ثقافة المقال

المثقف العربي ومرجعية الإخلاص للروح المبدع

ميثم الجنابي

إن الامتحان الأكبر لوجود الإنسان والجماعة والأمة يقوم في مستوى إدراكهم لتراكم الحق والحقيقة والخير والفضيلة. ويفترض هذا التراكم التكامل بمعايير العلم والعمل، أي بمعايير أحراره العظام ومرجعياته الروحية المتسامية، لكن من خلال وضعها الدائم على محك التجارب الذاتية. إذ لم يكن المقصود بالشيطان هنا سوى تقاليد الغواية المتكسرة بتقليدية الفكر والوعي. فهي المكونات التي تصنع شياطينها، أي قواها القادرة على إغواء العقل والضمير وإغرائهما في التلذذ الحار ببرودة البلادة الأبدية للجمود والتحجر. وهو إغواء وإغراء لا يفعلان في الواقع إلا على لف الفرد والجماعة والأمة والثقافة في فلك الاجترار الدائم للزمن، مع ما يترتب عليه من فقدان التراكم الضروري بالنسبة للتاريخ ووعي الذات. وهو زمن لا يعمل إلا على جعل الأمة والثقافة يواجهان ما يواجهه العوام من قلق الزمن الضائع.
إذ ليس الزمن الضائع بالنسبة للفرد والجماعة والأمة والثقافة سوى الوجه الآخر للإرادة البشرية المتكسرة بدهاليز الإغراء والإغواء. وهي إرادة شيطانية، بمعنى أن مبدأها الولع وغايتها الولع وما بينها اجترار للقلق. وهي صورة واحدة من حيث المضمون. أنها الصورة التي تثير الفزع في الطفولة، والولع في الرجولة، والجزع في الكهولة. ذلك يعني أنها صورة الإرادة المسلوبة. فحقيقية الشيطان في هذا الميدان ليست إلا الوجه الآخر لتلون الإرادة المتكسرة بدهاليز الإغواء والإغراء. فقوته من ضعفها، وضعفه من قوتها. وهي معادلة تصنع ما يمكن دعوته بثلاثية الإرادة الشيطانية: جسد بلا روح، وإيمان بلا هداية، وعلم بلا دراية. وهي ثلاثية تقفل على الروح والعقل والإيمان إمكانية العمل بما فيهم من قوة قادرة على تنقية النفس والارتقاء بها إلى مصاف التمسك الدائم بالحق والحقيقة.
وهي ثلاثية أكثر من يمثلها ويجسدها الآن تلك القوى التي تعمل بمتطلبات الغريزة الجسدية وليس بمرجعيات الروح الثقافي للأمة، والتي لا يحتوي إيمانها على هداية لأنه موجه ضد حقيقة الإيمان باعتباره إحسانا، والتي لا يتعدى علمها تكرار واجترار ما عفا عليه الزمن من أحكام ومفاهيم ميتة. والقضية هنا ليست فقط في أن كلام القدماء، مهما كان عظيما يبقى جزء من تجاربهم، بقدر ما في خطورة تطويعه الجزئي الذي يجعل من فكر القدماء عبارات، ومن عباراتهم هراوات الإرهاب والاستبداد عوضا عن تحرير العقل واختبار الحكمة. وهي حالة تجعل من الممكن القول، بان الشيطان العربي المعاصر (أو العصري!!) هو القوة التي تعمل بدون هوية تلقائية في مواجهة إشكالاتها الكبرى والصغرى. وهو شيطان مارد، لأنه بلا آفاق. بمعنى انه قادر على سحق كل التراكم التاريخي للثقافة ومرجعياتها الروحية المتسامية، لأنه لا يعمل في الواقع إلا بأسلوب رمي الحجر بالحجر حتى دون أن يدرك الأبعاد الروحية فيه. وهو أسلوب لا قيمة وله ولا اثر في إنهاك القوى الشيطانية الفاعلة في نفسية وذهنية العرب الحالية. وذلك لأنه يكتفي بصورة “رمي الجمار”، أي حجر بحجر، دون الاعتبار برمزيتها التي قالت عنها شيوخ الإسلام العظام:”إذا كسرت الحجارة للرمي، فاكسر مع الحجارة إرادة الباطن وشهوات الأسرار وممكنات الأهواء”. بمعنى التحرر من عبودية الإغواء والإغراء القائمة في ضعف الإرادة.
إن مهمة كسر الحجارة الشيطانية القابعة في العقل والضمير تفترض كسر الإرادة المتكسرة وإعادة صهرها ببوتقة الحق والحقيقة. وبدون ذلك تبقى إشكالية الشيطان إشكالية وجودنا. وهي أتعس إشكاليات الوجود، لأنها مجرد شيطنة بلا شيطان! ولا يسع المرء هنا سوى التمني برميها إلى الشيطان، كما قال عنها مرة الشاعر الالماني الكبير غوته. وهي حالة تعبر عن المأزق الحرج والطريق المسدود. فحقيقة الشيطان هنا هي إشكالية تلازم فقدان المرء والمجتمع والدولة والثقافة لمرجعيات كينونتها الثقافية. الأمر الذي يعطي لنا إمكانية القول، بأن شيطان العالم العربي الأكبر الآن هو العمل دون هوية تلقائية، أي العمل بلا منظومة من المرجعيات العامة والملزمة في ميدان القومية والدولة والثقافة.
وهي الحالة التي يقف أمامها المثقف العربي بعد انحلال وتحلل الثقافة والمثقف في مجرى الاستحكام الكبير والهائل لمختلف انواع النظم الاستبدادية و”سياس” شراء المثقف بالرشاوي والجوائز وكثير غيرها، أي كل ما يجعل من المثقف ملاكا ضائعا في الزمن وشيطانا ماردا بيد الأحزاب! وهي مفارقة الثقافة والمثقف العربي الحالية. فإذا كان خراب الثقافة والمثقف في ظل سيادة الزمن الاستبدادي هي النتيجة الحتمية المترتبة على تجفيف مصادر الإبداع الحر، فان مفارقة الظاهرة تقوم في أن الأحزاب المعارضة لم تفعل في الواقع إلا على إنتاج نماذج استبدادية مصغرة. بمعنى أنها كانت تختزن في أعماقها تقاليد الزمن الميت وتقاليد الراديكالية الهامشية. وهي نتيجة كانت تكمن في مصادرة الأحزاب السياسية للثقافة والمثقف على السواء. ولم يكن ذلك معزولا عن استبدال طاقة الحرية الذاتية للإبداع الثقافي بقواعد العقائد الأيديولوجية المتحكمة بنفسية وذهنية الأحزاب. بحيث جعل من الأحزاب قوى متصارعة حتى في مجال “الاستحواذ على المثقفين”! وليس مصادفة أن تطلق بعض الأحزاب على نفسها لقب “حزب المثقفين”! وهي مصادرة من نوع غريب ومزيف، لكنها تعكس نفسية وذهنية الأحزاب المضادة لحقيقة الثقافة والإبداع الثقافي الحر. وحالما تتحول هذه النفسية والذهنية إلى عقيدة سياسية، عندها يصبح إنتاج شياطين الأحزاب الصفة الملازمة لها.
فالمثقف والحزب مكونات مختلفة، لا يمكن الجمع بينهما إلا في ميدان المواقف السياسية. وما عدا ذلك فالاختلاف قابل للتضاد. وخصوصا حالما يربط الحزب السياسي مواقفه من المثقفين بفكرة الطاعة والانقياد والدعاية، أي كل ما يجعل من المثقف كيانا ذليلا أمام الإغواء والإغراء. أما النتيجة فتقوم في تحول الحزب السياسي إلى شيطان كبير. مع ما يترتب عليه من موقف أيديولوجي مهمته تصنيع شياطين صغار، أي السنة بلا قلوب. وهي إحدى اشد الممارسات “السياسية” تعارضا مع فكرة السياسة بوصفها فضيلة نظرية وحكمة عملية. مع ما فيها بالضرورة من استعداد دائم لاقتراف الجريمة باسم الثقافة من خلال تحويلها إلى مرتع الارتزاق ومسوق الجريمة بغطاء القيم المزيفة والرصانة المفتعلة. وهي الحالة التي يمكن تتبع حيثياتها الهائلة في كل مجرى التاريخ الحديث والمعاصر للعالم العربي. بمعنى التصنيع الدائم من جانب الأحزاب لما يسمى بمثقفي الأحزاب. بينما تقول بديهيات الثقافة، بأن المثقف خارج الأحزاب والحزبية لأنه يعمل بمعايير الحقيقة، أي الأكثر تجريدا وتعميما وحكمة وفضيلة. بينما أفضل الأحزاب مصالح، والسائد منها مغامرات ضيقة. ومن ثم لا يمكنها أن تنتج أكثر من صناعة مزيفة في ورشات الإنتاج المتخلفة. بينما حقيقة المثقف تقوم في نفي هذه التقاليد المتخلفة وتفكيك آلية فعلها من خلال العمل بمعايير ومقاييس المرجعيات المتسامية، أي حسب “حقائق المرجعية الأبدية للروح”. وهي حقائق تستمد مقومتها دوما من ثلاث مبادئ جوهرية ومتناسقة بالنسبة للمثقف والثقافة وهي: الفردانية المتسامية، ووحدة العلم والعمل، والإبداع الحر عبر معاناة الهموم الكبرى للفرد والمجتمع والدولة.
إن “حقائق المرجعية الأبدية للروح” هي المنظومة الخفية للإبداع التاريخي. وبالتالي فهي المنظومة الجلية للإبداع الأبدي. وهي حقائق يمكن تأملها في كل تاريخ الأرواح الفاعلة في الجنس الإنساني، وما عداها مجرد هباء وغباء أو ارتزاق مر. وما لم يتوصل المثقف العربي إلى إدراك وتحقيق ذلك، فانه المأزق العربي يبقى “حيا” قاتلا! أما تذليل هذا الخلل الهائل فيفترض بناء الوجود الفردي والاجتماعي والقومي على أسس ثقافية حرة ومرجعيات تلازمها في بناء الدولة، لكي لا يكون المثقف مجرد ملاك ضائع في دراما الوجود العابر للسلطات والأحزاب.
إن إحدى الصفات الجوهرية المميزة للتاريخ العربي الحقيقي تقوم في كونه تاريخا ثقافيا، أي ليس اجترارا للبديهيات، بل نقدا متراكما للمنظومات الفكرية واجتهادا أوليا يتسم بقدر عال من الإبداع الثقافي، بدأ من الخط والحرف والمعمار والمدينة والدولة والقانون، وانتهاء بعلوم الفلك والأديان والفلسفات. وهي مكونات لا يمكنها الاندثار لأنها تهدأ في قاع الكلمة والمعنى الذائبتين في وجد الأمم والتاريخ العالمي. وكل حركة إلى الأمام تحتوي بالضرورة على قدر من تحريك الماضي. وهو تحريك يؤدي بالضرورة إلى لمعان الهدوء الكامن في المعنى التاريخي للإبداع الثقافي. بمعنى إعادة إدراكه المتجدد. وهو إدراك يشّذب ويهذّب بالضرورة تحديد القيمة الثقافية للماضي، ويكشف عن أن الماضي هو حاضر ومستقبل أيضا. وهي المقدمة التي تتمثل في الواقع ذهنية وروح التفاؤل المغري للعالم العربي في إمكانية تجاوزه الأزمة الحالية للدولة والمجتمع والثقافة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق