ثقافة السرد

السّيدُ والعبْدُ الحكيمِ

ابراهيم امين مؤمن
حادثة من حضارة الرّقّ فى عصر الرومان القرن الرابع عشر الميلادى
***
فى نزهةٍ أرادها سيد من سادة الرّومان على شاطئ بحرٍ وقت الغروب , إصطحب معه بعضاً من جنوده وعبداً حكيماً ,وسيده يعلم حكمته, ولذالك أراد سيده ان يسمع منه حكمته,, ولكنّ العبد المرقوق فاجاءه بعكس ذالك بعد أن أخذ العبد منه الأمان.

 وقد كان العبد وقتئذ يعلم ان سيده لا ينقض عهدًا , ولولا أقوال أفلاطون وأرسطو اليونانيْين رغم أنّه من الرومان, والعادات والتقاليد الرومانية المستحكمة التى تحولتْ الى طقوس مقدّسة فى معاملة العبيد الوحشية لكان لسيده شأن آخر معه……..
ايُّها القرّاء لا تنسوا أن المشهد وقت الغروب عند شاطئ البحر …
قال السيد …
ألا ترَ يا هذا حمرة الشّمس عقيقاً أحمراً او مرجانا كخاتمى الملكى هذا.
او كلون الدم يسرى ويتدفق فى عروقى وقلبى هذا ( والسيد يومأ نحو اصبعه وعروقه وقلبه وهو يتكلم ) , او زينة من ازهار المرجان استنشق عبيرها فتطيب جسدى ؟.
تهبنى كل نعمة يا ( هذا ) ثم تغرب لتتركنى فى ليل انعم فيه بالنساء والسمر والخمر والرقص والغناء.
قال العبد..
ارى فى غروب الشمس انها نذير نومى فى زنزانة مصفّد الاغلال بين الفئران والحشرات بعد كدّ يوم طويل فى نقل الحجارة وانا اُضرب بالسياط على ظهرى يا سيدي.
ياتى الليل لابكى على ضحكاتك ايها السيد العزيز, وارقص رقصة المذبوح على لحن موسيقاك وانت ترقص ملتذا يا سيدى ,وتلهو بى كدميتك

فى حمرتها , قطر الدم يسفك من شرايينى وعروقى, فتشقق جلدى, ويزيد تشققا,حال غروبها ,فتاخذ دمى معها ,فاصبح دميما قبيحا لايشمنى احد الا تاذى وتافف من نتن الرائحة.
تهبك لون خاتمك ولكنها تنزع منى انسانيتى .
تتمتع بالنساء مرتعشا من اللذة وانا اتراقص معذباً محروماً على لحن لذّاتك
…..
قال السيد ..
ألا ترى البحر ؟
يتمطى بصلبه فيقترب منى حباً ووداً , يرمينى بغبِّ مائه وتتطاير دفقات من مائه فتسقط قطراتها على وجهى أُنساً وطيباً .
الم ترى تراقص أمواجه ؟ كم ذكّرنى برقصتى سامراً فى الليل.
الم ترى تلاطم أمواجه احتضاناً وحباً ؟ كم ذكرنى وانا اضاجع إمائى بالليل.

الم ترى يا هذا لونه الازرق ؟
كم ذكرنى بياقوتتى الزرقاء الذى التى تضئ فى نفسى وروحى .
الم ترى يا حقير كم فى أعماقه من الكنوز واللألئ .
كم أعطى الخير لى لأنى شريف ؟ وكم سرتُ بسفينتى فى بطنه فسيْرنى ودفعنى وأخرجنى على شطآنه عزيزا قديرا .
قال العبد…
يتمطى بصلبه ليدفع منه قروش البحر لتاكلنى يا سيدى, وأنت تأكل حتى بعد الشبع يا سيدى.
تتطاير دفقاته شظايا من لهيب تشوه وجهى كتلك اللطمات المتتاليه منك يا سيدى ..
تتطاير شظايا من لهيب كالشعلة التى حمّلتنى إيّاها يوماً لأتقاتل بها مع زميلى المسكين من العبيد مثلى ..
فكنا نحترق وأنتم فى رنين متواصل من الضحكات
نحترق وتضحكون سيدى العزيز الاكبر …
وما فى اعماقه إلا ظلام حالك كظلام نفوسكم الذى يجرى فى كل كيانكم ..
طقوس سيدى .. طقوس …
ظلمات نفوسكم طقوس تأدونها تقربا لآلهتكم المزعومة سيدى ..
وما تلاطم أمواجه سيدي ؟
كنا فى يوم أوقفتمونا انتم الأسياد فى صفّين من العبيد ومعنا الحرابى والسيوف ثم أطلقتم صفارتكم العمياء إيذاناً بالإلتحام والتقاتل فكنا ندفع بعضنا بعضا أملاً فى الحياة
هذا هو طلاطم الامواج سيدى ..
ودمائنا كانتْ زبد بحرِك ايها السيد الوفى فى كلمتك ..
كنوز ولآلى … كنوز ولآلى ..
ألم نحضرها لكم بعد معارك شرسة مع القروش والحيتان ..
من وهبك سيدي ؟
كنا نموت غرقى ونطفو حتى نتعفن وانتم تلبسونها وتكنزونها وتتطيبون بالطيب مع الزينة ..
قال السيد ..
كم فى الثرى من حياة ؟
وكم فى الرياح من نسائم .؟
وكم هى الحياة جميلة ألتذّ بأنهارها ورياضها ونسائها وما ذالك إلا من صنائع يدى وبعلم أُوتيته من عندى؟

قال العبد ..كم فى الثرى من قبور.
وكم فى الرياح من عواصف كانت تلفحنى وأنا حامل الثلوج التى تبرّد حلوقكم وعروقكم
يا سيدى ..
يا مالكى ..
قال السيد ..
لولا أنّى أمّنتكَ لقتلتُك من أول وهلة فحاذر ..
قال العبد لولا انك امّنتنى لما قلتُ لك هذا يا سيدي
وسوف ياتى يوم نرى فيه نحن العبيد ذاك العقيق الاحمر فى الشمس وننعم بدفقاته التى تروينا وتثلج صدورنا ..
سوف يأتى يا سيدي وننعم بآدميتنا … سوف يأتى

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق