ثقافة المقال

مسمار تشيخوف والتفاصيل في الرواية

شكري المبخوت*

أعترف بأنّني لا أفهم بعض المقولات التي تُعتمد في الحكم على الروايات. والغريب أنّها تعرض أحيانا على نحو واثق جازم للتقليل من قيمة بعض الأعمال الروائيّة. وبقطع النظر عن الرأي الشخصيّ في هذا العمل أو ذاك، فإنّنا لا نجد، حين نتثبّت، سندا لتلك المقولات في النظريّات الأدبيّة أو في الروايات التي أصبحت نماذج عالميّة.

2.

قرأت في “ضفّة ثالثة” للروائيّ والناقد هيثم حسن متحدّثا عن “طوق الحمام” للسعودية رجاء العالم الرأي التالي: “هي رواية مليئة بالحشو والثرثرة ويمكن اختصارها إلى نصف حجمها من دون أن يتغيّر مسار الأحداث كثيراً”. ويقدّم رأيا مماثلا في رواية “ترمي بشرر” لعبده خال قائلا: “يمكن حذف عشرات، إن لم نقل أكثر من مئة صفحة وأكثر منها من دون أن يحدث تغيير يذكر على مجرياتها وحبكتها”.

أما الشاعر والناقد باسم المرعبي فقد كتب مباشرة بعد الإعلان هذه السنة عن الجائزة العالميّة للرواية العربيّة واصفا رواية محمد حسن علوان “موت صغير” على النحو التالي: “علبة لغوية مغلقة يشعر القارئ بثقلها عبر مئات الصفحات التي يمكن حذفها بسهولة دون أن يخلّ ذلك بها (…) إذ لا صلة لها من قريب أو من بعيد بمسار أحداث الرواية وتطوراتها، إلا بشكل متعسف. لهذا يمكن اختزال الرواية إلى 150 صفحة فقط!”.

3.

إنّ مدار العيوب في هذه الروايات الثلاث الحاصلة على البوكر على “الحشو” و”الثرثرة” اللّذين يفضيان إلى “الثقل”. ولكنّ هذا الرأي يعتمد مقياسا يبدو موضوعيّا هو “مسار أحداث الرواية” و”مجرياتها” و”حبكتها” و”تطوّراتها”. فيكون من اللاّزم حينئذ نزع الزوائد منها بـ”الاختصار” و”الحذف” و”الاختزال”.

4.

تذكرت وأنا أقرا ما كتبه صاحبا المقالين مسمار تشيخوف الروسي. فقد كنّا، ونحن نطلب العلم بالقصّ في بداية الثمانينات من القرن المنصرم، نتندّر بهذا المسمار رغم ما فتحه لنا من منافذ في النظر إلى النصّ الأدبيّ بنيةً وتفاصيلَ.

فقد قرأنا لدى أحد الشكلانيّين الروس، أظنّ أنّه توماشيفسكي في ما جمعه تودوروف من نصوص هؤلاء الروّاد في العلم بالقصّ، أنّ تشيخوف، في بعض تنظيراته للقصّة، زعم أنّك إذا وجدت في بداية السرد حديثا عن مسمار في الحائط فاعلم أنّ البطل ينبغي له أن يشنق نفسه، آخر الحبكة، عليه.

لقد كان القصد من وراء هذه العلاقة السببيّة الصارمة التأكيد على أنّ كلّ ما في القصّة من تفاصيل قد تبدو ساذجة يسير نحو نهاية معلومة. فهي التي تصنع الحبكة وتنمّيها. ومن ثمّة لا تناقض من حيث المبدأ بين “مسار الأحداث وتطوّراتها” والتفاصيل التي تنبئ عن هذه التحوّلات وتخلق ضروبا من الترابط ضمن كلّيّة العمل السرديّ.

5.

إذا تركنا جانبا هذا الافتراض الأساسيّ الذي ينبغي أن ينطلق منه المحلّل فإنّ كل شيء في القصّ بأنواعه يمكن اختزاله وتلخيصه. ولك دليل على هذا في ما تقوم به بعض المنشورات المدرسيّة التي تلخّص للفتيان واليافعين نصوصا روائيّة كبرى من دون كيشوت إلى أنّا كارنينا والبؤساء. ففي هذه الملخّصات نجد الأساسيّ من الحبكة ومسار الأحداث بأقلّ التفاصيل الممكنة.

وعندها يجوز لنا التساؤل عن الفرق بين الرواية الأصل بتفاصيلها وأسلوبها والتأنّي في وصف الشخصيّات وترتيب الوقائع وتأثيث الأمكنة وهذه الملخّصات القائمة على اختزال الأحداث وحذف الزوائد واختصار الوصف وغير ذلك ممّا “يثقل” على اليافعين.

6.

لا أحبّ أن أعود إلى الروايات الثلاث المنقودة في مقالي هيثم حسن وباسم المرعبي ولا رأي لي في ما ارتسم لديهما من انطباعات عنها. فالقراءة فعل حرّ والحكم الجماليّ أقلّ صرامة ممّا يطلب من النقد المدقّق للنصوص. بيد أنّ الموقف المبدئيّ من التفاصيل في الرواية هو الذي يعنيني أوّلا وقبل كلّ شيء.

فأنا أزعم أنّ من خصائص الرواية هذه التفاصيل تحديدا. فقد عرف السرد أشكالا عديدة تعدّ من الأجناس التي ترغب، في تقنياتها وكيفيّات بنائها، عن التفصيل كالخبر والنادرة والأمثال والحكايات المثليّة. وما تقدّمه هذه التفاصيل في النصوص المعالم الكبرى على الأقلّ هو جوهر المعرفة الأدبيّة التي تتميّز بها عن المعارف الاجتماعيّة والأنتروبولوجيّة والنفسيّة. فوصف تردّدات الشخصيّات ونفسيّاتها ووصف الأماكن وما تحمله من دلالات مجازيّة والتأنّي في التمهيد للتحوّلات وبناء شبكات من المعاني ومستويات من الدلالة في الرواية تقتضي كلّها التفصيل والتحليل والتشقيق والتفريع. وعدا هذا فإنّنا نكون أمام حكاية تروى مجملةً مؤلّفةً، مجموعةً ملخّصةً.

7.

لا تصنع التفاصيل وحدها الرواية. ولكنّ عماد الرواية في بناء كيانها وتناسق عالم الخطاب فيها هو التفاصيل. لذلك ربّما اعتذرنا لما قاله الناقدان الكريمان بأمر آخر أوثق صلة بنحو الروايات وتركيبها وصياغة عوالمها التخييليّة وتوخّي أسلوبها السرديّ. وتلك مسألة أخرى تقع بعيدا عن التفاصيل والحاجة إلى اختزالها.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق