قراءات ودراسات

زدواجية المشاعر والعواطف بين الواقع والمتخيل عند القاص بوشعيب المسعودي

بوعزة الفرحان*

قراءة تحليلية لقصة “احتكاك كهربائي” ص: 70 من المجموعة القصصية: شذرات من حياتي.. شيء من الواقع وشيء من الخيال …
للمبدع الدكتور بوشعيب المسعودي، المغرب

القصة: احتكاك كهربائي
تضاربا.. تعانقا.. تلامسا.. انبطحا على الأرض.. جنبا إلى جنب..
صور كثيرة مرت من مخيلته.. فلاش باك طفولته في بضع دقائق..
قَبٍلْ أختك.. تذكر أمه.. عانقي أخاك.. تذكر والدتها..
إنكم إخوة تٌكَرٍرٌ الوالدتان بابتسامة عريضة..بحب ووفاء.. يعانقها.. تقبله.. ببراءة الطفولة..بجمال المشهد..
هي الآن أمامه.. سيدة جميلة.. أنيقة..
لم يلتق عيناها.. ليعرف كيف يعاملها..
هل يعانقها؟.. هل يقبلها؟.. مرت أكثر من عشرين سنة.. ماذا يفعل؟..
مد يده بخجل شديد.. ببطء عسير..
صعقة كهربائية عند تلامس أصابعهما..
ليست المشاعر أخوية…

احتكاك كهربائي / فرغم بساطة لغته، فإنه عنوان صادر عن تفكير استعاري لا يخلو من التعبير المجازي والإيحائي، فكلمة “احتكاك” واسعة الدلالات، وحمالة لمعاني متعددة، يدرك القارئ معناها داخل سياق معين في الجملة. فهل يعني الصوت المولد من الاحتكاك؟ فهل هو تقشير وكشط لشيء ما؟ فهل يعني ملامسة شيء بآخر فنتج عنه صوت يثير الانتباه، كملامسة أغصان الشجرة زجاج النافذة… فهل هناك مناوشة بين رجل ورجل؟ أو بين امرأة وأخرى؟ أو بين جماعة وأخرى؟..
وما دام العنوان جملة اسمية معرف بالإضافة، فإن فعل “الاحتكاك ” يمكن أن يعطي شحنة كهربائية، فيقترب المعنى من مصطلح علمي فيزيائي يتجلى في الكهرباء الساكنة، التي “تتضمن احتكاكا بين مادتين آو جسمين ما، يتم الاحتفاظ بالشحنة الكهربائية إلى أن تكون قدرة على إفراغ هذه الشحنة الكهربائية.”
فالكاتب استعار هذا المصطلح العلمي ليمرر حالة التلامس والتفاعل بين جسم بشري وآخر. حيث تستيقظ المشاعر والعواطف كشحنات ممتلئة بالحرارة، يتم فيها تجاوب داخلي، فينشأ عن الاحتكاك تقارب في الذات والنفس وكل الجوارح، كأن شحنة كهربائية حدثت بين الجسمين. شحنة تعتبر كرسالة صامتة تتولد عنها تجاورداخلي دافع إلى اندماج المشاعر والعواطف. فيكون من الصعب أن يتم إفراغ تلك الشحنة العاطفية إلا بالابتعاد وفك التقارب والتلامس. فهل كان هناك احتكاك بين جنسين مختلفين (ذكر وأنثى) ذلك ما يتحقق منه القارئ عندما يلج عالم النص.
عنوان مشاغب على مستوى الترميز والتخيل، يولد صورة حسية، وتفاعلا غير مرئي، إلا أن القارئ أو المشاهد يدركه من خلال تغيرات في السلوك والحركة. فبمجرد التلامس بين جسدين مختلفين /الذكر والأنثى/ تتغير الحالة النفسية لكل منهما. عنوان يحفز كل قارئ أن يستنفر معلومات خارجية لفك شفرة العنوان الذي يعتبر كبوابة تسهل الدخول إلى مضمون النص. فيبني عدة تأويلات وتوقعات تمهد له فهم المحتوى عن طريق التحليل والتفكيك. وكلما كان العنوان مثيرا ومشوقا، كلما تحفز القارئ لمتابعة القراءة إلى النهاية. ويبقى العنوان “احتكاك كهربائي” وشوشة في أذن القارئ تستفزه ليركب مغامرة التأويل، ويلاعب جملة من التوقعات عن طريق أسئلة يفتح مجابهة فنية بينه وبين الكاتب/ هل/ كيف/ماذا/ ولماذا/ متى /من / وأين/…، سواء توافق معه الكاتب أو عارضه.
فهل ينسجم العنوان مع مضمون النص؟ يقول الدكتور مسلك ميمون” هناك من العناوين ما يأخذ أبْعاداً رؤيوية و معنوية/ مَجازية، تجعله يتجاوز ما هو كائن و متوقّع، إلى أفاق أرحب أساسُها التّأويل والاسْتنتاج… ما يجعل النّص القصصي يَحظى ببنية مفتوحة دون السّقوط في ضبابية المَفهوم”.1

2 ــ تحليل خطاب النص
أ ـــ تضاربا.. تعانقا.. تلامسا.. انبطحا على الأرض.. جنبا إلى جنب../ بداية تربك القارئ وتشده لتتبع الحالات بدل أن يهتم بالبطلين، ومن يكونا؟ فالحالات متشابكة ومتداخلة ومستفزة للقارئ، كيف تكون البداية /تضاربا/ وبعدها يأتي العناق والتلامس والتمدد جنبا إلى جنب/ بداية خالية من أسباب قيام هذه الأحداث بالتتابع تشد القارئ وتدفعه للتساؤل: أهو شجار قائم بين اثنين؟ أهي معركة قائمة بينهما فانتهت بالتمدد والسقوط على الأرض بسبب الإنهاك والتعب؟هل حدث صلح بينهما؟ هل ماتا؟ هل هما يلعبان؟ صور مقتطعة من مسرحية أو لقطات سينمائية تثير فضول القارئ وتدفعه لمتابعة الأحداث كأنها تجري أمام عينيه، وينتظر ما تسفر عنه النهاية.
كرر الكاتب الفعل الماضي أربع مراتٍ، ولا وجود لرابط بين هذه الأفعال/تضاربا/ تعانقا/ تلامسا/ انبطحا/ التي شكلت انتقالا دراميا تصاعديا داخل النص وخارجه. وتبدو هذه الأفعال الماضية مجردة من الزمن، إلا أنها تكتسب زمن حدوث الفعل في الماضي عبر أزمنة متغيرة. ولكل حدث مسافة زمنية /زمن التضارب/ زمن العناق/ زمن التلامس/ زمن الانبطاح/ ‏وزمن وجودهما “جنبا إلى جنب/ كلها حالات منفصلة عبر مسافات زمنية متغيرة. فالكاتب أنهى كل حالة رغم تكرارها واستمرارها بنقط الحذف(..) دلالة على أحداث أخرى ـــ رمز إليها بنقط الحذف (..) ــــ كانت تحدث أثناءالتضارب والعناق والتلامس والانبطاح، أحداث مضمرةتبقى متوقفة على نباهة القارئ وتخميناته التي قد تنير ما غيبه الكاتب عنوة، ليدفع بالقارئ إلى ملء الفجوات الكامنة بين الحالات، بداية ناجحة في توظيف الأفعال الماضية بصياغة جديدة حافلة بالحركة والحياة، ونابضة بحيوية الأحداث، ومحركة للانفعالات والتي تحفز المتلقي أن يسكن داخل المقطع مدة، ويخرج منه ليبحث عن ما يوجد في الحياة العامة من معلومات لم يجدها في النص، آنذاك يتساءل من جديد: ماذا حدث من بعد؟
مشاهد جرت في الماضي، فأصبحت أحداث التضارب/والعناق/والتلامس/ والانبطاح/ في بطن التاريخ وفيخزانة الذاكرة. ولكن البطل استحضرها كأنها تقع أمامه وبين عينيه كتخيل وتصور، صورة ممتلئة بشحنات عاطفية ترفع وتيرة العمل القصصي من الداخل كأحداث متغيرة، فلعب الكاتب على نفسية البطل بعد ما عمل على إحياء تلك الأحداث الساكنة في الذاكرة من خلال طريقة الاسترجاع والتداعي برؤية متفاعلة تجري في الواقع الحالي.
يقول محمد غازي التدمري” والفعل الماضي في بداية القصة، قيمة ترجيعية باتجاه الماضي، الذي يعمل على إحضار ذهن المتلقي، ونقله تداعياً أو تذكراً إلى ما كان يجري، وما يمكن أن يحدث بعد ذلك، لأنها تقرُّ حالة الحاضر كنتيجةٍ سببية لمختلف التداعيات التذكرية، المتحركة، خلف أنساق الفعل الماضي، الذي سعى جاهداً إلى تصوير اضطرابات النفس القلقة والمرتكزة على أنساق فعلٍ غائب، في معظم الحالات. 2

ب ـــ صور كثيرة مرت من مخيلته.. فلاش باك طفولته في بضع دقائق../
فالبطل تخلى عن الحاضر، فكأن زمن الحاضر قد توقف، بعدما رجعت به الذاكرة إلى الوراء، فالماضي ما زال موجودا في خزينة الذاكرة على شكل قطرات ماء على ورقة الحياة صافية، يانعة وخضراء. بل كلقطات منتزعة من شريط حياة تمس طفولته، تجمعت فيها صور جميلة لا تنسى، طافحة بدراما طفولية انطفأت داخل زمن ولى، ولكنها حضرت في ذهن البطل كومضات بارقة وخاطفة من خلال عودة قصيرة إلى أحداث الماضي، وهي تقنية موجودة في الفن السينمائي والأدب والمسرح. فالاستحضار أو الاسترجاع أو الخطف خلفاً هو انقطاع التسلسل الزمني أو المكاني للقصة أو المسرحية أو الفيلم لاستحضار مشهد أو مشاهد ماضية، تلقي الضوء على موقف من المواقف أو تعلق عليه، وهذا لا يخفى على الكاتب بحكم تعامله وحبه للفن السينمائي.

ج ـــ قَبٍلْ أختك.. تذكر أمه.. عانقي أخاك.. تذكر والدتها../
أحداث بقيت كصور تحتفظ بها ذاكرة البطل، تلقي الضوء على موقف من المواقف. فالكاتب حاول أن يقرب البطل من القارئ بإضافة معلومات عنه، فلم يقدم شخصيته الخارجية، ومكانته الاجتماعية والمادية.

*كاتب وقاص وناقد، المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق