ثقافة المقال

النقد الاستعاري للنظرية الأدبية العربية

رشيد الخديري
تتأسس النظريات الأدبية والنقدية العربية في كلياتها على فكر استعاري ممارسة وأفقاً ومنهجاً، ونقصد بذلك، طابع الاستقدام من الأوراق البحثية الغربية، ومحاولة الاستزراع في تربة عربية مغايرة ومختلفة، وهذا يفضي في نهاية الأمر، إلى فوضى تبني هذه المسوغات وتطبيقها على الأعمال الأدبية العربية، كما أن هذا الطابع الاستعاري للنظريات ينهض على عديد المفارقات بدءاً من ترجمة محمد مندور لكتاب “منهج البحث في اللغة والأدب” سنة 1942 للمؤلفين جوستاف لانسون ومايلي، مروراً بالكتاب الهام لكل من روني ويليك وأوستين وارن الموسوم بـ:

“نظرية الأدب”، والذي قام بترجمته محيي الدين صبحي ومراجعة الناقد المقارن حسام الخطيب سنة 1972، وصولاً إلى النظريات التي تخلقت ضمن فترة ما بعد البنيوية. هذه المفارقات تتجسد أساساً في عملية التأسيس للنظرية ومدى تكيفها وملاءمتها مع تحولات المجتمع وإشكالاته، واعتقادي، أن هذه العملية تشوبها اختلالات جوهرية وعميقة، خاصة على مستوى تمثلات النظرية والوعي باشتراطاتها من طرف الدارسين العرب.

والواقع، أن ثمة مآزق تحول دون التأسيس لنظرية عربية خالصة، ذلك أننا نبني نظرياتنا منذ النهضتين العربيتين الأولى والثانية على مبدأ القطيعة، قياساً لما نشهده في الغرب من استمرارية ومراجعة لكل ما كتب من أعمال إبداعية ولكل ما أنتج من نظريات، وحين نذهب إلى حد القول بالقطيعة، فذلك يعني، أن كل النظريات الوافدة من الآخر، هي ليست حلاً نهائياً لمعضلاتنا النقدية، أو أن هذه النظريات “مقدسة”، وإنما الغاية، هي الاستيعاب والتفاعل المثري في أفق بناء معرفة جديدة. لقد قلنا، إن العقل الاستعاري هو المُوَجّه في كل عملية نقل للنظريات والمناهج، الشيء الذي ينتج نظريات مشوشة ومشوهة ومنزوعة من شرطها الحضاري، هنا تحديداً، تبدو ذاتنا العربية في مرآة الآخر عاجزة ومفقرة وقاصرة على تمثل هذه الرؤى والتصورات، بحيث لم نتخلص بعد من حالة السكون والتحرر من الترسبات الماضوية، والانطلاق نحو دينامية خلاقة، حتى نتمكن من التأسيس لوعي مختلف وقادر على ترجمة هموم الإنسان العربي وطموحاته.

غير أن هذه الممارسة الاستعارية للمفاهيم والرؤى والتصورات، لا ينبغي النظر إليها أيضاً من جانبها المعتم، لأننا بكل بساطة نعيش في عالم استعاري كلي، بالإضافة إلى أن سيرورة الأفكار تفرض هذه النظرة المنزاحة نحو كل جديد مفترض. إننا بحاجة إلى آليات جديدة للوقوف عند مكامن الخلل والعمل على تجاوز لغة الاستعارة والانتداب، خاصة أن النظرية تعرف تطوراً وتحولاً باستمرار، وأيضا حتى لا نصبح خارج التاريخ ونغرد خارج السرب، وما يعنيه ذلك، من انعزالية وانغلاق حول الذات. إن آلية التجديد هو ما نصبو إليه اليوم، ونخوض فيه من أجل نظرية تقدية عربية تتجاوز السكونية والخوف من المواجهة مع الذات والآخر معاً.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق