قراءات ودراسات

“أربعون عاماً في انتظار إيزابيل” لسعيد خطيبي.. رواية المسكوت عنهم

عبد الدائم السلامي
ليست الحكاية لفظةً تُقال ويُصيبُها مَغْصُ الإعرابِ، وإنما هي الفضاء الذي يتخلّق فيه العالَمُ، هي مادة العالَم وشكلُه في آنٍ، بل هي طاقةٌ دائمة لبعث الحياة الحُرّة على الأرض، إنها نقيضُ العدم والانمحاء، الحكاية هي وَشْمُ الإنسان في جسد الزمن فلا يفنى كباقي آثاره. ولعلّ في هذا ما يُبرِّرُ شَغَفَ الإنسان بالحكاية: يهيمُ بها ويكتبها موسيقى أو لونًا أو حركةً أو سرداً.  فضّلت أن أجعل الحديث عن الحكاية مدخلي لعرض رواية «أربعون عاماً في انتظار إيزابيل» (ضفاف والاختلاف 2016) للكاتب الجزائري سعيد خطيبي بسبب خصوصية تعاملها مع مَحْكيِّها. ذلك أنها غامرت بتفتيت حكايتِها في زمن يبذل فيه الروائيّون كلّ جهودهم من أجل توحيد حكاياتهم بالتزام منوالِ سَرْدِها الشائعِ.
ولئن كان من عادة مثل هذه المغامرة أن تكون أمراً محفوفاً بمنزلقات فنية ومضمونية عديدة فإنها تجلّت في رواية سعيد خطيبي مغامرةً واعيًةً برهاناتها السردية خاصة من حيثُ حرصُها على حسن تدبير الحكاية حرصًا أراه قد حماها من وَهَن تشظّيها، بل وجعل من تشظّيها عنوان وحدتِها، ومن اختلاف مشاهدها سببًا لتكوُّنها في شكل عِقْدِ حكايات تكفّل بِنَظْمه في خيطٍ سرديّ متينٍ البطلُ جوزيف رينشار (الحاج جوزيف)، ذاك الفرنسي الذي تتلخّص قصّتُه في كونه قد شارك في الحرب العالمية الثانية، ثم انتقل إلى الجزائر وانضمّ إلى مجاهدي حرب التحرير الوطني، ليستقرّ في مدينة «بوسعادة» بصحبة رفيقه الجندي الجزائري سليمان بلهوم الذي قطع صلته بعائلته ووصفته الرواية بأنّه «صمت مدوٍ، يسكنه شخصان، ولم يفلح في التّفريق بينهما»، ويُقضّي جوزيف أربعين سنة في هذه المدينة يمارس خلالها فنّ الرّسم ويعيش بشخصيْن في واحدٍ أيضا، فهو يُعلن فيها إسلامَه عبر الحجّ إلى بيت الله، والصلاة مع الناس بالمساجد «صلوات سريعة وقلقة» ليُخفي مع ذلك روحَه المسيحيةَ فإذا هو لا يني يزور «بيت النصارى» في الخفاء، يزوره «بحُبٍّ كأرملة مخلصة لزوجها» ويشرب أحيانا ما تصل إليه يدُه من نبيذ محليّ أو فرنسي.
 
الباحث عن إيزابيل
على مدار هذه السنوات يظلّ جوزيف ساعيا إلى إعادة كتابة تاريخ الرحّالة السويسرية إيزابيل إيبرهارت التي أقامت في الجزائر زمنًا وغرقت في وادي «العين الصفراء» بالجنوب الجزائري منذ أربعين عاما مُخلّفةً وراءها مخطوطا كان اقتناه من أحد موظّفي بلدية «بوسعادة»، وأعاد ترتيب أوراقه بحثا فيها عن المخفيّ من سيرة هذه الرحّالة الشابة، التي عركت الحياة بحُلْوها ومُرّها وتمرّدت على واقعها بجميع قِيَمِه. حيث تكفّلَ بتحويل ذاك المخطوط إلى مجموعة لوحات فنية وكتابة حكايته الشخصية التي هي متنَ رواية سعيد خطيبي. فعل ذلك بافتتان بشخصية إيزابيل -المزدوجة الحال أيضا- وقد عبّر عنه بقوله: «كانت بنتًا مسترجلة»، و«إيزابيل كانت صورة مؤنثة منّي، نصرانية متأسلمة، قلقة وملعونة، لا هي أوروبية ولا هي عربية»، بل إنه ظلّ يزورها بمقبرة «سيدي بوجمعة» لحماية قبرها من عبث اللصوص والسكارى أو لقراءة الفاتحة عليه.
 
الهرب من الحرب
ثمّ إن اندلاع حرب التسعينات بالجزائر جعله يسائل نفسه حول مآله الجديد، إذْ كيف لشيخ في السّبعين مثله «خاض حربين، أحبّ ناسًا وكره آخرين، كان يجب أن يكون في مكان يليق بعجزه. في بيت حميم ودافئ، محاطًا بأحباب ورفاق، أو في دار للعجزة كريمة، قد تخفي بعضا من كرامتي الممرّغة في التّراب، المهم كان يجب أن لا أجد نفسي هنا، في حفرة تحمل صفة مدينة، كغصن ليّن قّطع من شجر عتيق، منتظرًا تفاصيل مسلسل كئيب، وغير قادر على تحديد المصير الذي يتحتّم عليّ القبول به». ولئن بدا هذا الوعي متأخّرًا زمنيا فقد أجبره على ضرورة العودة مع صديقه سليمان إلى باريس خوفا ممّا قد يصيبه في هذه الحرب المعلَنة بين الدولة والجماعات الإسلامية من انتهاك جسديّ أو رمزيّ.
 
طبقات السرد
إنّ ما كنتُ وصفتُ به كتابة سعيد خطيبي بكونها مغامرة فنية في تدبير مفهوم الحكاية الروائية يجد له تبريرَه من خلال تبيّن تقنيته السردية وما نهضت عليه من جِدّةٍ، ذلك أنّ الحكي فيها تكوّن من ثلاث طبقات أوّلها حكاية الرحّالة إيزابيل التي مثّلت خلفيةً سرديةً سعى جوزيف إلى التماهي بها فكرًا وأحوالاً، بل ومثّلت بالنسبة إليه سندًا يتكئ عليه إمّا لملء فراغات السرد بالرواية بين مشهد منها وآخر وإمّا لتجاوز ما يستشعره من ترهّل في سيرورة محكياته. وتمثّل حكاية البطل جوزيف نفسه طبقة ثانية هي ناظمُ السرد ومركزُه، ينطلق منه ليعود إليه مذكِّرًا قارئَه فيه بحاله الجديدة التي تكتظّ بالقلق والحيرة والندم على الماضي والخوف من الحاضر على حدّ قوله «سأكتب لأنسى أني سأرحل من هذه الأرض قهرًا» أو قوله: «إذا لم أمت بلدغة عقرب، فسأموت من العزلة».
والظاهر أنّ ذاتيَّ الراوي متصلٌ اتصالا حميا بالغيريِّ ممّن عرف من الناسِ، وقد مثّل هذا الغيريُّ بدوره طبقة الحكي الثالثة وفيها أورد جوزيف ثلاثا وثلاثين حكاية (33) منها سبع حكايات لشخصيات فرنسية مثل حكايات والده شارل الذي مات في حادث سير، والرسام إيتيان دينيه الذي سخر من نساء قبيلة أولاد نايل، وجارته بالضيعة الباريسية شانتال التي أحبّته، وحكاية الراهبة جونيفياف التي هجرت الكنيسة وتزوجت الجزائري عبدالحميد وحملته معها إلى فرنسا ثم تخلّت عنه تحت إكراه والدها. وهناك ستٌّ وعشرون حكاية (26) لشخصيات جزائرية على غرار حكايات الكاتبة صافية كتو التي دفنت بالقرب من قبر إيزابيل، وللا ّفاطمة شيخة الزاوية الريحانية التي على صلة بإيزابيل، وعبدالكريم طيطي زعيم الحيّ، والجارة حيزية، والطفل الأشقر أيّوب، وعاملة البيت زوينة، والشابة سعاد أخت القتيلة علجية، وخضرة بنت الطاووس من قبيلة أولاد نايل، وسليمان صديق الراوي الذي لا يظهر منه في الرواية إلا بعضُ أقوال حِكَميّة عاميّة أصيلة تنضح «بالنّصح والموعظة وترديد الأحكام والآيات القرآنية والأحاديث النّبوية» لأنه يؤمن بأنّ «خير الكلام هو كلام أجدادنا».
وما يجب تأكيده من أمر الجانب الفني في بناء حكاية «أربعون عاما في انتظار إيزابيل»، وهو ما اقتصر عليه عرضي لها، هو هذه المغامرة الجريئة بتفتيت المرويات، حيث أحسن الكاتب سعيد خطيبي إدارة الجدلية بين طبقات محكياته الثلاث، فظلّ السرد يتنقل بينها انتقالا سَلِساً ضامناً وحدةَ المعنى في الرواية من جهة، وممثِّلاً من جهة ثانية سبيلاً إلى تحرير الحكاية من شروطها السردية المكرَّسة التي تجعلها في نهاية المطاف حكايةَ شخص بعينه، هو بطل الرواية، ذلك أن رواية خطيبي تحوّلت إلى كرنفالِ حكاياتِ كثيرٍ من الناس لا يصل بينهم في أغلب الأحوال سوى المكان (الجزائر- فرنسا) والزمان (النصف الثاني من القرن العشرين)، ومن ثمَّ يحوز القول إنها حكايةُ كلِّ مَن صمت عنه التاريخ الرسميّ أو همّشته أحوال الواقع المعيش وبقيت ذكراه محفوظةً في أرشيف صدور الناس، وإنّ دلالتَها الكبرى ناهضةٌ على دعامةِ مجموع دلالاتٍ صغرى ومتآلفة مع بعضها بعضًا لمشاهد مختلفة تكتظّ بها الحياة اليومية الجزائرية بكل سوءاتها الاجتماعية والسياسية.
من هي إيزابيل إيبرهارت؟
إيزابيل إيبرهارت (17 فبراير 1877 – 21 أكتوبر 1904) مستكشفة وكاتبة سويسرية، عاشت وسافرت في شمال أفريقيا. اعتنقت الدين الإسلامي. وكان والدها «ألكسندر تروفيموفسكي» قسيساً، ثم اعتنق الإسلام. وبعض المؤرخين يؤكدون أن والد إيزابيل الحقيقي هو الشاعر الفرنسي الشهير آرثر رامبو، لكن إيزابيل لم تكن متأكدة من كان والدها الحقيقي، فأخذت اسمها العائلي من جدتها من جانب والدها.
وقد سبب لها هذا مشاكل مادية وعاطفية. مع ذلك، كانت إيزابيل متعلمة، في الرابعة عشرة اهتمت باللغة التركية أولاً قبل أن تتعلم وتتقن اللغة العربية، وتكاتب بها بعضاً من كبار المستشرقين الروس المعاصرين لها، كما حصلت على كتاب في النظام النحوي في اللهجة القبائلية وتعلمتها عبره.
سافرت إلى الجزائر لأول مرة في مايو 1897 مع أمها في محاولة منهما البدء بحياة جديدة، بعدها اعتنقتا الإسلام هناك وانحازتا لهذا الدين. وكانت الأم قد اعتنقت الإسلام تحت تأثير ابنتها. توفيت أمها فجأةً في عنابة ودفنت تحت اسم فاطمة منوبية وفقاً للتقاليد الإسلامية، بعد فترة قصيرة من وفاة أمها، انخرطت وتضامنت مع المسلمين في محاربتهم للاستعمار الفرنسي.
تقول في مذكراتها: “سأعيش بدوية طوال حياتي… عاشقة للآفاق المتغيرة والأماكن البعيدة غير المستكشَفة… لأن كل رحلة، حتى إلى المواقع المعروفة عند الجميع، هي استكشاف”.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق