ثقافة النثر والقصيد

حـُرِّيةٌ مسلوبة

جيهان سامي أبوخلف

عندما يكون الموتُ المفاجىء ؛ خَلاص!
الرصاصةُ في مؤخرة الرأس؛ مِنْحة!
بلعُ كسرةَ خبزٍ يابسة، إنجاز!
قلبٌ يتوقَّف نبضه، أُمـْنية!
حفرةٌ من حولك تبتلع غَوطَك؛ رفاهية!
أحدهم يناديكَ باسمك وكنيتك؛ فرحة!
رؤيةُ زُرْقةَ السماءِ ولو يوم العيد مرةً؛ حُلُم!
الخروجُ لمراسمِ دفنٍ تحت أشعة الشمس؛ سعادة!
امتلاكُكَ قصاصةَ ورقٍ بيضاء وقُمْعَ قلمٍ من خشب؛ إرْثٌ عظيم!
فاعلمْ أنـَّك أسيرٌ في سجونِ بلادك !!!
– السِّجنُ يا عزيزي هو أنْ يستوي فيه الأعمى والمُبصر ..
الاثنان لا يتسلل إليهما ضوء!
الاثنان أعميان!
– السِّجنُ أن يستوي فيه المريضُ والعليل ..
الاثنان لن يُعالجهما طبيب!
الاثنان عليلان!
– السِّجنُ هو أن تُزيلَ عصابة العين ظانّا أنك سترى النور بعدها، فتجد نفسك من ليلٍ إلى ليلٍ غارقا في الظلمات!
– السِّجنُ أن تغمضَ عينيكَ وتتصرف كأعمى وأن تعيش الأشياء والحوادث التي تحبها أو اعتدتَ عليها أو تلك التي تأمَلُها؛ تعيشها في خيالِكَ ليس إلا !!
– السِّجنُ يا صاحبي أنْ تكتبَ رواياتكَ ومذكراتكَ بطريقةِ تكرارِ الحَدَث صوتًا لا حرفًا، ليرسخ في ثنايا ذاكرتك!
– السِّجنُ أن تصْتـَكَّ حروفُكَ فتلفظ كلمات متلجلجة لا تفهم حتى أنت معناها لشدة الرّعب المتجدد في داخلك!
– السِّجنُ أن تبقى مستيقظا على قدميك في ليلِ الشتاء الطويل القارس حتى لا تأخذكَ سِنَـةَ نومٍ فتقعَ فتموتَ متجمدًا !!
– السِّجنُ أن يكون الأملَ هو عدوك اللَّدود !!
– السِّجنُ أن يُنادى على عشراتٍ من زملاء وَحشتك وغربتك للموت فتودعهم بكل هدوء ولا مبالاة ثم تعود لصمتك وكأن شيء لم يكن !!
– السِّجنُ أن يقفُ المهجعُ كلّه على قدم وساق – وبكل المعدات الناقصة التي لديهم- وبجرأة مهولة يتقدموا لشقِّ بطن نزيلٍ تكاد زائدته تنفجر!
فبرحمة الخالق ينقذوه، وبعد أيام يودعوه للإعدام !!
– السِّجنُ أن تكون عورات إخوانك المُغلَّظة مألوفة لديك !!
– السِّجنُ أن تبقى قاعدة “الضرورات تُبيح المحظورات” تتردد على مسامعك كسمفونية خلاصٍ لك في طَهارتِكَ وصلاتِكَ وطعامِك !
– السِّجنُ أن يحْرُم عليك سجود الصلاة وركوعها !!
– السِّجنُ أنْ يكون قولك:
” يا الله ” هو مسكّن الألم الحقيقي، وتُجبر كثيرا على الإسْرارِ بها!!!
– السِّجنُ أن ينفصل جسدُك العاري تماما -المبلل بالماء البارد- قطعة قطعة عنك من ضربات السَياط التي تتلقفك يُمنةً ويُسرى في ليلةْ قارصَةٍ لساعات ٍ طوال بينما يكون ذهنك واعٍ لكل معاني الألم وانفصال أجزائك تلك عنك !!
بينما لو خانتك قدماك وسقطت أرضا – لِوَهَنٍ أصابك من التجمّد- اعلم أن تدفئة ذاك الجسد المتخشب سيكون على يدِ الجلاد الأمهر و الأوحش !!
– السجنُ أن يتحتَّم عليكَ العيشَ بفمٍ صامتٍ أبكمٍ بينما تحظى بمئات الآذان، بل كلـّك آذانٌ صاغية!
ولْتتلاطم لحظتها الأفكار معًا تحليلا واستهجانا واستنكارا واستفهاما
ولا بأس لو تقهقهتَ صمتًا وأجهشتَ بكاءً
فذاك الضجيج فيكَ هو الأُنْس الداخلي المتاح!!
– السِّجنُ أن تكونَ نصفُ حبة خِيار برائحتها واخضرارها هي المعنى الحقيقي للحياة في نظرك بلحظة من اللحظات،
فتبقى تنظر بها وتتأملها لأنك بأمس الحاجة لإحياء روحًا داخلك قد انقبرت بكل معانيها، فبعد سنة جوع مُهلِك، لا تكادُ تصدق أن الخيار ما زال في هذه الحياة موجودًا !
فقبل أن تفكر أن تشغل معدتك بهضمها تُمعن النظرَ بها وتتفكّر بعظمةٍ مكنونةٍ في رائحتها ولونها!!
السجنُ يا عزيزيَ القارىء
هو ذاك الذي بادىء ذي بدء عندما تسأل عن معناه بكلمة تقول:
هو غيابُ امرأة يُحرقُكَ حبّها !
ثم بعد قليل من الوقت تقول:
هو جوعٌ للطعام مُضنٍ.
وبعد مرور كثير من الوقت تقول:
ما هو إلا شمةً لذَرةٍ من الهواء تعدل دنيتي كلها!!
– السِّجنُ هو ذاك المكان الذي يعلم داخِلُه أنه مفقود وأنَّ من يخرج منه هو المولود!!
والسؤال هنا،
هل فعلا كل من يخرج من حُفرة العذاب تلك سيولد من جديد!؟
أؤكد لكم أعزائي أن ذاك الأسير سيخرج جسدًا نعم ولكن أقلَّـةٌ هم من سيتمكنون استرداد أرواحَهم، وبعد طول من الزمان ..
بل أظنها ستبقى أسيرةٌ هناك في زنازين الظلم والقهر والاضطهاد والمَذلة التي انغمسوا بها ظلما وتجبّرا !!
السِّجنُ بالعموم، وفي بلاد “عروبتنا” بالخصوص؛
هو ذاكَ الوجع الذي تتبرأ منه كل المعاني ..
وهو أكثرُ وجعًا من ذلك كلّه حقيقةً !!
فـدعونا لا ننسى الجرحَ الغائر النازِف من جسد أمتنا؛ أسرانا البواسل، أسرى الحقّ، وحرية الرأي، وأسرى الثورات واسترداد الحقوق المسلوبة!
أخجلُ بحقٍ من نفسي عندما لا أجد في جعبتي لهم سوى ذاك السلام الطاهر وأخيه الدعاء الصادق!
أخجل بحقٍ وأنا في ضعفي أسيرةٌ مثلهم،
وفي قلَّـة حيلتي مقيدةٌ معهم!
اللهمَّ عفوكَ عنا
اللهمَّ نصرُكَ لهم.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق