ثقافة السرد

الجوع الذي هناك

رشيد إغبارية*
فتح باب البرّاد للمرّة العاشرة خلال ساعة واحدة، السّاعة ما زالت العاشرة والنّصف مساء. تناول وجبة العشاء قليلة السعرات الحرارية قبل أربع ساعات ونصف. أنهى وجبته المدروسة والمعدّة لتحايد أمراضه المتنوعة والحيلولة دون استفحالها، في الحقيقة لم يغادره الشعور بالجوع حتّى بعد العشاء مباشرة، ولكنّ ذلك الشعّور المكبوت أبى إلّا أن يتفاقم ويلحّ في إسماع صوته حتّى كاد أن يفقده تركيزه من مشاهدة فيلم الأكشن الهوليودي الخالي من مشاهد التقبيل، ولكنه زاخرٌ بمشاهد العنف والدماء على قناة الإم بي سي أكشن.

“وجد الباحثون أن الأطفال حتى نهاية المرحلة الابتدائية يشاهدون أكثر من 20000 عملية قتل في التلفاز، وحوالي 100,000 عمل عنيف آخر”.

ترى كم عملية قتل متلفزة شاهد على التلفاز خلال سنوات عمره الستّين، وماذا كان سيحصل له، أو لطفله، لو بدلت هذه المشاهد بمشاهد حبّ! أيّ إحصائيات كان سيقوم بها لبحث ذلك الموضوع، “هنالك صدق، وهنالك كذب، وهنالك إحصاء”، كلّ ما عليه هو تحديد النّتيجة ومن ثمّ إنتاج إحصائيات تؤكد ذلك، فإحصائيًا أغلب الشوارع فارغة في طريقه إلى عمله، عدا الشارعين الرئيسيين المؤديين إلى هدفه، تمامًا كما كانت الشوارع فارغة في طريقه إلى حضانة ابنه، عدا الشارع الوحيد الذي يصل إليها، وكأنّ القوة العليا تترك المساحات البعيدة فارغة وتشغل بالها فقط في المربع السكني الذي تتواجد به لترسل إليه كل المعيقات والمحفّزات الحسّية، حتى تبقيك مشغولًا قدر الإمكان عن قدرك وعن نِقاط التحول المفصلية القاطنةِ في مستقبلك، ترى ما فائدة الشارع الفارغ بدون سيارات؟

كما تشير الإحصائيات إلى أن حوالي عشرة أطفال يموتون كل عام، ما بين جيل الخامسة والتاسعة، لكن ذلك موضوع آخر يكاد يفقده تركيزه تمامًا.

يعود إلى فيلمه، يتطوّر الشرير لينتج كمية كافية من حقد المشاهد عليه يكفي حتى يبرر قتله على يد البطل، الذي ما برح ينقذ الأطفال والأشجار والنساء والأطفال والبهائم.

يعود ليسرح قليلًا بدافع الجوع، يتذكّرَ تلك الأيام في طفولته عندما كان الجوع أكبر وأسهل، أكبر من كرشه وأسهل من فتح باب البراد في بيته. كان سهلًا لأنّ البرّادات كانت اختراعًا غير معروف لأهل القرية، ولأن البيت كان خاليًا من أي أنواع الطعام الجاهز للأكل، والده يخرج في الخامسة صباحًا ولا يعود قبل السادسة مساء. أمّه تدور في المنزل كآلة أوتوماتيكية، تغسل يدويًّا تارّة، وتكنس الحوش تارّة أخرى، وبين بين تضع قدرًا على البابور لتدخل إليه بعض المركبات بين الفسحة والأخرى.

التلال اللانهائية ممدودة أمامه، نباتات كثيرة تؤكل فقط مطبوخة، وهو جائع، لا يجد من الثمار سوى تفاح المجانين، برائحته الشهيّة وشبهته المميتة.

كبر ونبغ في الرياضيات والإحصاء، ورفض توسلات والده بدراسة الطب أو المحاماة، ليدرس حبّه الوحيد “الإحصاء”، رغم أنّ والده حذره من أنّه سيجوع نتيجة قراراته المتهوّرة.

تخيل أنّك تمر مثلًا بعشرة قرارات صغيرة في يومك، قرارات دعنا نفرض أن لها أربع إمكانيات، قرارات مثل وصولك إلى مفرق بأربعة اتجاهات، فيمكنك أن تذهب يمينًا أو يسارًا أو إلى الأمام، أو تعود على عقبيك، وذلك اختصار باخسٌ للواقع، حيث بإمكانك أيضًا أن تبقى مكانك منتظرًا أجلك أو منتظرًا السّاعة، أو أن تُخْرِج سيفك وَتَخْرُج لفكّ رقاب البشر، بإمكانك أيضًا أن تبدأ بالبكاء.

نعود إلى الإحصاء، عشرة قرارات كل قرار بأربع إمكانيات يوميًا، تتراكم في شجرة إحصائية تخلق لك خلال بضعة أشهرٍ فقط عددًا من الإمكانيات يفوق عدد الذرات في الكون. ملايين القرارات الصغيرة في حياتك تنتج ما أنت عليه، لتصبح أنت، أغلبها لن يؤثر كثيرًا، لكن بعضها يخلق خللًا كونيًا، تتبعه ذبذبات من الألم والضغينة على تلك الخوارزمية التي تفرض المرور بتلك اللحظة الصغيرة. مثل لحظة عبور الشارع بالإشارة الخضراء بينما يمرّ سائق غافل عن شارته الحمراء في نفس اللحظة.

غريبٌ هو أمر الوقت، يولد البشر بميزانِ الوقت ذي الكفتين، كفّةٌ فارغة وأخرى ترزح تحت عبء هنيهات متراكمة، تحمل الوقت في الوقت وتنقله إلى الكفّة الأخرى، حتى تفرغ الكفة لتفنى وتنطفئ الأنوار، أو حينما تحدث تلك اللحظات الكونية التي تسرّع فيها مجريات الأمور لتسقط كلّ الحسابات الآنفُ ذكرها وتخلق واقعًا جديدًا: خذ مثلًا حادث طرق يحدث في جزءٍ من الثانية، تكسر به يدك ورجلك والحوض وبعض الأضلاع، ثم يتبعه تمزق في الأعضاء الداخلية كالكبد والطحال وتجمّع الدماء في فراغ البطن، وذلك طبعًا دون التطرق إلى الضرر الكبير في السيارة.

ثمّة أمر آخر، أمر لا تريد أن تتذكّره، يجد طريقه إلى مؤخّرة الرأس لينسفها نسفًا، فهنالك على المقعد الخلفي كان يجلس طفل صغير، لم تحتج هذه الهنيهة الكونية إلى بذل أي جهد في تسجيل كل تلك التفاصيل الصغيرة من كدمات وإصابات، فقد سجّل ببساطة شديدة في سجلّ الحادث أنه قد مات. حتى سيارة الإسعاف لم ترَ أي ضرورة في الاستعجال ومحاولة الإحياء، فقد كان حالة ميؤوسًا منها، هكذا قيل له لاحقًا.

تُرى لماذا يموت الأطفال؟ أي عدالة كونية ذات صيرورة ذكيّة، تصل إلى قناعات وحيثيّاتٍ تلزم بضرورة أن يدفن الوالد ابنه! أي مادّة كونية يمكنها أن تطفئ ذلك الحقد المتولد على البشر والحديد والذي يجعلك تودّ مفارقتهم عبر انفجار كبير.

يقال إنّ أبأ ذر قد قال -رغم أن أولي الأمر قد خافوا من فحواه ونسبوه إلى فراغ-: “عجبت لمن لا يجد القوت في بيته، ألا يخرج على الناس شاهرًا سيفه”.

ها هو جالس في بيته الذي لا يجد فيه قوت روحه، بعد أن شفي جسده تمامًا من آثار الحادث، يفتح البراد مرّة إضافية لينظر إلى الطعام مرّة أخرى، هربًا من أفكاره السوداء عن حاجة البشر إلى العودة إلى صورتهم الترابية الأولى. حتى تسنح الفرصة لكي يتطور الكون كما يجب، وليس عبر تلك الفوضى الإحصائية الخلّاقة التي تفرض انحرافًا معياريًا أكبر مما يجب، وتفرض عليه أن يأكل أقلّ مما يجب أيضًا.

يأكله الندم على اختياره تلك الشقة الصغيرة التي تختصر المسافة بين البراد والصالون إلى بضع خطوات، وتجعله في مرمى الشهوة، لم يتردّد كثيرًا في اختيار الشقة، التي انتقل اليها بعد فشل زواجه المحتوم نتيجة لذلك الحادثة، كانت تلك الشقة الثانية أو الثالثة التي رآها وقد رفض الأولى رفضًا قاطعًا لقربها من موقع الحادث، وارتفاع احتمالات مروره من ذلك التقاطع الكوني ذي العلامة الفارقة على وجوده.

يتحوّل الجّوع الى وحش كاسر أسير في داخله، يزمجر ويزأر حتى يذهب إلى تلك الخلايا النائمة في عقله ليوقظ بها شجنه، يقفز إلى البراد كالمجنون، يتناول قطعتين من بقايا بيتزا البارحة، اشتراها في ظروف مشابهة، وأبقاها بالبراد بنيّة إلقائها بالقمامة، ويلتهما باردة، عندها فقط يشعر ببعض الراحة ليعود لمتابعة الفيلم.

كاتب من فلسطين*

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق