ثقافة السرد

أنشودة للرحيل

محمد عبد الظاهر المطارقى

… لكننى حين دخلت عليه فجأة
وجدت ـ ولأول مرة ـ دمعة كبيرة، كبيرة
تتدحرج مسرعة لتختفى بين شعيرات ذقنه البيضاء..

o

حادة كالسكين. كالجسد العارى تماما، أطلقها الرجل الثلج الذى يرتدى معطفا فى لون الأكفان.ـ حالة سرطان فى المثانة.. ..انتصبت كل شعيرات جسدى. كالشوك راحت تلسعنى.
نعرف انه مريض، العالم كله يعرف ذلك. أما هو فقد كانت له مملكته الخاصة، ولأنه لا يقرأ ولا يكتب فلم يستطع أن يتعرف على جسده المرسوم على الصور الداكنة والأوراق المختومة والتى تعلن اسم هذا الوحش الذى ينهش جسده من الداخل. .. كان كعادته يجلس فوق الحصير.. أمى التى التهم الروماتيزم أصابع قدميها تصنع له الشاى على الموقد.. على عدة مرات.. يقبض براحته على الكوب الساخن، يتأمله.. يحكى، وكأنه يستمد حكاياته القديمة من أعماق الكوب.. يرتشف بصوت مسموع ويحكى.. بنفس الترتيب.. ملامح الوجه، حركة اليدين. نلتف حوله ، تنساب الكلمات من فمه ، تتحول الى كائنات حية تجرى وتقفز فى الهواء وتصنع الأعاجيب. نشعر بالدفء.. نعجب لقصائده الشعرية التى يحفظها ـ هو الذى لا يقرأ ولا يكتب ـ ينشدنا قصائد وسير عنترة العبسى، وأبو زيد الهلالى، والزناتى خليفة، وحكايات الشاطر حسن،…
قال فى ابتسامة مهذبة:
ـ ألفى جنيه.. دفعة أولى !
أشار أخى الأكبر لوالدى أن ينتظر بالخارج .. كلمات الطبيب لم تصل إليه.. هز أبى رأسه وقمت بتوصيله الى الردهة الخارجية.. كالطفل المطيع جلس.. على الكرسى ” الفوتيه ” المزركش.. فى هدوء راح يتأمل بعض اللوحات المثبتة على الحائط:أشجار جافة هجرتها العصافير ، جبال من الثلج رغم الشمس الغاضبة.. وجوه شاحبة لأجساد هائمة تمد أذرعها فى وجل وهى تتطلع الى الأفق البعيد. أحس أنه أحد هذه الوجوه، يود أن يفرد جناحيه، لكنه كان مكتوف الجناحين، أجساد أخرى مكبلة، تتكوم على مقاعد وثيرة، لها نفس الوجوه الهائمة.. تنظر الى لاشيء.
فتاة لها شعر قصير متموج، وعينان فى لون السحب البعيدة. ترتدى بنطلون جينز يخنق فخذيها ، ويفوح عطرها المميز ليختلط برائحة الأدوية والبنج ودخان السجائر. تحصى النقود، تحبسها داخل المكتب.. تكتب أرقاما وأسماء، تضحك بصوت مرتفع وهى ترد على التليفون فى صوت متأنق.
اصطدمت نظراته بمجسم كبير، هلامى الشكل، ينبض.. أحس أن هذا الجسم الغريب داخله هو.. نار تتأجج. ” ..
كان يطوف على شقيقاتى اللائى تزوجن يعشن فى أحياء متفرقة بالمحلة ، يحمل إليهن الخضروات الطازجة وأنواع عديدة من الفاكهة اللذيذة، من الجمهورية الى السبع بنات.. محب.. الرجبى..
فى الصباح الباكر ، بعد صلاة الفجر مباشرة، يقف فى الطابور الطويل.. يحمل لهن الخبز الساخن. يذهب بأولادهن نحو محطة الغزل. وهناك بجوار النهر الجارى كان يرمى إليهم بالكرة والحلوى.. والنقود،التى يفرحون بها ! !
قال أخى فى ابتسامة انتزعها من وجهه:
ـ بصراحة ، من الآخر.. لم نعد نملك شيئا، وهذا أخى الأصغر ما يزال تلميذا.
نظرت الى أصابعه الناشزة، خاتم كبير من الذهب، ساعة ذهبية..نظارة ثمينة وقلم على شكل تمساح من الذهب ملتصق الساقين، ويبتسم فى دهاء من خلف نظارته الأنيقة، يتضجع فوق بعض الأوراق المرصوصة بعناية فوق المكتب. ” باعت شقيقاتى ذهبهن، ورهن زوج أختى سيارته الأجرة، وأخذ أخى الأكبر قرض كبير من البنك، وأقسم المعاون ألا يدخلني الامتحان حتى أسدد مصاريف المدرسة. ” هز الرجل اللامع رأسه، وابتسم ابتسامة غريبة، رحت أبحث عنها، وجدتنى أنظر الى التمساح الراقد فوق صدر المكتب، لا أعرف لماذا تذكرت الأستاذ مسعود مدرس الحساب عندما طلب منا الحضور إلى بيته. يومها قلت له أن والدى ترك شركة الغزل منذ زمن بعيد، وهو يحفظ القرآن الكريم، ويصلى بالناس فى الجامع، ويحكى لنا حكايات رائعة ليست موجودة بكتب المدرسة. لكن الأستاذ مسعود لم يعبأ.. سخر منى وأمسك بالعصا الطويلة وصفع بها الهواء فصرخ.
قال أخى:
ـ هذا مبلغ كبير لا نقدر عليه.
مط شفتيه، هز كتفيه وقال وهو يضع ” الموبايل ” الصغير جدا على أذنه:
ـ على كل حال.. أبوكم.. أنتم أحرار !
قطرات الدم تمتزج بالماء.. نلتف حوله، يمسك كوب الشاى المغلى ويحكى..نستمع إليه.. الدموع تختلط بالحزن، والحزن كائن ثقيل، يجثم فوق صدورنا.
..نتبادل النظرات، يبتسم فى وداعة الطيور . فى عدم اكتراث يلوح بيده فى الهواء. عضلاته الفولاذية التى حملتنا جميعا، وحملت البيت الذى نعيش فيه، الشقيقات، الأحفاد.. هاهى تنحدر لأسفل. الماء فى لون الدم…
ينساب فى عفوية..
لكنه يحكى، يهز رأسه ولا يبالى. نلتف حوله أكثر.. نحتضنه بأعيننا.. بقلوبنا.. بدمعاتنا الغزيرة، لكنه يستمر فى حكاياته والابتسامة تضىء وجهه الأسمر.
بخطوات بطيئة يسير. يجلس على الطوار، أنفاسه تتلاحق .. حبات العرق تغرق وجهه، يقوم..يواصل المسير.. الجمهورية..السبع بنات. الصغار يفرحون لمجيئه.. يفرح بهم. بجوار محطة الغزل يلعب معهم، يصعد شجرة التوت القريبة من نهر أبوعلى، يهز بأقدامه الشجرة، حبات التوت تتساقط، الأحفاد يهللون.. يلتقطون الحبات اللذيذة الملونة ويضحكون.. يضحك معهم.
اختلط الخبز الساخن بقطرات العرق.. بالتراب.. الطريق طويل.قبلت شقيقتى الكبرى رأسه ويديه وقالت:ـ ربنا يمد فى عمرك. الطريق ما يزال طويلا..خيوط رفيعة متقطعة من الدماء تسير وراءه.. تصنع خطوطا حمراء متعرجة. الجلباب البلدى ذو الأكمام الواسعة والصديرى الذى بلون الجلباب.. أصبحا بلون التراب.
قال أخى والدموع تملأ عينيه:
ـ نرجوك ، نريد تحويله الى أى مستشفى.
القلم التمساح ينتصب واقفا، الابتسامة الماكرة مازالت ترتسم على وجهه. بين أصابعه راح يكتب:

” الحالة ميئوس منها، لا أمل”
الطريق
ط
و
ى
ل..
الرجبى،
السبع بنات..
الخطوات ترتعش.
فجأة تهاوى الجسد..
حمله أخى الأكبر بذراعيه. أغلقت أمى الباب وزمجرت:
ـ لن تخرج، أنت فى حاجة إلى الراحة.. هم الذين يأتون إليك.. واجب عليهم.
لم يتكلم، أشار بيده فى غضب. صمتت، تعرف طباعه، حدته..طيبة قلبه. دخل حجرته، أغلق عليه الباب ..
لكننى حين دخلت عليه فجأة، وجدت ـ ولأول مرة ـ دمعة كبيرة تتدحرج مسرعة لتختفى بين شعيرات ذقنه الناصعة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق