قراءات ودراسات

الممالك والإمارات العربيـة في شبه القارة الهندية

(دراسة تاريخية حضارية)

عرض ودراسة/ أبوالحسن الجمال

سوف نتعرض في السطور التالية لكتاب رائع في بابه “الممالك والإمارات العربيـة في شبه القارة الهندية (دراسة تاريخية حضارية)” عكف عليه باحث جاد يمتلك أدواته ويوظفها بدقة، هو الدكتور محمد حسن الباشا، نائب رئيس الجامعة الإسلامية بمنيسوتا فرع الهند، الذي تخصص في تاريخ الهند الإسلامية منذ تخرجه في كلية الآداب جامعة الزقازيق سنة 2006، وبدأت رحلته مع الدراسات العليا؛ لأن معظم الباحثين يتجهون في دراساتهم إلي قلب العالم الإسلامي كالشام ومصر والعراق وما وراء النهر، أما بلاد السند والهند تلك المنطقة النائية المترامية الاطراف والبعيدة عن مركز الدولة الاسلامية، تعاني من قلة الدراسات والإهمال من الباحثين. فحصل على رسالة الماجستير في رسالة بعنوان “مظاهر الحضارة في اقليم الملتان منذ الفتح الإسلامى حتى العصر الغزنوي” سنة 2012، واستعرض في الرسالة التاريخ السياسي والحضاري لاقليم الملتان الذي يعد من أهم وأعرق أقاليم بلاد السند، والذي لعب دوراً كبيراً في الحضارة الاسلامية، وكان الموضوع صعباً جداً لعدم وجود دراسات تتناول الملتان بشكل مستقل. ثم حصل علي الدكتوراه سنة 2016 بتقدير امتياز مع مرتبة في رسالة بعنوان: “اقليم مكران من الفتح الاسلامي حتى العصر الغوري- دراسة تاريخية حضارية”، وأوضح في الرسالة تاريخ مكران وحضارته الاسلامية منذ الفتح حتى نهاية الحكم العربي ودخول الغوريين الاقليم والسيطرة عليه. وله العديد من الكتب منها: “من كنوز الحضارة الاسلامية في شبه القارة الهندية”- (وهو في الأصل رسالته للماجستير)، و”تحفة الزمان في تاريخ بلوشستان” – (وهو في الأصل رسالته للدكتوراه)، و”إقليم المَنْصُورَة بالسِّـنْد في عصرالسيادة العربيـة” دراسة تاريخية حضارية “، و”الممالك والامارات العربية فى شبه القارة الهندية ” دراسة تاريخية حضارية ” – كتابنا هذا- ، ويقع في 520 صفحة ، وهو من أهم الكتب في تاريخ الهند الاسلامية. ومن مشاريعه العلمية في المستقبل هو الاشتراك مع صديقي الهندي العزيز محمد سلمان نديم القاسمي الباحث بالتاريخ الإسلامي في الهند بجامعة مولانا آزاد الوطنية الأردية – بحيدراباد – الهند ، في ترجمة وتحقيق بعض الكتب التاريخية العريقة، ويكمن أهمية هذا العمل في انه سيكون انجازا ًفي تخصص الهنديات الإسلامية، كذلك لدى بعض الرؤى والافكار البحثية في مجال الهنديات، وسوف يتم عرضها في القريب العاجل .

وحول الصعوبات التي واجها أثناء تأليفه لهذا الكتاب يقول الدكتور محمد حسن الباشا: “ومما هو جدير بالذكر عندما شرعت فى وضع دراستى تلك الموسومة بـ ” الممالك والإمارات العربية في شبه القارة الهندية ( دراسة تاريخية حضارية)، كان لابد من الإعتماد على بيانات الرحالة والجغرافيين المسلمين – الذين دونوا كثير من المعلومات القيمة عن الإمارات العربية –التي قامت في بلاد السند والهند ، إلا أن هذه المعلومات شحيحة ومتناثرة فى بطون المصادر العربية، سواء الجغرافية أو التاريخية ، كذلك إعتمدنا على كتب الأنساب والأدب لسد العجز والفراغ في المصادر السالفة الذكر ؛ لإعطاء صورة واقعية وشبه متكاملة لكل إمارة عربية ، وعلى الرغم من ذلك فإن التاريخ الإسلامي والحضاري لتلك الإمارات العربية المستقلة بقى مهملا بلا بحث وتحقيق كامل حتى عصرنا الحاضر ، ولم يتم جمعه فى موضع واحد ليصبح مرجعًا واحدًا ، ولعل السبب فى ذلك صعوبة الموضوع لغموضه الشديد ، وتناثر معلوماته فى مئات الكتب المتنوعة وباللغات العديدة .
ثم يقول: “وقد ألقى بعض المؤرخين الهنود الضوء على تلك الإمارات من خلال كتاب باللغة الأردية بعنوان : هندوستان مين عربون كي حكومتين للمؤرخ الهندي الكبير مولانا القاضي أبوالمعالي أطهر المباركبوري ( ت 1417هـ / 1996م ) ، طيب الله ثراه ، وقد بذل فيه المؤلف جهدًا كبيرًا ، فقد جمع مادته من أمهات المصادر العربية الأصيلة ، فهو أحسن ما وضع فى هذا الفن ، وعلى الرغم من ذلك فإن الكتاب يفتقر إلى الترابط والوحدة الموضوعية ؛ بسبب الإستطرادات – التى إستغرقت صفحات كثيرة علي حساب المنهج العلمي ، كذلك أغفل الحديث عن مملكة بهاولبور العباسية.
“لذلك وجدت أن الحاجة ما زالت قائمة فى وضع مرجع جامع يعالج تاريخ كل إمارة من جميع النواحي : السياسية والإدارية والإقتصادية والإجتماعية والعلمية ، بذلك يتم إبراز أثر الإسلام فى الإمارات والممالك – التى أنشأها الأمراء العرب المسلمون فى تلك الديار فى صورة منهجية وموضوعية ؛ محققًا هذه الأمنية لمسلمي الهند وباكستان وبلوشستان ، بل للعرب والمسلمين جميعًا” .
وقد قسم المؤلف دراسته إلى مقدمة وتمهيد وخمسة فصول، وخاتمة، والتوصيات، وقسم للملاحق ، وقائمة بالمصادر والمراجع. وقد مهَد لكتابه بتوصيف جميل لمظاهر الحكم الاسلامي في السند والهند وانتشاره في ربوع تلك البلاد متشابكة الأديان، وكيف ساد الاسلام حكمه هناك وسط الاقلية، ولم ينس بيان الكيفية التي مهدت لقيام الامارات المستقلة هناك، ومن ثم انتقل بعد ذلك عارضًا في الفصل الأول لظروف نشأة الامارة الماهانية في السندان، وذلك بإسلوب علمي استقصائي في إيراده لجوانب الحضارة الماهانية من نظم حكم ودواوين واقتصاد وثقافة، وذلك بالرغم من قصر حكم تلك الامارة ، وقلة المعلومات الواردة عنها.

وفي الفصل الثاني تطرق المؤلف لذكر الإمارة الهبارية في السند مثنياً علي دور عمر بن عبد العزيز الهباري مؤسس هذه الامارة عام 240هـ / 854م، مستعرضاً علاقاتها الخارجية ، ومستنداً علي عدداً من العوامل المساعدة للمؤرخ في الوصول إلى النتائج والحقائق، ومنها العملات والمسكوكات، وتبدو المعلومات التي دونها الباحث عن هذه الأسرة غزيرة الفائدة ، نظراً لطول فترة حكم الأسرة التي بلغت ما يقرب من 176 سنة نفذت خلالها منجزات حضارية واسعة قام بها الهباريون في كافة المستويات ، وبهذا فقد استنفذت المادة التي كتبت عنهم اكثر من ثلث الكتاب .

وناقش باحثنا عوامل قيام عدد من الامارات العربية في الملتان في الفصل الثالث ومنها مثلا أسرة بنو سامه، والأسرة الفاطمية، متحدثاً عن نشأتها وعلاقاتها الخارجية ومظاهر الحضارة فيها، وقد أبدع في ذلك أيما ابداع .

كما درس في الفصل الرابع (الامارات المستقلة في مكران) كإمارة معدان وقزدار ومشكي، وسار سيراً نموذجياً بارعاً في سرد معلوماتها، وكنا نتمنى من باحثنا أن يطلعنا أكثر عن الجوانب الحضارية في هذه الإمارات، والإطناب اكثر في هذا الجانب، ولعله معذور في ذلك نظرا لقلة المراجع المتحدثة عنهم .

واختتم الكتاب بذكر (مملكة بهالبور العباسية) التي تنحدر الأسرة الحاكمة في (بهاولبور) من السلالة العباسية ، وحكم فيها هناك اثني عشر حاكماً عباسياً وكان الأمير “محمد مبارك خان العباسي الأول” أولهم . وأورد بعد ذلك مجموعة من الملاحق المختلفة من الوثائق، والجداول، والأشكال، والصور والعملات التى أسهمت فى إبراز معالم هذا الموضوع، وفى نهاية الأمر ذيلت البحث بقائمة تحتوى على كل المصادر، والمراجع التى تم الرجوع إليها من مخطوطات، ومصادر مطبوعة عربية، وفارسية، ومراجع حديثة عربية أيضًا، وفارسية، وأردية ، وأوربية، ودوريات، وبحوث، ورسائل علمية من أجل إنجاز هذه الدراسة.

ونختم مقالنا هذا بقول مقدم الكتاب الأستاذ الدكتور ياسر عبد الجواد المشهداني، الأستاذ في جامعة الموصل – كلية التربية قسم التاريخ: “هكذا نجد الدكتور محمد، بكتابه هذا طرق مواضيع علمية بحته، وتوغل في أماكن قل تناولها من قبل حتى الهنود أنفسهم، كما وجدناه لا يغادر أسرة أو فصلاً دون أن يوفيه حقه من البحث والعرض. كما أن ما يحسب له أنه وظّف في كتابه هذا كوكبة من خيرة مصادر ومراجع التخصص عربية كانت أم أجنبية، معربة أو مترجمة. سيما البلدانية منها والتاريخية فضلاً عن أدب الرحلات والرسائل الجامعية. وهذه خصلة من خصال الباحث المؤرخ الناجح”.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق