قراءات ودراسات

سرد بصيغة المذكر من منظور الخطاب النسوي )لياسمينة صالح(

د. عراب أحمد*
الملخص : تسعى هذه الدراسة في تناولها للمكون السردي في رواية بحر الصمت ليسمينة صالح إلى الاقتراب من مكاشفة منظور السارد المرشح لحمل رسالة الكاتبة ونقل رؤاها ومواقفها، في محاولة منها فك إشكالية أدبية ينبغي التنبيه إليها تتعلق مباشرة بسر هيمنة سارد بضمير الأنا الذكوري على مجريات الحكي من أوله إلى Qايته، على الرغم من تعدد نماذج التشكيلة الخطابية في متن الرواية ، مادام التوجه العام للرواية يفتح ا[ال أمام خطاب أنثوي له منطقه السردي وآفاقه الفنية. الكلمات المفتاحية/ المنظور السردي /الكرونوتوب/ صيغ الحكي / الاسترجاع / التشكيلة الخطابية.

تقديم: تعد رواية “بحر الصمت” ليسمينه صالح الحائزة على جائزة مالك حداد لعام 2001 مناصفة مع رواية “بوح الرجل القادم من الظلام ” لإبراهيم سعدي محاولة جادة لمقاربة مدارات عالم التجريب السردي في الخطاب الروائي الجزائري المعاصر، والتفاتة طيبة لاستحضار قائمة لامعة من الأسماء الروائية التي اختطّت لهذا الجنس الأدبي عنوانا ممتدا نحو الشهرة والعالمية، ورواية بحر الصمت ” في تأسيسها على هذا المطلب الفني تبشر بميلاد اسم روائي واعد، وقلم مبدع يزاحم قائمة الأسماء الروائية ا[ازة في هذا المضمار.
يبدو أن الروائية، وبصرف النظر عن أي تقديم مطر في حقها، نظّ ّ رت وبإحكام لبناء مكوQا السردي، اعتمادا على برمجة سردية أوثقت من الوهلة الأولى ربط عقدها، وفق اختيارات منظمة لمسار خطية الحكي، وهي بذلك لا تزعم النأي بنفسها في ممارستها لطقس الكتابة الروائية عن لعبة ا ّ لقص ، وإنما تنشد على غرار الممارسات السابقة تقديم معالجة بواقعية نقدية أحوال ا[تمع الجزائري الذي انتقل لتوه إلى المدينة، لتنفذ بالرؤية السردية إلى عمق القضايا الاجتماعية التي لقيت تجاوبا واسعا لدى الباحثين من خلال مناقشة وتحليل المواقف الأيديولوجية، من دون الاضطرار إلى الإشارة المباشرة للمؤلف الواقعي، وبالتالي فإن الذات التي تظهر في النص مسؤولة عن مواقفها الأيديولوجية والأخلاقي.1
تقترب هذه الدراسة في تناولها للمؤثث السردي، وفي الرواية الجزائرية المعاصرة على وجه الخصوص، من مكاشفة منظور السارد المرشح في رواية بحر الصمت لحمل رسالة الكاتبة، ونقل رؤاها ومواقفها على أساس “أن دراسة وضعيات السارد تعني رصد صوت السارد في الحكي، والإجابة عن سؤال من يتكلم في الحكي؟ بمعنى تحديد الموقع الذي منه يتكلم السارد ويروي القصة”.2 وفي جانب آخر تحاول هذه الدراسة الحفر في دهاليز المنجز الروائي الجزائري المعاصر، وسبر عوالمه المتخيلة، فهي لا تعدم جهدا في محاولة فك إشكالية أولية ينبغي عدم إفلاا، كوQا تعد المفتاح إلى مغلقات النص في بنيته الكلية، وعليه فالسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح في رواية ّ يسمينة صالح يتجه صوب البحث عن سر هيمنة سارد بضمير الأنا الذكوري على مجريات الحكي من أوله إلى آخره، وهل” أن المتكلم في الرواية هو دائما، وبدرجات مختلفة منتج إيديولوجيا، وكلماته هي دائما عينة إيديولوجية. “idéologème3 تنهض الرواية – موضوع الدراسة – في تكوينها السردي على استعادة الحدث التاريخي في علاقته برؤى السارد والشخصيات، عبر تقنية الترهين السردي instances narratives،أي وفق راهن الإنجاز الكلامي، لإعادة تخليقه من جديد، بعد تفكيكه وتجزئته إلى وحدات سردية، يسهل من خلالها عزل صوت السارد أو الراوي في علاقته بما يرويه، ومن ثمّ يمكن تقديم قراءة للخطاب السردي، على أساس” أن الراوي والمروي له صوتان سرديان يقدمان لنا من خلال الخطاب السردي، حتى وإن لم يكونا محددين بشكل تشخيصي ) صفات معينة ، أسماء (…”.4 حدث وأن اشتغل النص الروائي الجزائري العربي على موضوع الثورة في روايات عديدة، لتكون الخلفية التخييلية التي تقوم عليها أحداثها، و على الرغم من كون هذه الخلفية )الثورة( قد افترشها الكثير من كبار روائيينا، نذكر منهم على سبيل المثال )طاهر وطار في اللاز، وعبد المالك مرتاض في نار ونور، ومرزاق بقطاش في طيور في الظهيرة ،وغيرهم(، وعلى الرغم من تعالي أصوات النقاد زاعمة بأن الرواية الجزائرية استهلكته، إلا أن الكاتبة في بحر الصمت حققت للنص بفضلها )الثورة( إبدالاته الفنية، وعرفت كيف تستثمره على حد قول محمد ساري، كوQا غامرت وأثبتت عكس هذه النظرة”. 5 فالقراءة السطحية لمحتوى فصول الرواية تشير إلى أن تيمة الثورة لا تعدو أن تكون مجرد مجاز استعارة( لعالم متخيل، جرت أحداثه بين مرحلتين زمانيتين : مرحلة ما قبل الثورة في قرية براناس بغرب البلاد )وهران( وفي أثنائها، ومرحلة ما بعد الاستقلال، أو قد تكون مجرد تجل لموقف سياسي تردد في ثنايا الرواية، وفق صيغ تقريرية اعترافية “نعم أنت.. كنت أمشي إلى الحرب لأجلك، فقد كان يهمني أن تعرفي أن الحرب بالنسبة لي رجولة من نوع خاص، ولم تكن النتائج مهمة بعد”.. و في صيغة الملفوظ مثلما سنلحظه في نص المتن، يتخذ الحكي مسارا تنازليا )على طريقة الفلاش باك،( وعلى طول هذا الفضاء النصي المتشابك زمنيا يتموضع الحكي، وبصيغ حكائية مهيمنة ، تمثلتها صيغ ئلاث هي: الملفوظ السردي )محكي الأحداث( والملفوظ الخطابي )خطابات السارد ( والملفوظ الشفهي )محكي الأقوال،( أين يستل السارد )سي سعيد( خيط الذاكرة من النهاية للوصول إلى نقطة البدء، لترتيب وفهم ما غمض عنه في حاضره )حاضر التذكر،( لهذا ّ تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة مكو ّ ن أساس وهام من مكونات العدة السردية، لإبراز مكانته على ّ مستوى الدراسة والتحليل )نظريا وعمليا،( ويتعلق الأمر بمكون السارد، وتموقعه في عالم الرواية، إلى جانب بقية المكونات الأخرى ّ ، علما أن رواية بحر الصمت كما سيتبين تمتاز بطول نفس السارد في مسايرة دفق الحكي، عبر استدرار رجوعات الذاكرة، على أساس أن ” السرد الاسترجاعي récit analéptiqueيحيلنا على أحداث سابقة على الزمن الحاضر حاضر السرد وفق مؤشرات لسانية دالة عليه.”7 يتأسس فضاء الرواية في محاكاته للواقع على جملة من الأحداث والوقائع المسرودة )محكي الأحداث،( تتموضع ما بين عتبتين زمنيتين، لا يفصل بينهما فاصل زمني، باعتبارهما صارا فيّ حكم التذك ّ ر، وترويها شخصية متهالكة مكدومة، تحاول فتح جراحات أحداث الماضي المتردي، وهنا تقف شخصية ” سي سعيد” بين ضفتي بحر صامت يتكلم في فراغ، فهو وإن كان من أسرة ّ إقطاعية غنية، فإن غناه لم يحصنه من قهر نزوة السلطة الأبوية التي مارست عنفها عليه، )السارد( لتحوله إلى مجرد وريث شرعي لتبعاا فيما بعد، وتشاء الصدف وبحكم العلاقات الاجتماعية أن يعقد صلات مع أشخاص لا يجد فيهم غير ما تستدعيه المصلحة، ما عدا شخصية المعلم “عمر” الشخصية المؤثرة في حياة سي سعيد بعد فشله في دراسته، وفي مشواره العاطفي، إذ يعتقد أنه يحصد هو الآخر فشل والده، أو هكذا يعترف في مستهل بداية الرواية “يطاردني الصمت والعمر يترنح قبالتي.. صوت يصيح في داخلي “قل الحقيقة يا سي سعيد، ودع القناع يسقط
..اعترف”.8 كما يتأثث العالم الروائي في بحر الصمت على حكم فرضية العلائق السردية المتحكمة في رسم حلقات الاتصال والانفصال، على مستوى البرنامج السردي، والرواية اعتبارا من هذه الرؤية الأدبية “إذ تعيد صياغة الواقع أو تحلم بخلق واقع جديد، إنما تفعل ذلك من خلال إيجاد شبكة من العلاقات المتفاعلة بين الإنسان والزمان والمكان،” 9دون أن يعني ذلك الرصد الأمين أو التسجيل الحرفي لمفردات الواقع، وإنما وفق سياق سردي ذي طبيعة مجازية أكثر انفتاحا على طرائق الإبداع الفني . ومن هنا سجلت الرواية نقطة فنية إضافية في تأطير هذه العلاقة المعقدة بين السارد البطل وشخوص الرواية، عبر أشكال الفضاء الكرونوتوبي )زمن القرية براناس وزمن المدينة بلكور(، بحيث يحيل كل فضاء إلى علاقة اتصال وانفصال ،يكون بطلها السارد سي سعيد، ففي القرية يعلن رفضه لجملة من العادات والتقاليد، أعنفها سلطة الأب، التي تحكم نظام القرية ،فقدور شخصية العمدة يعرض ابنته زهرة على سي البشير لتكون زوجة لابنه سي سعيد، تحقيقا لمصلحة َُِعد ما، وفي القرية تحكي الحكاية عن نساء تم اغتصاÌن ليجلبن العار واللعنة للقرية، في حين ي ّ فضاء المدينة )بلكور( بالطفولة الغضة والحلم ، والحب المشتهى، أين التقى سي سعيد بجميلة أخت عمر المعلم، وهناك يبدأ فصل جديد من حياة البطل، الذي وإن فاز بجميلة زوجة له، فإنه ّ بالمقابل عاجز على إقامة علاقة حب متبادل مع الأنثى، و هذه في حد ذاا من أخطر الصدمات النفسية التي واجهتها المرأة الجزائرية في مجتمع القرية. السارد وفتنة المستدعي الأنثوي في رواية بحر الصمت: إن الكاتبة وهي مز إلى هذه القضية، إنما تريد تقليب صفحات جراح قديمة لم تندمل بعد، ظلت المرأة )الجزائرية والعربية لفترات طويلة ضحيتها(، ربما هذا ما يفسر اختيار الكاتبة لضمير الأنا الذكوري للحديث عن قضايا المرأة في صورة إدانة له، فخارج الكتابات الروائية النسائية “ظل المتخيل السردي العربي يرزخ في شطره الأعظم تحت وطأة النظرة التسطيحية، ويعاني من قصور حقيقي في النفاذ إلى عمق كيان المرأة”.10 وهو ما تج ّ لى في خصوصية هذه الكتابة الأنثوية التي تعد استقطابا ثريا للتجربة الروائية في تناولها الجريء لقضايا المرأة، من خلال الإيغال في ذكر تفاصيل الأحداث المسكوت عنها، والتي كانت تدين المرأة، وفي جميع الحالات التي تكون عليها، “قالت الحكاية إن حمزة هام حبا بإحدى فتيات القرية التي كرهت غروره الفرنسي، فلم بكن صعبا عندئذ أن يختار حلا يرضيه، لينال مراده دون أن يخسر شيئا، فلجأ إلى الاغتصاب.”.. 11 ّ وتعاطف الكتابة الروائية مع الأنثى يتبدى في أكثر من موضعة في النص، وبصور فنية متعدد ، متضمنة في تماهيها الخلاق في أشكال المطلق المقدس )الوطن، الحرية، الاستقلال،( وهو ما عبر عنه المقطع السردي التالي معبقا بغنائية حالمة “جاءني الوطن في شكل امرأة مغمورة بالتساؤل، والغرور، وقالت لي “تعال” فجئت…”.12 أكان ممكنا بعدما قابلتك ألا أجيء؟ يا امرأة مدججة بالسلاح”.13 وبالعودة إلى الفكرة )المطروحة في ثنايا المقال( والمتمثلة في علاقة الراوي بما يعرضه أي بمجمل الرؤى التي تضطلع بمهمة ترتيب النص الروائي من حيث ببنية الحدث والشخوص من جهة، وفي علاقة هذه العناصر من جهة ثانية بجدلية الاتصال والانفصال، والتي يظهر أن لها صلة وطيدة بصياغة عنوان الرواية )بحر الصمت،( على اعتبار أن “التلاقي والانفصال، والحدود والمسافات والبعد والقرب، كل مواقع القياس هاته، التي تحدد حجم ما يفصل بين الشخصيات بعضها عن بعض، وما يفصل بين الشخصيات وبين الكون الذي يحتوي الأشياء، تنطلق من جسد يشكل نقطة البدء، ونقطة النهاية لمسار سردي ما” ،14قد يسهم يدوره في بعث دينامية النص، وعادة ما ينتفي غياب الرواية بغياÌا، نظرا لعدم قدرة السارد على مواصلة لعبة الحكي من دوQا. إن الرواية الجزائرية المعاصرة نجحت في تمرير خطاباا الإيديولوجية ومواقفها المختلفة، بما فيها قضية المرأة عبر إسقاط كل الأقنعة عن شخص البطل وتعريته من أية مرجعية، حتى وإن كانت َ ثورية أودينية، فقد حطَّتْهُ من برجه العالي، ووظفته وفق مقاربات فنية ورؤى إيديولوجية، وبالخصوص إذا كانت الشخصية الروائية ذات تمثيل دلالي رمزي، كشخصية )سي السعيد، وجميلة،( وهما شخصيتان عاجزتان عن الفعل محكوم عليهما بالكلام العاري عن الفعل على أساس “أن الشخصية التي لا تفعل ليست سوى واحدة من المغايرات التيماتية لبطل الرواية.”15 تتضح عقدة البطل لأول وهلة من خلال قراءتنا لمنولوج السارد، والمتمثلة أساسا في الخيبة التي مني Ìا في مساره الدراسي والعاطفي، فقد فشل في عقد صلة وطيدة بينه وبين من راهن على محبتهم، بداية بوالده و عمه، فسليمان خادمه إلى محمد وجميلة، ثم ابنه الفقيد الرشيد وابنته من بعد، لقد جاء اعتراف السارد Ìذه الحقيقة في لحظة خلوة وتأمل وانكسار، “هل انتهيت؟ ابنتي تقول ذلك… في عينيها قرأت نهايتي وبداية الأشياء.. كأني أسمعها وهي ترددها”:انتهيت يا سي السعيد”.16 وعلى هذا الأساس يكون محور الرواية مرتكزا على تماسك مفاصل العملية السردية، من ّ خلال إدراك السارد للدور المنوط بصيغ الحكي في إحداث صلات تقرب بين أشخاص الرواية، على الرغم ّ من التباين السافر بينهم ، من حيث المكون الفكري والقيم الاجتماعية، ومن ثم يتبين أن موضوع اللقاء واحد من أعم الموضوعات ليس في الأدب وحده، بل في مجالات الثقافة الأخرى، وكذلك في مختلف دوائر الحياة والمعيشة، لذا وجد له معادل إلى حد ما في مجال الاتصال contactوا[ال الأسطوري، والديني، أي أن كرونوتوب )(chrono topeاللقاء موجود في منظمات ا[تمع والدولة”.17 أنماط السارد في رواية بحر الصمت: يطرح “يان مانفريد” سؤالا وجيها حول فحوى معرفتنا عن السارد النصي، عندما يكون كل ما نملك سطورا مطبوعة، هل يمتلك هذا السارد صوتا، وإذا امتلك كيف سيظهر ذلك في النص؟ “، 18وهل سيبعده هذا الصوت افتراضا عن أية شبهة تلحقه بالكاتب الحقيقي، وعلى وجه الخصوص إذا تعلّق الأمر برواية السيرة الذاتية؟. إذن هي إشكالية عادة ما تستوقف الباحثين، وبالخصوص في خطاب الرواية، فقد حاولت الناقدة يمنى العيد الإجابة عنها في مطلع إشادا بما حققته النظريات الحديثة في تمييزها بين راو وكاتب، فالراوي هو وسيلة، أو أداة تقنية، يستخدمها الكاتب ليكشف علاقتها بعالم القصة، أو ليبث القصة التي يروي”.19
أ– المنظور السلطوي للسارد: تحتفي رواية “بحر الصمت” بشخصية السارد المهيمن على منظومة التشكيلة الخطابية- – ،formation discursiveوبما أنه )السارد( مموضع في
ّ صلب هدا النظام التقابلي، باعتباره شخصية رئيسية، فإن ذلك يرخص لنا اعتبار رواية ياسمينة صالح رواية بطل بالدرجة الأولى، أو رواية سيرة ذاتية، لا تختلف كثيرا عن باقي روايات النخبة الطلائعية من روائيينا، من أمثال )ابن هدوقة في غدا يوم جديد و الطاهر وطار في الزلزال، وأحلام مستغانمي في، ذاكرة الجسد، وبالتالي تحلّ الكاتبة سي السعيد )بوصفه ساردا من الدرجة الأولى، وبطلا للرواية( زاوية نظر، يطلّ منها على الماضي والحاضر، فهو سارد محيط بنظره على أشسع رقعة من منظور الحكي، حبث يبسط رؤيته من أول نقطة توضع في مسار خطية السرد، وذلك بفضل حضور مجموعة من المؤشرات والقرائن، تشير إلى المنظور الاسترجاعي للحكي المحيل إلى السيرة الذاتية عبر جملة الملفوظات الحكائية” المحققة للشكل السردي الذاتي، ومن خلال استخدام السارد لضمير المتكلم منذ أول دفق الحكي إلى ايته، وقد دلّت عليه سياقات الكلام في صيغها المتعددة، من ذلك أفعال الكينونة والتذكر وأقوال المحكي الماضي، كنت أعرف، أنا لا شيء أنا وحيد، كنت رجلا وأنا بعد لم أتجاوز العاشرة من العمر،.. أتذكر…….الخ”.
واستنادا إلى جملة الملفوظات المحيلة إلى صوت السارد، يتضح أن دائرة الحكي تتحلق حول سارد أحادي )المنفرد بالحكي،( وهو يقوم بعملية تناسل هذه الحلقات، بالرغم مما يعتري مفاصلها من انفصال وانقطاع، لذا يتوخى السارد الحفاظ على استمرار فعل السرد الحكائي، ومنه الحفاظّ على صلابة فتيلة العقدة، بالنظر إلى سيرورة تحول حركية السرد في اتجاه وضعيات جديدة للسارد في علاقته بالشخصيات والأحداث، وبالخصوص إذا كانت الرواية في جوهرها تطرح أسئلة الكينونة والعدم والعبث، وهو ما يفسره المقطع السردي، الذي يجد فيه السارد فرصة لإمعان الإدانة إلى أناه، وقد يتوسل إلى ذلك بالمقطع الحواري الداخلي “لكن ابني مات…. مات الرشيد مرتين وفي كلتيهما كنت غائبا داخل وجودي..”..21 فغياب السارد، وسط فوضى المواقف والوقائع المتناقضة، وإكراهات الواقع السياسي والاجتماعي والعاطفي، كل ذلك أفقده توازنه النفسي الداخلي، ومنه زوال الحاجة إلى الحياة، وقد
شارف على مرحلة متأخرة من شيخوخته، ليبقى فهم هذه المعضلة الوجودية سرا أشبه Ìوس قهري يأبى الانغلاق على ذاته، في ظل مشهد الصمت المؤطر لسير العملية الديالوجية، غير أنه في هذا الشأن ينبغي أن نقر أنه “بفضل السردية وحدها تحصل الزمانية الإنسانية على التعبير عنها.”22ّ بما أن السارد وحده يملك حق القول بمعنى الحكي ، فما الذي يخول له حق توجيه الحكي؟ ومن أي زاوية ينظر؟ وما هو الشكل الذي اصطنعه السارد لنفسه؟ للإجابة عن هذه الأسئلة نعود إلى يمنى العيد من جديد، في تحديدها لأوضاع السارد، وبمقاربة المنجز الروائي بوصفه المادة القابلة للفحص والتحليل، يتبين لنا أن السارد في علاقته بما يروي هو راو يحلل الأحداث من الداخل،وهذا ينطبق على شخصية سي السعيد بطل الرواية الذي يروي قصته بضمير الأنا، وهو Ìذا المعنى راو حاضر وشاهد témoinفي الوقت نفسه ب: وراو يراقب الأحداث من الخارج، وهو على وضعيتين إما أن يكون شاهدا، وهو Ìذا المعنى حاضر لكنه لا يتدخل، وقد قدمت لنا الرواية نماذج كثيرة من هذا الشكل )تجسد في الفتاة الجميلة، والرشيد، على سبيل المثال،(وصنف آخر من الرواة اهتدت إليه الكاتبة، وهو سارد لا يحلل، بل يكتفي بنقل الأخبار أو الحكي بواسطة، وإن كان غير حاضر، وقد وجدنا في هذا السارد نموذج الحكاية )تقول الحكاية ، تروي الحكاية الخ(… . من ممكنات البرنامج السردي في الرواية ارتباطه بالحظة الحاسمة في دفع مسار الحكي، عبر رؤية السارد للواقع، ومنه إلى الوجود كأقصى نقطة في اللامتناهي، وهي النقطة التي تحدد عمليا سيرورة الحكي وتوجهه، بل وتخطط له عبر استخدام الضمير المناسب ، بحيث تقرب المسافة بين السارد والمروى والمروي له، وهذه النقطة لا يمكن اعتبارها إلا نقطة انطلاق لا بد منها “أرفع عيني إلى الصورة المعلقة بين الجدار فأصاب بما يشبه الذهول وأنا أكتشف قدرتي على قراءة ما بين سطور الفراغ واللا منتهى”… 23 إQا لحظة مكاشفة السارد )لأناه( بضمير الأنا المتكلم في محاولة منه استدعاء واستجاشة لمكنونات البوح أكثر، لذا جاءت الملفوظات المؤشرة على هذه المواجهة في صيغ كلامية طغت عليها )ألفاظ المفردات الفعلية / أرفع/ أصاب / أكتشف /في إشارة جلية إلى شخصية سي السعيد بطل الرواية، الذي يفاجئنا من خلال برنامجه السردي بحكي متنوع في صيّغه وأنماطه، بل وحتى في مصادره المتعددة الأشكال، وكأن الكاتبة تحاول النّأي ببطلها بعيدا تلافيا للإدانة التي تصنعها الأحكام المسبقة، لذا تأتي عملية بنية الحكي استجابة لطبيعة زمنية معيّنة، لا راهن لها غير الزمن الماضي المتشيّئ أحيانا في أشياء ذات علامات نصية، تخلصه من التبعية خارج البعد الوظيفي لها، نذكر على سبيل المثال دلالة شهر ماي في الرواية وما يثيره في السارد من شعور، وفي ّ هذا الشأن، وعلى حد وجهة نظر غاستون باشلار “يضعنا الأسف على مناسبات وفرص ضائعة أمام ثنائيات زمانية ، فعندما نرغب في التعبير عن ماضينا، وفي إعلام الآخر بشخصنا، إنما يستحوذ الحنين إلى الأيام التي لم نستطع أن نعيشها في عقلنا التاريخي”.24 وفي هذا الشأن إشارة قوية إلى الأيام المستردة، ليس بتفاصيلها كاملة، وإنما المثيرة والأثيرة منها أيضا، وهو ما حاول تقديمه السارد على الأقل، وكأن الماضي تحول لديه إلى ملكية خاصة به، يتحكم في جريانه كيفما شاء، ومن هنا كان عليه اختيار بداية الحكي وفق إستراتيجية تتيح له استهلال البداية التي لا يشاركه فيها غيره، كاستهلاله الحكي بالمقطع التالي” أفكر في تلك الصائفة الساخنة من شهر أوت سنة ..1957أفكر في رائحة البارود التي كانت تزكم الأنوف ، بينما الناس يتظاهرون ب ّ اللاشيء ..كان الهواء يفوح بارودا، والكلام، وكل ما كان يصنع يوميات القرية، فيبدو الهواء مريبا، مخيفا، أشبه بذلك الذي يسبق العاصفة…والحكايات تغزل ثوب القرية بالحرب وبطولة الثوار الذين كانوا بالأمس فقط، رجالا عاديين ،فصاروا أبطالا بمجرد حملهم السلاح…25 واعتمادا على مبدأ الأفضلية في الحكي، يستهل السارد الحلقة الأولى من مفاصل الحكي بشيء من البوح الذاتي في صورة تداع حرقصد استرجاع كينونته الضامرة من تجاويف الذاكرة المتهالكة، واعتمادا على بعض المؤشرات والقرائن اللغوية يتضح أن السارد وهو يتقمص ضمير المتكلم ّ )أنا( ليس كلي المعرفة، بالنظر إلى ما كانت تزوده به الحكاية )أصل الخبر( في الزمن الذي لم تقلص فيه المسافة بينه وبين المحكي )الماضي البعيد،( وقد ابتدرها بالقول التالي”: كان العمر اسود.. ومع ذلك كنت رجلا محترما، هكذا كانت تقول المظاهر، وهكذا قالت الحكاية من لحظة البداية .”26 فالسارد، وهو يعيد ما يعرفه هو وغيره، يحقق شيئا من الحيادية له ولغيره، بوصفه حاملا لرؤية الكاتب الحقيقي، وبالتالي يبعد الإدانة عن نفسه، مادمت الحكاية إرثا جماعيا، والتاريخ نتاج حركية أفعال ا[تمع، وكذلك الرواية إذ تعيد هيكلة التاريخ، إنما لتضع ا[تمع في طائلة دائرة ّ الاام، وما السارد في هذه الحالة، إلاّ وسيط ناقل لصيغ الملفوظ الخطابي، وإن كان بضمير ّ المتكلم، بدءا بسي السعيد وقدور العمدة وحمزة وسي البشير وبلقاسم الثوري، كل ّ هؤلاء تصفدهم الحكاية لتبقيهم درسا للأجيال، لذا يرى ياسين النصير”أن الرواية العربية لاسيما ذات الهدف المباشر بقضية معيّنة لا تبلغ رؤيتها الكاملة من خلال راو منحاز، فقد يخطئ بحكم انحيازه الطريق الموصل إلى أعماق هذه الرؤية.”27 ّ لهذا الغرض الفني انتبهت الكاتبة إلى هذه المسألة التي تمس المعالجة النزيهة للموقف السياسي والاجتماعي، هذا الموقف الذي كثيرا ما تبنته الرواية الجزائرية منذ تأسيسها، وهو ما أبعد عن الرواية الحكي بالمنظور الأنثوي، إدانة ثانية للمذكر بالمفهوم المخصص للجنس، ما عدا بعض المقاطع السردية، أين يتناوب على الحكي ساردان من جنسين مختلفين، حيث يكون السارد سي السعيد طرفا، وتكون شخصية )جميلة( أو الحكاية بلفظ المؤنث الطرف الثاني، في محاولة منها بناء موقف سياسي متباين في الطرح و الرؤية، وعادة ما ينفرج هذا الطرح عن نظرة سردية يتضح من خلالها ” أن الوعي المعرفي الكلي الذي يتحكم في النص ينساب من عين ذكورية تقيس الأشياء والأوضاع انطلاقا من قوانين عالمها الخاص”. 28 وبالنظر إلى وضعية السارد الأخراة، وبالاستعانة دائما بخطاطة يمنى العيد في تحديدها الآنف الذكر، تفرض الرواية خصوصية جديدة في إضافة شكل محلي على الحكي بضمير الغائب )الهو(، وهو ضمير يحيل إلى بعد المسافة بين راهن الرواية وزمن القص، علما أن هذه الخصوصية تندرج ضمن السياق الميتا سردي الذي يطفي على الرواية هالة شعرية ، تمنح الخطاب الروائي صبغة عجائبية، ولنا في هذه الخاصية نماذج كثيرة حفلت Ìا الرواية، نختصر منها المقتطف التالي” قالت الحكاية إنه ولد بلا أب وبلا أم عثروا عليه صغيرا جدا في حقل من حقول القرية “، 29وفي مقتطف آخر “الحكاية قالت أيضا إن بلقاسم كبر بسرعة، حولته وحشة الحقول إلى وحش ضخم الجسم.”30 اعترف أني وجدت في الحكاية شيئا عجيبا شدني إليه… كنت أتخيله غول الحكاية القديمة، جاء على شكل خرافة صنعتها القرية”. 31 وفي نص الرواية أنماط من الحكي على سبيل التعالق السردي، مستوحاة من النصوص السردية كالقصة، اشتغلت عليها الكاتبة على سبيل تنويع مصادر الحكي واستدرار روافده، وانطلاقا من الكتابة بضمير الأنا، وانتهاء إلى تداخل مستويات الحكي تتحقق للنص مقصديته الفنية، كما يعزى عدم حيادة السارد إلى فنية جديدة، تبنتها الكاتبة مفادها أن “تدخل الراوي في القصة يأخذ شكلا وعظيا تعليميا، عن طريق التعليقات ذات الصبغة المرجعية على الأحداث، وهذه هي الوظيفة الأيديولوجية للراوي”، 32وهو ما حاولت الكاتبة بلوغه، أو على الأقل الإشارة إلى مضمونه عبر الملفوظ الحكائي “أتذكر قصة قرأتها في طفولتي عن حكيم فقير داهم بيته لصوص معتقدين أن سبب زهده من كثرة ماله…قرروا معاقبة الرجل فقال لهم “ما كنتم تبحثون عنه في الظلام أنا بحثت عنه في النور ولم أجده”.33 تحيلنا هذه الفقرات على تباينها إلى مستويات متداخلة من الحكي غير المنمط، خارج سلطة السارد الفعلي، لم تستدعها الكاتبة لوقع مدلولها في النص ولم تطلبها لدواع تشكيلية فحسب، وإنما نسجت على حافة هذه الوظيفة هالة من المقصديات الجمالية باعتبار”أن تشعير الخطاب ليس لعبة شكلية أو صنعة تقنية فحسب، بل يرتبط برؤية النص للعالم وبالموقع ا[تمعي الأيديولوجي الذي تنبني منه هذه الرؤية، وعليه تنهض.”34
هوامش البحث:
1ينظر أيمن بكر: السرد في مقامات الهمذاني، الهيئة المصرية للكتاب ،مصر دط 1998ص .156
2
– محمد بوعزة: تحليل النص السردي)،تقنيات ومفاهيم( منشورات الاختلاف، الجزائر ،ط 1،2010ص .85
– ميخائيل بختين: الخطاب الروائي،تر محمد برادة،دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع ، القاهرة،
.102 ،ص1،1987ط3
4
– سعيد يقطين: تحليل الخطاب الروائي) الزمن – السرد –التبئير( المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب ط
.384، ص3،1997
-5ينظر محمد ساري: محنة الكتابة منشورات البرزخ الجزائر دط 2007ص .154
-6الرواية ص .68
-7ينظر سعد البازعي: سرد المدن الدار العربية للعلوم ناشرون لبنان ط 2009 1ص89
– 8الرواية ص.10
– 9محمد علي الشوابكة: السرد المؤطر في رواية النهايات لعبد الرحمن منيف مطبعة الروزنات عمان 2006
147ص
– شرف الدين ماجدولين: الصورة السردية في الرواية والقصة والسينما،منشورات الاختلاف ،الجزائرط الأولى
31 ص2010 10
-11الرواية ص .14ص .15
-12الرواية ص 65
– 13الرواية ص 65
14
– سعيد بنكراد: السرد الروائي وتجربة المعنى المركز الثقافي العربي الدار البيضاء المغرب ط 2008 1ص54
.
– 15ينظر ميخائيل باختين:الخطاب الروائي، مرجع سابق ص103
-16الرواية ص9
– 17ينظر ميخائيل باختين: أشكال الزمان والمكان في الرواية تر: يوسف حلاق منشورات وزارة الثقافة سوريا
24 ص1990 د ط
77
– 18يان مانفريد: علم السرد تر: أماني أبو رحمة دار نينوى دمشق سورية ط 2011 1ص12
– 19يمنى العيد: تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي: دار الفارابي لبنان ط 1999 2ص89
– 19يمنى العيد: تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي: دار الفارابي لبنان ط 1999 2ص89
-20يظر عبد الرحيم العلام: الفوضى الممكنة دراسة في السرد العربي الحديث دار الثقافة للنشر والتوزيع
الدار البيضاء المغرب ط 2001 1ص.129
– 21الرواية ص .95
– 22بول ريكور: الوجود والزمان والسرد: تر سعيد الغانمي المركز الثقافي العربي الدار البيضاء ط 1991 1
71ص
– 23الرواية ص .72
– 24غاستون باشلار:جدلية الزمن ،تر:خليل أحمد خليل،المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ،بيروت
.48 ص2010 4 ط
– 25الرواية ص .24ص .25
26الرواية ص11
27ياسين النصير: إشكالية المكان في النص الأدبي ،دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد العراق ط الأولى 1986
107 .ص106ص
28سعيد بنكراد:السرد الروائي وتجربة المعنى مرجع سابق ص .55
29الرواية ص .20
30ا لرواية ص .21
31الرواية ص .21ص .22
32جيرار جنيت: خطاب الحكاية تر: محمد معتصم وعبد الجليل الأزدي منشورات الاختلاف الجزائر ط 3
13 ص2003
33الرواية ص .60
34السيد إبراهيم: نظرية الرواية ،دار قباء للطباعة والتوزيع ،القاهرة د ط 1998ص. 166

*جامعة حسيبة بن بوعلي- الشلف )جزائر(

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق