ثقافة السرد

الديكتاتور والكلاب وقصص أُخرى

باسم المرعبي
انتقد الديكتاتور مواطنيه لأنهم لا يحبون الكلاب، معتبراً ذلك من صفات التخلّف. فأصدر أمراً ملزماً بأن يقتني، كلّ فرد بالغ من أفراد الشعب، كلباً يعتني به، حتى لو كان في العائلة الواحدة عشرة أفراد راشدين فهذا يعني وجود عشرة كلاب معهم. بهذه الطريقة ومع الوقت أصبح عدد الكلاب مساوياً لأفراد الشعب، وبطريقة غامضة أخذ عدد الكلاب يفوق عدد المواطنين. حتى جاء الوقت الذي لم يبق سوى الكلاب والديكتاتور. عندها تنفس الصعداء وقال: الآن فقط بلغنا ذروة التقدّم.

كافكا في الطابق العلوي

كان فرانز كافكا يتحرّق شوقاً للعودة إلى عالمنا. كان يضمر الانتقام من ماكس برود، وعندما تحققت أمنيته لم يضيّع دقيقةً واحدة، فشرع بالكتابة طوال النهار، طوال الليل، ولم يكن في شقته، في عودته الثانية هذه، ما يدلّ على وجود حياة سوى صوت الآلة الكاتبة، حتى خُيّل لجيرانه في الطابق السفلي، أنه يُنقّل الآلة معه أينما تحرّك داخل الشقة. أنجز فرانز كافكا عشرات المخطوطات، ولم يكن لديه الوقت لمراجعة ما يكتب. وحين فاق نتاجه في حياته الثانية ضعف ما كان قد نشره صديقه الخائن ماكس برود، توقف عن الكتابة ليشرع في تسليم مخطوطاته إلى النار، تاركاً قصاصة صغيرة تطفو فوق الرماد موجهة إلى ماكس برود من سطر مقتصد: كفيتك المهمة هذه المرة!

كتاب كافكا

حينما أفاق كافكا وجد أن كُتبه التي كان يجب أن تُحرق قد انتشرت وملأت مكتبات العالم. غضب كثيراً، إذ ليس بينها، جميعاً، ذلك الكتاب الذي طالما تاق إلى كتابته.

خلْط الأوراق

فوجىء المحقق المكلف بمتابعة قضية خطف وقتل الرسام والصحفي سلام رؤوف خطار، أن المشتبه به الذي قُبض عليه قد انهار واعترف بارتكابه هذه الجريمة وجرائم أخرى يتعلق أغلبها بشخصيات معروفة، وبيّن في التحقيق أنه يعمل لصالح مجموعة أطلقت على نفسها مجموعة الجريمة المستقلة، وحين استفسر المحقق مدهوشاً عن غرابة تسمية كهذه، شرح له الموقوف، أن سبب التسمية هو عدم ارتباط مجموعتهم بأيّ جهة سياسية من الجهات الرائجة والمتحكمة بالبلد، وأنّ مهتمهم تتلخص، قبل كلّ شيء، في مراقبة النزاعات والمماحكات التي تحدث بين جهاز الحكومة والجهات أو الشخصيات السياسية والحزبية المختلفة، من جهة، وبين الصحفيين والمثقفين وعموم المعارضين، من جهة أُخرى، ومع تصاعد وتيرة مثل هذه الاحتدامات وتطورها إلى تهديدات فإن منظمتهم ـ هكذا حرص على تسمية عصابتهم ـ تستغل مثل هذا الجو الملتهب وتقوم بتحديد الضحية لتنفيذ الجريمة، ليُصوَّر الأمر وكأنه تصفية حسابات بين الأطراف المتصارعة. نحن لا علاقة لنا بكل ما يدور وهو لا يعنينا في شيء وكل جرائم القتل التي نفذناها لا رغبة لنا فيها، بالأصل، لأنّ مهمتنا تنحصر فقط في خلط الأوراق. بهذا ختم القاتل إفادته وقد بدت عليه علامات الارتياح!

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق