحكومة، وتوقع استجابتها للمطالب الشعبية، وحيث يكون بإمكان الجماهير الواسعة أن تجد فرصها للتقدم اقتصادياً.
لكي نفهم لماذا يوجد هناك عدم مساواة في العالم علنا أن نبحث في الماضي، وندرس الديناميكيات التاريخية للمجتمعات، فنجد أن أسباب تفوق ثراء بريطانيا عن مصر نابع لأن بريطانيا – الأصح إنجلترا – جرت فيها ثورة حولت سياسة الدولة، وبالتالي اقتصاديات الدولة. حارب الشعب ونجح في الحصول على حقوقٍ سياسية، واستخدم ذلك لتوسيع فرصه الاقتصادية، وأدى هذا إلى تحولٍ أساسيٍّ في سياسة الدولة، وفي اقتصادها، ووصل المر أخيراً إلى الثورة الصناعية.
الثورة الصناعية والتقنيات التي أطلقتها تلك الثورة لم تنتشر لمصر حيث أن تلك الدولة كانت تحت سيطرة الإمبراطورية العثمانية، التي عاملت مصر بنفس الطريقة تقريباً التي عاملت بها أسرة مبارك مصر. أزاح نابليون بونابرت حكم العثمانيين في السنة 1798، ولكن البلد سرعان ما وقع تحت الاستعمار البريطاني، الذي لم يكن مهتماً بثراء مصر. وبالرغم من ان المصريين نجحوا في الخلاص من العثمانيين، ومن ثم البريطانيين، ونجحوا في خلع الملكية في السنة 1952 إلا أن هذه الثورات المصرية كانت مختلفة بشكلٍ جوهريٍّ عن ثورة 1688 في إنجلترا ، إذ أن ثورات مصر جلبت في غالبيتهاا أقليةٌ مختارة لم تكن مهتمة بجلب الرفاهية للشعب المصري. وهكذا بقي مكون الشعب المصري كما هو، وبقيت مصر فقيرة.
سنبحث في هذا الكتاب كيف تعيد النماذج نفسها مع الزمن، ولكنها في بعض الأحيان تتغير كما حصل في إنجلترا في السنة 1688، وفي فرنسا في السنة 1789. يساعدنا هذا البحث على فهم الوضع في مصر: هل تغير الوضع بعد هذه الثورة على مبارك وإزالته، وهل ستقود هذه الثورة مصر لتشكيل مؤسسات قادرة على نقل المصريين العاديين من الفقر إلى الازدهار؟ قامت في مصر عدة ثورات في الماضي ولم تغير شيٌْ في الأوضاع، بل أقامت مؤسسات جديدة على نفس النمط السابق. في الحقيقة يصعب على الشخاص العاديين أن يمسكوا بزمام القوة السياسية، ويغيروا في كيفية عمل المجتمع القديم. ولكن هذا غير مستحيل. إنه ممكن. سنرى كيف حدث ذلك في إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة. وحدث كذلك في اليابان، بوتسوانا، والبرازيل. هناك دلائل أن هذا من الممكن له أن يحدث في مصر. وقد عبر محتجٌ آخر في ميدان التحرير عن رأيه بالقول: “الآن ترى المسلم والمسيحي مع بعض. ترى الشيخ والحدث مع بعض. جميعهم يطلبون نفس الشيء. هكذا نرى أن حركة مثل هذه لا بد أن تؤدي إلى تغييرات واسعة في المجتمع. إذا فهمنا لماذا تحدث هذه التحولات، نكون في وضعٍ أفضل لتقييم متى تفشل كما حصل في السابق. نجاحها يحسن حيوات الملايين.

.الكتابة ليست فعل إمتثال، ولا فعل رضوخ، ولا فعل تنازل، ولكنها فعل انقضاض على كل بشاعات هذا العالم
– نزار قباني –
Writing is not an act of obedience, nor is it an act of submission. It is an attack on everything that is detestable in this life!
– Nizar Qabbani (A Syrian Poet) –

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق