قراءات ودراسات

“معارك الصحراء” لخوسيه إميليو باتشيكو: لعبة عرب ويهود!

باسم المرعبي
يمثّل النزوع الى استرجاع الماضي نوعاً من الطفولة، ولا يصحّ هذا على الأفراد فحسب بل يصحّ حتى على الشعوب. لسنا نحن فقط أبناء هذا الزمان مَن يحنّ الى الماضي، بوصفه زمناً جميلاً، بريئاً، كما درجنا على تصورنا وادّعائنا هذا، وقد شاع في كثير من مفاصل حياتنا، حتى بات علامة فارقة لهذا العصر الذي ينزع الى مغادرة عصره مستنجداً بالماضي. صحيح نحن نحيا في ظلّ تبدّل كثير من القيَم، بل حتى ولادة قيم أُخرى، صفيقة، متوحشة، لكنّ مثل هذا الإحساس قد عرفتْهُ أجيالٌ وشعوب مغرقة في قدمها أيضاً.

لقد كان السومريون يعتبرون الأزمنة السابقة لهم أجمل وأنقى! وتمثّلَ الماضي لهم عصراً ذهبياً كان العالم يرفل، خلاله، بالسلام والوئام وكان البشر كلهم بلسان واحد. كما يذكر ذلك طه باقر في مقدمة ـ دراسته لملحمة كلكامش.

في “معارك الصحراء” للشاعر والكاتب المكسيكي، خوسيه إميليو باتشيكو، ترجمة سمر عزت ومراجعة د. علي المنوفي ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب. تتقدّم هذه الثيمة، رثاء الماضي، الى جانب ثيمات أُخرى، بوصفها نقداً سياسياً بالدرجة الأساس، لنظام “عالم ثالثي” هو نظام الرئيس المكسيكي، ميغيل أليمان، المذكور صراحة في الرواية، الذي حكم المكسيك للفترة 1946ـ 1952. حين يتحدث الكاتب عن بعض مثالب هذا النظام، وهي قاسم مشترك بين كل الأنظمة الديكتاتورية، حيث الفساد والتبعية والاستبداد، من بين صفات عديدة أُخرى تجمعها، تشعر أنه يتحدث عن نظامك الراهن، المتألّف من مجموعة لصوص متآلفة. (إنهم يسرقون حتى ما لم يكن موجوداً. كل من هم في حكومة أليمان عبارة عن حفنة من اللصوص). وليس مهماً كثيراً أن يجري مطابقة شرور نظام أليمان على ما هو راهن فقط من أنظمة بل إنّ ذلك يمتد لما هو سابق وحتى ما هو قادم، بشكل أو آخر، فالجزئيات التي تشكّل بالأخير وجه النظام القبيح، سواء كان ثيوقراطياً صافياً، أو مرقّعاً، أو وجهاً مدنياً بدخيلة قبَلية وسوى ذلك، هذه الجزئيات غير مهمة، طالما أنت، في المحصلة، تقع تحت هيمنة هذه السلطة المتنكرة بألف قناع وقناع، أيها القارئ وأنت تقرأ هذه السطور الآن، بوصفك تنتمي الى أُمة يجمعها هذا الحرف الذي نقرأ ونكتب به: (أينما كنت تجد نفسك محاطاً بوجه السيد الرئيس: رسومات ضخمة، بورتريهات مثالية، صور في كلّ مكان، رسوم كاريكاتورية تمدحه ونصب تذكارية له وقصص وأساطير تُروى عن التقدّم الذي تحقق على يد ميغيل أليمان، بوصفه أباً روحياً. تملّقٌ في العلن وسبٌّ في الخفاء). ولكَ أيها القارئ أن تحذف اسم أليمان وتضع ما شئت من أسماء مستبدين خرافيين صغاراً كانوا أم كباراً عرفتهم في بلادك أو المنطقة، عموماً، هؤلاء الذين لا ينتجون سوى مواطنين خائفين، مشوّهين. حيث يتملقون علناً ويشتمون سرّاً. لكنها هي قصة المكسيك كما أرادها باتشيكو، المكسيك في خصوصياتها وصراعها بين القديم والجديد، المكسيك التي أخذت تتوارى وراء ضباب الاستعارات الثقافية الأميركية الاستهلاكية، فيتصرف المكسيكيون كمحدثي نعمة متخلّين عن تقاليدهم المحلية، لقد نهض عالم جديد آخر، لكنه مفعم بـ (التضخم والتغيرات والازدحام وانعدام الأخلاق والضجيج والجرائم والتكدس السكاني والتسول والأجانب وانتشار الفساد والغنى الفاحش لدى القليلين والفقر المزري للأغلبية). هذا ما يشكو منه الكبار الذين يرْثون عالمهم الفردوسي الذي مضى، وقد مضت معه، حتى الأنهار، كما أنّ الجبال ما عاد يمكن رؤيتها، بفعل الاختلال السكاني، العمراني كإشارة وإن عابرة الى الخراب البيئي، لكأنّ الجغرافية ذاتها انحرفت عند اعتاب هذا العالم الجديد. في حديث باتشيكو الآنف، كأنه يسرد علينا قسَمات عصرنا الراهن، جاعلاً من المكسيك، أو تحديداً العاصمة، هي العالم بأسره. لقد عاود باتشيكو هذه الموضوعة مراراً، موضوعة ندب مدينته مكسيكو بوصفها مدينة مفقودة كما في مجموعته الشعرية “زمن الظلمات” ـ 2009 وبشكل خاص في قصيدته، المعنونة “مهداة الى الغريبة”، كما تفيدنا بذلك رلى راشد ـ النهار، ومنها:

توجعكم مدینة جعلتموھا مدینتكم ومن المؤسف رؤیة كیف دمّرناھا ولا نزال نبدّدھا.

لا أفھم أسباب شغفكم بمكان باعث للیأس ومفرغ من الأمل. ربما ثمة أمل لأنكم

تلتقون ھا ھنا مرةّ إضافیة وتملأون الزمن القاتم ضوءاً. 

قصة حب غير تقليدية

الطابع النقدي الذي اتسمت به الرواية، عامةً، يتعزّز مع كل ثيمة فيها، كما في قصة الحب الغريبة، السريعة من طرف “كارلوس”، فرغم غرابتها غير أن القارئ يستشعر الانحياز غير الموارب للكاتب الى جانب بطله، فهو يُرجع الاستنكار الذي جوبه به، حدّ وصمه بالمرض والجنون من العائلة والمدرسة والكنيسة، أي المجتمع بأسره، الى مرض ونفاق المجتمع ذاته. فقد وضع على لسان بطله عبارات بليغة تدين المجتمع في الصميم كونه قائماً على الكراهية أكثر من الحب:

(الحب مرض في عالم يُعدّ فيه الكره الشيء الطبيعي الوحيد). وفي موضع آخر: (لم أكن نادماً ولم أشعر بالذنب، الحب ليس خطيئة.. إنه إحساس جميل، الشيء الشيطاني الوحيد هو الكره). إنّ في جعل باتشيكو لبطله، الطفل كارلوس عاشقاً لماريانا المطعونة في سمعتها، هو نوع من التبرئة لها وإضفاء مسحة براءة عليها وتعزيزاً لدور الأم لديها.

كارلوس شخصية العمل الرئيسة وهو السارد الذي يدور كلّ شيء على لسانه ونتعرف من خلاله ونشهد ظروف بقية الشخصيات والأحداث، حتى إنه ليستحضر ذكريات ووقائع شهدها وهو ابن السنتين. كارلوس الصغير، العاشق مع بدء استيقاظ حواسه، يعلن عن حبه لماريانا المتفردة الجمال، يعلنه لنفسه بدءاً، حائراً بكنه هذا الشعور الذي دهمه فجأة منذ أن التقاها في بيتها للمرة الأولى، ماريانا التي استحوذت عليه كليّةً رغم استحالة مثل هذا الحب، فهي أم صديقه وزميله “جيم” الذي يماثله عمراً، وهي محظية “السينيور”، هكذا يسمونه، أحد مساعدي الرئيس، وهو واحد من حفنة اللصوص. يدرك كارلوس مأزقه منذ اللحظات الأولى لحادثة عشقه، فبعد عودته من بيتها بعد أن كان دعاه صديقه “جيم”، يقرّ مع نفسه أن هواجسه هذه ستكون مجرد ذكرى، مستقبلاً، لمعرفته بحجم التفاوت والمفارقة في عواطفه ـ مشاعره. (سأحافظ على هذه الذكرى لأنني وقعتُ اليوم في حب ماريانا. ماذا سيحدث؟ لا شيء. من المستحيل أن يحدث شيء. ماذا أفعل؟ هل ألتحق بمدرسة أُخرى حتى لا أرى جيم وبالتالي ماريانا؟ هل أبحث عن طفلة من نفس عمري؟ ولكن في مثل هذه السن لا يمكن لأحد أن يبحث عن أي طفلة. يمكن له فقط أن يحب سرّاً، في صمت، مثلما أُحبّ ماريانا. أحبها وأنا على يقين تام أن شيئاً لن يحدث ولا ينبغي أن أتعلّق بآمال لن تتحقق).

غير ان ما سيُطلق عليه الجنون فيما بعد، قد حصل، أي التصرف الذي سيقوم به لاحقاً، بعد اللقاء الأول وهو هروبه من المدرسه والتجائه الى ماريانا ليصارحها بحبه، والتي تُفهمه بطريقة واعية، رقيقة وأمومية استحالة ذلك، فهو مثل ابنها مذكرة إياه بأنّ اليوم الذي سيضحك فيه من ذلك، سيأتي.

لكنّ البكاء لا الضحك كان هو الموقف السيّد في نهاية هذه القصة، بعد معرفة كارلوس بفترة من انقطاعه بفعل إبعاده عن “جيم” وبيته أن ماريانا قد وجِدت ذات صباح، غارقة في دمها، منتحرةً بعد خلاف مع “السينيور” اتهمته فيه أمام حشد من أصدقائه “الكبراء”، باللصوصية والفساد، ما دفعه الى صفعها ونعتها بكلمات بذيئة. كنوع من المفارقة يُبرزها الكاتب، إذ إنّ الذي يتحدث عن الشرف هو ليس سوى عضو فاسد في جوقة فاسدين ولصوص. إن مقتل ماريا، حتى لو بيدها، وبالطريقة التي جرت، إدانة صارخة للنظام وشلّته، فقد مثلت قتلاً رمزياً للصوت الآخر، المُحتج. إنه الهاجس السياسي ذاته الذي أُستهلّ به العمل والذي يتكامل كرؤية نقدية لنظام فاسد وما يتخلل ذلك من إشارات كثيرة بليغة عن التفاوت بين الناس، بسبب العامل الاقتصادي مثلاً، وهو يُرَدّ الى أسباب سياسية، بطبيعة الحال، كما في هذه الإشارة التي ترد بصدد زوجة “السينيور” التي توصف بأنها امرأة مخيفة وبدينة جداً تشبه الببغاء أو الماموث، والتي تُبرَّز أخبارها، رسمياً، كمحسنة وصاحبة مبادرات خيرية وبشكل خاص ما يتعلق بالأطفال: (يقول أبي إنهم يجعلونهم فقراء، ثمّ يتصدقون عليهم). 

الصراع العربي ـ الإسرائيلي في المكسيك

“معارك الصحراء”، عنوان الرواية، هو إشارة مباشرة الى قضية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية الفلسطينية. يتناول الكاتب الصراع عبر رصد المحاكاة المشهدية التي يؤديها، كلعبة من ألعابهم المفضّلة، أطفال الجاليتين العربية واليهودية في المكسيك بوصفهم مهاجرين، هؤلاء الذين يسكنون حيّاً واحداً، يُسمّى “حي روما” ويطلق عليهم المكسيكيون اسم “الأتراك” كما في سائر بلدان القارة اللاتينية. ربما في تجسيد ورصد الكاتب لمشاهد كهذه، أي انتقال الصراع الى أطفال الفريقين من العرب واليهود، إشارة منه الى توارث الأجيال هذا الصراع، رغم أن الرواية تخوض في وقائع ومتغيرات في راهنيتها، فالمدى الزمني الذي استهدفته الرواية، وهو ما يُعرف بزمن الحكاية، يمتد من الأربعينات حتى الخمسينات من القرن الماضي، ولابد أن باتشيكو قد عمد الى هذا الإسقاط ـ فيما بعد ـ على ضوء الوقائع الحقيقية للصراع الذي قارب، اليوم، سبعين عاماً. في الوقت الذي يحذّر على لسان شخصية “موندراغون”، المعلّم، من آثار هذا الصراع مستقبلاً، إذا ما بقيت الكراهية قائمة بين الفريقين كما تمثلت لدى هؤلاء الأطفال الذين كانوا تلامذة، وهي رسالة سلام تأتي بلا إقحام في الرواية، خاصةً، في جو المواطنة المتساوية لكلا الطرفين، باعتبارهم مواطنين مكسيكيين، كما كان يخاطبهم في الصف. غير أن مواعظ كهذه، إذا ما نُظر إليها من صلب المأساة الفلسطينية، تبقى برّانية لأنها لا تتمثل الصراع وأسبابه في حقيقته وما أدّى إليه، إلا في حال أن الكاتب أراد بذلك التحذير من نقل الصراع الى أراضٍ غريبة بعيدة كثيراً عن المنطقة الأم، وهي غير معنية به، بأي حال: (خلال أوقات الراحة نأكل شطائر القشدة. وكنا نلعب فريقين: عرب ويهود. كانت دولة إسرائيل قد تأسّست لتوّها والحرب قائمة ضد جامعة الدول العربية. أما الأطفال الذين هم بالفعل عرب أو يهود، فقد كانوا فقط يتحدثون ليتشاتموا ويتشاجروا. كان معلمنا موندراغون يقول لهم: إنكم ولدتم هنا، مكسيكيو الجنسية مثل زملائكم. لا ترِثوا الكراهية). هي، لا شك، رسالة سلام أرادها الكاتب ضمن خطاب شامل يأتي على ذكر الفواجع والحروب التي خاضتها البشرية كالحربين الأولى والثانية والعيش في ظل التهديد النووي للعالم، لكأنه غير معني بجزئيات وخصوصية الصراع العربي الإسرائيلي وجذوره. لكن باتشيكو في الوقت ذاته لا يغفل، وفي التفاتة ذكية منه، عن انتفاء إمكانية تلقي خطاب السلام ونبذ الكراهية ببساطة، حين جعل ضحكة تنطلق في نهاية كلام “موندراغون” لتلامذته، دون تحديد الطرف الذي صدرت منه ضحكة السخرية هذه: (سُمع رنين ضحكة آتية من الصفوف الخلفية، فنظر موندراغون إلينا حزيناً، متسائلاً: تُرى ماذا ستفعل بنا السنون، كم من الشرور والكوارث تنتظرنا في المستقبل؟).

رغم التكثيف الذي بدت عليه الرواية، غير أنها كانت من السعة بمكان، نظراً للقضايا العديدة والعميقة التي تصدّت لها، كما حفولها بالتفاصيل المهمة والحيوية. فالطروحات تعددت وتفاوتت في نيل حصتها من تركيز الكاتب، غير أنها وعلى كل حال كانت حاضرة وماثلة في وعيه ما أدى الى أن تكون حاضرة نصب وعي القارئ، بالضرورة، فمن موضوعة السلطة الى العنصرية الى الهجرة الى التعدد الثقافي والتهميش الى الصراعات التي تتهدد البشرية، سويةً مع ثيمات كونية أُخرى، كالسلام والحب، وهذا الأخير مهما كان الشكل الذي اتخذه في الرواية، فقد كان المعني به فلسفته في حد ذاتها وليس تجليات هذا الحب، الذي يمكن أن يخفق هنا أو هناك. وكما أن خوسيه إميليو باتشيكو (شاعر غیر عادي في تصویره للحیاة الیومیة بعمق وقدرته على خلق عالمه الخاص)، كما في تقرير منحه جائزة ثرفانتس، العام 2009، فقد تجلّى أيضاً عبر “معارك الصحراء” سارداً مهماً انطوى على رؤى فنان ملهَم، يأخذ بقارئه الى عوالم مشوّقة، متينة فنياً، دعامتها ملكته السردية التي استعانت، في أحيان كثيرة، بالسخرية كأداة نقد وكشف. و”معارك الصحراء” هذه واحدة من عدة أعمال قصصية وروائية عُرف بها باتشيكو، وعلى مدى سنوات طويلة، مثل”دم قنديل البحر”، “الريح البعيدة”، “ستموتين لاحقاً” و”مبدأ السعادة”.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق