قراءات ودراسات

نوح الصمت وبلاغة البوح في رواية “نساء كازانوفا”

حفيظ رحماني*
“إننا معشر النساء نعشق بآذاننا كما تعشقون أنتم معشر الرجال بعيونكم، إن كنتم تعشقون.” أوسكار وايلد – صورة دوريان غراي
تشهر رواية واسيني اﻷعرج “نساء كازانوفا” دار اﻵداب – بيروت – الطبعة اﻷولى 2017) )في وجه القارئ – فضلاعن الوشائج النصية مع غيرها – وعبر المركب اﻹسمي الذي تتشح به ، ملامح حضور أنثوي بصيغة جمع سرعان ما يؤول إلى هيمنة مفرد واثق من يقين امتلاك لا ريب فيه. ولا تلبث بعد ذلك اﻹلماعات الواردة كاستشهادات في المستهل، أن تستنفر حساسية المتلقي لتصرفه إلى حصر فرضياته وتخميناته في ما يتسق مع عنوان الرواية.

قبل أن يكتشف، بعد توغله في المتن الروائي، أن الاستشهادات إياها لا تبرز تعالقا مع الثيمات الرئيسة للرواية فحسب، بل هي تكثف، على نحو جمالي ملفت، الغميس المختلج في عمقها. كما تطالعنا به، تمثيلا، اﻹحالة إلى وليام شكسبير في مقطع من ومضات إشاراته و تنبيهاته: ” حذار من الكذب على النساء. إنهن يملكن قدرة كبيرة على تحسس الحقيقة،و ملكات أعظم على التظاهر بعدم معرفتها ” ص 6. .
في الاقتراب من مناطق الثقل في الاجتماع الإنساني تجد الرواية نفسها مدعوة إلى شحذ كل فاعليات التخييل ليس ﻷن رهانها يظل فنيا في المقام اﻷول، بل ﻷنها، إذ تفضح ما يتخفى خلف أشكال اﻹدعاء و التمويه ، تروم اختراق المحصن في مساحات الظل لإبداء تبرمها من القاتم الذي يفخخ الواقع القائم.
إن في التقاط الرواية، للمتخفي و الظاهر من التفاصيل الحياتية، ما يجعل الخطابات الثقيلة في محك الاختبار. هكذا تتجلى حقيقة الشخصية المحورية ” كازانوفا “، و من خلالها يقودنا خيط السرد إلى الاقتراب من نزوع كامن يعلن عن نفسه عندما يسحب الكينونة اﻹنسانية نحو أوهامها اﻷشد فتكا قبل أن يجعلها تخر صريعة أقنعتها. تتبدى أشكال الهيمنة عارية لا يحجبها ذلك الجدار السميك الذي يستدعى فيها الدين لوضيع بشاعات لا تمت بشبه صلة إلى عليائه ” الله لا يظلم و لا يمقت، وإلا ﻷصبح مثل بقية البشر” ص 384. يمعن واسيني، بحساسية فنية بالغة الرهافة، في تفكيك ذلك المركب الذي تمتزج فيه سطوة اﻷعراف، وسلطة المال، ومظاهر التدين، لصناعة وجاهات تظهر بالنهاية عارية لا تخفيها تورية أو مخاتلة. ففي مرايا بوح للا لكبيرة، ومباركة، و زينا، وساراي، وروكينا يعيد رجل اﻷعمال كازانوفا، في عز خيانة الجسد وإرهاصات الرحيل، تلمس صورته التي أشاح عنها فلاحقته عندما ألح في طلب حضور زوجاته اﻷربع ليتسامح معهن.. ينفتح أرشيف اﻷلم على سيرة “أنا” لم تر يوما عداها كما ينقل السارد على لسان للالكبيرة : ” أنت لا ترى شيئا إلاك. حتى المرايا لا تعكسك إلا أنت و إلا تكسرها. وخوف أن أكسر بعنف وترمى أجزائي في كل مكان، فضلت أن أكون مرآتك السرية، وأصمت ” ص 123. ما شاءه كازانوفا لحظة فارقة تمكنه من المضي إلى قدره غير مثقل بأحمال الذاكرة هي تحديدا اللحظة التي تقود زوجاته إلى زحزحة الغطاء عن بئر الوجع المكتوم ” هناك جروح تظل متخفية تحت قشرة خادعة قبل أن تنفجر مثل بركان ” ص 291.
تضع الرواية القارئ في صلب تقابل يبلغ حدوده القصية بين مشهدية كازانوفا، على سريره الطبي غارقا في صمته القسري، بعد الجلطة الدماغية المفاجئة، هو الذي كان لسانه وسيلته اﻷنفذ للاختراق والهيمنة. في ما يبرز تدفق الكلام لدى نسائه، مجردا من سطوة مداهنة تمليها اشتراطات المقام، كيف تمعن الذات المنتهكة، نكاية في صمت كازانوفا، في ركوب موج اللغة كأنما تستعيد، عبر البوح، ما صادره جبروت نزواته في فجر التوق ومطلع الشوق. لا يتحدد دور اللغة، بهذا الخصوص، في الوظيفة اﻹبلاغية والتفاعلية، بقدر كونها حيزا خاصا للتحقق والتجلي. ففي حوارية الكشف والفضح، تستأثر نساء كازانوفا بحصتهن اﻷوفى من القول في الفضاء المغلق للدار لكبيرة. ينحو الكاتب إلى إضمار تقنياته السردية وعدته من المكر الروائي عندما يحكم تكثيف وقائع حافلة عن حيوات زوجات كازانوفا تمتد أحيانا من طفولة مصادرة إلى علاقة زوجية جرى تجفيفها من كل جوهر إنساني تحت وطأة نزوعات الامتلاك واﻹخضاع.
في امتداد طقوس التسامح/ الفضح، يجنح منطق السرد إلى تعطيل دفق اﻷحداث لنقل انعكاسها على المروي له. فيتبدى “لوط كازانوفا” غارقا في صمته، يجهد بإيماءاته وحركاته لتوكيد حضور صار نهبا لكل علامات الانتفاء والغياب. تمظهرات شتى من التداعي لا تحفل بها زوجاته، أو ربما بسببها تحديدا، تتهيأ أسباب إعادة بناء صورة الذات و ترميم شروخ ظلت تنخر الداخل النفسي لشخوص الرواية، وفي القلب منها نماذج نسائية، تبرع لغة السرد بحظها اﻷوفى من الانزياح في النفاذ إلى أكناهها. لغة تستند إلى التصوير الشفيف كما بوسع القارئ أن يلتقطه في معرض حديث السارد على لسان” امباركة ” عن عملها خادمة في الحمام العمومي، وطبيعة العلاقة التي نسجتها مع أجساد النساء ” أغلب النساء كن يستسلمن لي، مع أني لا أملك إلا أناملي ولغتي وهمسي وتفهم أجسادهن التي لا تتشابه..أدلك وأصغي لحكاياتهن وتنهداتهن، وأعطي ليدي وأصابعي حريتها المحسوبة ” ص 166 – 167. تبلغ دقة التوصيف وتطويع اللغة ذروتهما في استكناه عوالم الشخصية ذاتها. امباركة إذ يقودها قدرها إلى تغسيل اﻷموات في قسم البردات بأحد المستشفيات. حيث تحشد الكتابة الروائية كل إمكاناتها لتقريبنا من تفاصيل لاذعة لعالم جثث يغدو الانجذاب إليها والتوحد بها ) النيكروفيليا ( رديفا موضوعيا لصلة متشنجة مع جسد، إما أن ينتهي إلى الانطفاء في مناخ المصادرات واﻹرغامات .أو ينحت بدأب، في النادر من أحواله،عوالمه الموازية منفلتا مما لا يشبهه لوصل الذات بمناهل اﻹشراق والتفتق. ف “زينا ” التي شاءها كازانوفا واجهة ثقافية، يشيد من خلالها صورة لماعة عن رجل أعمال يتمتع بحساسية فنية فارهة في أوساط زملائه، تزيح اﻷستار عن الانتساب الزائف وتضع كازانوفا أمام كذبات شيدت بينهما أسوار عالية، منتصرة بالنهاية لعشقها اﻷول للفن. ” أحسدك على ذكائك وحرصك الكبير على الوقت الذي كنت تقضيه في ترتيب الكذبات حتى لا تكتشف…عالمي كان أبسط،حبيبي، أبسط بكثير مما تتصور. عالم امرأة عادية، لا سلطان لها على جسدها عندما يشعر بالرعشة وهو على منصة العرض، في عمق دوار الرقصة والموسيقى” ص 220 – 234.
من بين محددات أساسية شتى، تتصل بخصوبة التجربة التخييلية والتفاعل المثمر مع نصوص سردية تراثية وعالمية… فإن أهم ما يمنح للنص اﻹبداعي لواسيني اﻷعرج خصوصيته، من وجهة نظر كاتب هذه السطور، هو لغته التي تحتفظ لنفسها بمقدرة على التنقل برشاقة لافتة بين اﻹيحاء والترميز والتصريح، والتوظيف المحكم لكل ذلك الرصيد الحي من اللهجات المحكية ( اللهجة المغاربية والشامية السورية )، بل وإدراج مقاطع من اللغة الفرنسية ص153 – 188 ،ليظل الاعتبار في التجاور بينها يرتد أساسا إلى مساقات وجود جمعي ينتقي لسان مقاله من مرجعيات لغوية مشتبكة تجد صداها في البناء الروائي كلما أظهرت إنتاجيتها في الاقتراب من حرارة اللحظة وشفت عن الخبء مما اعتمل في دواخل الشخوص أو مجاهل الحياة..
يسترعي نظر القارئ ثراء اﻹحالات النصية في المتن الروائي موزعة بين النص الديني : القرآن ص 174 – 182. وسفر التكوين ص 290 – 297 .كما يمكن الوقوف على مرجعية النص التاريخي ممتزجا بنفس أنثربولوجي لا تخفى قسماته في لوحة التشكيل الروائي. عندما تجعلنا تفاعلات اﻷحداث، عبر شخصية “ساراي”، في عمق صحراء توات، بكل ثقل تاريخها، وأمزجة بدوها، و أنماط عيشهم. وهنا أيضا يذكرنا ذلك التمثيل الجمالي المائز للحياة في فضاء الصحراء بالمنجز الروائي لعبد الرحمان منيف وإبراهيم الكوني.. فرغم أن السارد يخبرنا عن كون الشخصية ” ساري” صحراوية بالغلط، فإن كل شيء فيها كان يجسد شيئا من صحراء توات، ولعل في المشهد الباذخ و المكتنز بسحر تفاصيل الولع باﻷعشاب الصحراوية، والحذق في أسرار الخلطات.. (الصفحات من 34 إلى 36 ) ما يجعل المتلقي واقعا في مدار جاذبيات اتساع فضاء فاتن وساكن، يغدو فيه ” للتراب معنى، وللعواصف الرملية لغة ” ص 294. .

* ناقد من المغرب.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق