ثقافة السرد

نواح الديك..

محمد عبد الظاهر المطارقى

… لم تكن المرة الأولى التى يحاول فيها التلصص. كنت أشعر بخطوات أقدامه الحافية، أنفاسه التى يحبسها فتنفلت رغما عنه . العينان.. الحدقتان اللتان تتحركان يمنة ويسرة من خلال فتحة الشباك المؤدى الى غرفة المنور.. شعره المهوش من أثر النوم. أتصنع عدم رؤيته وأتمسك بالكتاب أكثر.. أقترب منه.. ألتهمه. يبتعد .. خطواته تتجه نحو الحجرة الداخلية، تختفي. صوته يعلو من الداخل:
_ الساعة الواحدة.. الناس فى سابع نومه.. حرام، الى متى؟
تقوم أمى فزعة، مازالت تقع تحت تأثير النوم، بالكاد تراه . تتمتم بالبسملة..
ـ يا ساتر يارب، خير.. ماذا حدث؟
ـ الأستاذ ابنك، كل يوم سهر، سهر الى متى.. النور، فاتورة الكهرباء، المرتب، الصحة، المرض، الأولاد.. البيت، الجيران..!!
تبحث أمى عن كلمة، تحاول تهدئته، أنهى المشكلة بالضغط على المفتاح. تغرق الحجرة فى الظلام. تهدأ الأصوات تماما.
فى الصباح أقوم من النوم.. عيناى تتجهان نحوهم.. ابتسم، أحاول الاعتذار، أمد يدى بحنان، أربت عليهم وأعتذر.
تقول أمى:
ـ فلوسك كلها على الكتب..ـ ألا تكفيك المدرسة وكتبها؟
أجمع كل الكلمات، أحاول أن أصنع منها طيورا لها أجنحة جميلة.. فراشات ملونة.. قصائد غزل تعبر عن هذا العشق الذى يستحوذ على عقلى وقلبى..
أردفت : إذا كان ولابد فلا تشترى كتب جديدة.. الشقة ضيقة، أين ستضع الجديد؟.
يرتدى أبى جلبابه السكروتة، والطاقية التى بلون الجلباب، يمسك بمسبحته الكهرمان وعصاه الأبنوس . يفرد الشال الأبيض النظيف المغموس برائحة الفل، يرميه على كتفه ويسعل سعلات خفيفة قائلا:
ـ هيا.. الجمعة على الأبواب.
ـ حاضر, ثوانى قليلة.
يضيق مابين حاجبيه.. يشتعل وجهه حمرة، يزمجر فى غضب:
ـ ادخل سجنك الذى صنعته بيديك، ضيع فرض ربنا من أجدل كلام فارغ !
ـ يا أبى، ما يزال ثمة متسع، أنت معك مفاتيح المسجد.
يلوح بيده فى الهواء، يضرب الباب الخارجى بمؤخرة العصا. تقترب أمى بسرعة.. تربت على كتفى، تقول فى حنان:
ـ اذهب وراءه بسرعة، أمسك بيده لئلا يغضب عليك.. اليوم جمعة وفيه ساعة إجابة.
بعد الغداء يضحك أبى، يداعب أختى الصغيرة، يفرغ من احتساء الشاى الساخن. يشير بيده الى.. أقترب منه، أتأمل صفحة وجهه: الطيبة..الوداعة، فقط لو يحب هؤلاء الذين يسكنون فى غرفتى.
همس أبى:
ـ أخبرنى بصراحة.. هل تقوم بفعل شىء بالليل ؟
ـ أى فعل تقصد ؟
صمت قليلا وعدل من وضع طاقيته الصوف ثم ابتسم قائلا:
ـ تعمل أعمالا .. شيء من السحر مثلا، أحجبة !!
فاجأتني الكلمات.. ضحكت .

… كانت أمى تحكى لى عن عمى الذى لم أره، تقول أنه كان يملك تلالا من الكتب، وكان يقوم بفتحها فى الليل، فتخرج منها قطط سوداء وطيورا بلون التراب. يكتب كلاما بحبر له لون الدم، يطويه ويضعه فى أحجبة، وكنا نرى الأحذية تقفز لأعلى وتتعانق ثم تحدث بينهم معركة نسمع فرقعاتها.
قالت أيضا:
ـ عمك لم يتزوج .. كان يعاشر الجنيات فى حجرته المغلقة دائما.. يتحدث إليهن بكلام لم نكن نفهمه ونسمع ضحكات أقرب الى صرخات الأطفال. وحين أصر جدك على تزويجه رفض، لكن جدك كان فيه قوة عشر رجال أقوياء، حمله رغما عنه وصفعه على وجهه صفعة أليمة وصاح فيه:
ـ لابد أن تتزوج يا بن الكلب.. البيت كبير، والخير كثير، وأريد أن أتملى من أحفادي قبل موتى.
قالت جدتك:
ـ الولد ليس له فى النساء.. منهن لله جنيات الأرض.
مع إصرار جدك اضطر عمك أن يتزوج وكانت عروسه تشبه البدر ليلة التمام، تزوجها عمك وأنجب عشرة من الأبناء الذكور. لكن عمك كان يحبس نفسه داخل حجرته القديمة ويسهر طوال الليل يعمل أعمالا نجسة، ويكتب كتابات خبيثة فمات الأولاد جميعهم وطلقت زوجته فتزوج من أخريات لكنه لم ينجب.. ومات فقيرا معدوما على قارعة المصرف .

قلت لأبى:
ـ أنا أحب الكتب يا أبى.. القراءة هذه تستطيع أن تنقلك من هذا العالم الضيق الذى نعيش فيه الى عالم أوسع وأرحب.. إنها..
قاطعنى بحدة:
ـ أنا لا أعرف هذا الكلام السخيف.. بعض الناس أخبرونى أن سهرك بالليل وراءه سر..
ـ أى سر وراء هذه الكتب.. تعالى معى.. أنظر اليهم.. أسألهم.
لكنه لا يستطيع القراءة، قال فى حدة:
ـ الليل للنوم، للجسد كى يستريح، السهر يؤذى عينيك..
ـ أنا أستمد نشاطى وحيويتى منها، لا أشعر بأى تعب.
ـ لماذا لا تقرأ فى المصحف.. أليس كلام الله خيرا من هذا الكلام الفارغ؟
***

أيام.. مازالت الخطوات تقترب من باب الحجرة، يطل برأسه. يفتح الباب فجأة ثم يمد يده بسرعة شديدة ويطفأ النور.
فى الصباح.. صاح فى وجهى بغضب:
ـ هذه الأوراق لاتساكننا بعد اليوم.
ـ يا أبى..
ـ كلمة واحدة، إذا لم تطردها قمت لك بحرقها..
جمعت الكتب، حبستها فى صناديق.. حملتها فوق السطح وأنا أختنق بالبكاء، رأتنى الطيور راحت تتقافز، وفوق الكتب الأسيرة قفز ديك كبير له عرف أحمر ضرب بجناحيه الهواء.. راح يصيح، كانت صيحاته غريبة ليست كصياح الديكة التى نعرفها، كانت أشبه بالنواح.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق