ثقافة السرد

جراح لا تندمل

سلمى بوصوف*
قبل آذان الفجر بقليل، حين كان متكئا على جنبه الأيمن، ومتوسدا يديه، وجد نفسه في مكان مظلم، بارد، لم يستطع أن يفك طلاسمه. بغتة فُتح الباب الحديدي ودخل رجل ضخم الجثة، عريض المنكبين، يعلو شفتيه شارب كث، ركل عبد الحميد برجله اليمنى ككلب ميت، وزمجر: انهض يا بغل. يمشي عبد الحميد بخطى متعثرة أمام الرجل الضخم، في الممر نفسه الذي اعتاد أن يخطو فوقه ذهابا وإيابا.

زَج به في غرفة خافتة الضوء، وأمره أن يقف حيث أشار له، هناك أمام مكتب يجلس على كرسيه رجل ذو هيئة مهيبة، برأسه الضخم الذي يعلوه صلع بارز، وببطنه المنتفخة. ألقى عبد الحميد نظرة عجلى على الرجل الذي نهض بخطى متثاقلة مركزا نظراته بعيني عبد الحميد…
– استغفر الله أستغفر الله…
ردد عباراته بهلع، ونهض مفزوعا من فراشه، تحسس ظهره وبطنه، لقد كانا غارقين في العرق.
إثر عودته إلى القرية بعد أشهر لا يستطيع عدها جراء تشابهها، أحس بمرارة في أعماقه. كانت المدة التي قضاها في السجن كافية لتثير في نفسه مشاعر الغربة والبؤس، ولو لم تكن تلك الخطوط الحمراء على جسمه وتلك الحدبة التي ترقد كهضبة فوق ظهره، لظن أنه كان يحلم. كيف لا وكل شيء وقع في لحظة خاطفة كالموت.
كان يعيش حياة عادية، كمعظم الفلاحين في القرية، ربما لهذا السبب لم يعتقد أن يأتي الدور عليه، فلم يدُر بخلده أن تباغته عصابة سوداء على عينيه ليتم اقتياده إلى غياهب السجن، حيث ألقي به كخرقة بالية على إسفلت زنزانة متعفنة. لم يكن وحده هناك، كان في الزنزانة عشرة رجال آخرين يتبادلون صمتا مطلقا. كل واحد منهم غارق في أفكاره. وكانت تصلُ بين نوبات الصمت المطبق أصواتٌ متداخلة مع الصراخ الذي لا ينقطع إلا ليبدأ من جديد.
نام تلك الليلة والليالي التي بعدها نوما متقطعا، وكلما تذكر زوجته وأبناءه الستة عاش ألما مضاعفا. ما هو المصير الذي ينتظرهم بعد غيابه؟
***

كان عبد الحميد ما زال مستيقظا، يتقلب على جنبيه حين سمع آذان الفجر، فأخذ يستغفر الله حينا بعد آخر. باغته ذلك الكابوس المزعج ليقض مضجعه من جديد. فكر في العذاب الذي لقيه في السجن بتهمة لا يعلم عنها شيئا. تذكر ألوان العذاب التي تجرعها مع إصرارهم على تلفيق تهمة حيازته للسلاح.
– أين تخبئ السلاح ومن يتعاون معك؟ هكذا كانوا يرددون على مسمعه ذلك السؤال المريب.
– أقسم أنني لا أعلم عما تتحدثون.
وهكذا كان يجيب عبد الحميد بصوت متقطع والذعر يفترسه.
بينما كان يهم بالنهوض ليصلي الفجر، سمعت زوجته طرقا شديدا على الباب.
– شكون.
تواصل الطرق بشدة أكبر…
– يا ربي السلامة.

* كاتبة من المغرب.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق