ثقافة المقال

الثقافة والهيبة – إشكالية الأشباح والأرواح

ميثم الجنابي

الهيبة هي السلطة الجلية والخفية. ومن ثم تتمثل ما في السلطة من قوة قادرة على البناء. وبالقدر ذاته قادرة على التخريب والتدمير، لأنها تقّيد الحرية والعقل. وفيها، كما هو الحال في الوجود التاريخي والثقافي للإنسان، تظهر وتبرز إشكالية الأشباح والأرواح بوصفها إشكالية الحياة والموت، والفاني والباقي، والثابت والفائت. وليس مصادفة أن تتغلغل في أعمق أعماق الذاكرة التاريخية للأفراد والجماعات والأمم والثقافات فكرة “المسكون”. وأن تتمتع في الوقت نفسه بثقل الندى المكثف لخيال الطفولة في تصور “الأشباح” المتراقصة مع كل حركة في ظلمة الحياة. بحيث يصبح “المسكون” هو الغريب القاطن في جسد خرب أو بيت مهدم أو أطلال منسية. وتشير هذه المكونات ببساطتها المعهودة إلى حقيقة يمكن البرهنة عليها بمعايير المنطق والعلم والتجارب الفعلية، بأن الذي يسكن الخراب والمهّدم والأطلال هي أشباح قوتها في الظلام وخيالها في ذاكرة الطفولة. الأمر الذي جعل ويجعل من الأشباح صورا مخيفة، وذلك بفعل تطابقها في الإحساس والحدس مع بقايا الزائل والمندثر، بوصفها “مآثر” الموت والأموات. بينما يتناغم الحي والجميل في الخيال والذاكرة مع بهاء التجديد للحق والحقيقة.
وحالما ننقل المقارنة المذكورة أعلاه من سماء الفكر المجرد إلى دنيا الوقائع الفعلية، فإننا نقف بالضرورة أمام ثنائية الأشباح والأرواح المتنوعة. ولعل أكثرها إثارة وإدامة هي مظاهرها المختلفة في علاقة المثقف والسلطة. ففي هذه العلاقة نعثر على كل مكونات الذاكرة والخيال، كما نرى بوضوح تام وقائع الأشباح الحائرة والمتخوفة والمخيفة المسكونة في جسد السلطة وارتزاق مثقفيها. وبالضد منها تتكامل “أنا الحق” في شخصية المثقف الحقيقي بوصفه روح الثقافة وحامل معاناتها التاريخية. كما أنه الإحساس القائم بما في ذلك في الأحكام العادية التي تجعل من مرتزقة السلطة بين المثقفين مجرد أرواح تائهة. وليس الروح التائه بين المثقفين سوى شبح يتراقص بعنف و”إدراك” يناسبه من اثر الغريزة (الجسد) وليس العقل والوجدان الخالص. وتستعيد هذه الثنائية نوعية الخلاف الطبيعي بين الحقيقة والسلطة، ومن ثم بين المثقف الحقيقي والسلطة الواقعية، بوصفه أيضا خلافا بين الروح والجسد. ونعثر على هذا الخلاف في كل المظاهر الملازمة لإبداع المثقفين في الكلمة والعبارة والشعر والنثر والرسم والنحت والصمت والنطق والظاهر والباطن، باختصار في كل مظاهر اليقظة والمنام. سواء كانت اليقظة يقظة الروح والجسد أو نومهما في الفكر (المجرد) والواقع (الملموس).
وليس مصادفة أن يتلذذ الإنسان ويشقى في محاولاته الدائمة لتفسير وتأويل الأحلام منذ أن اخذ يتحسس هذين العالمين المتلازمين في ذاته. وتتشكل المعاناة الداخلية لهذا الإحساس من الرغبة الجامحة في معرفة المجهول وبلوغ الغاية. وهي الصيغة البدائية لمحاولة الإنسان التحرر من سلطة المجهول عبر “التحكم” بسلطة المستقبل والمرام، بوصفها الصيغة المادية المباشرة القائمة في سلطة الجسد على الروح القابعة في أعمق أعماقه. وليس مصادفة أن يتحول الجسد إلى عالم تتجول فيه ذاكرة وخيال النائم. وحال اليقظة يصبح تجواله في خبايا الرغبة والتمني والقلق “حلما”. ويحتوي هذا التصوير المتناقض بحد ذاته على الحدس العميق المميز للرغبة الهائلة في “تحرير” الروح من قيود العادات والتقاليد والعرف والقيم. وعادة ما “يزاول” الروح هذه الحالة بحرارة قادرة على تحويل كل الأحداث والرغبات الدفينة إلى كيان واحد لا يحكمه غير حرية ما يجري. بمعنى سريانها كما هي بلا إرادة. والإرادة الوحيدة هي الاستسلام لها كما هي و”محاكمتها” بعد اليقظة من خلال عرضها على ذخيرة التأويل والتفسير المتراكمة في وعي الثقافة وصورها النمطية. إذ نلمح في هذه الحالة طبيعة ومستوى الخلاف والتباين والصراع بين الروح والجسد. وفيها يمكن أيضا رؤية صراع سلطة الجسد وإبداع الروح. ولعل صورتها الأكثر تمثيلا تبرز حالما يختلي الجسد لحاله بين جدران تقيه شر النظرات الشرسة للعرف والتقاليد والقيم السائدة. حينذاك تأخذ الروح بخط كل الحروف المحتملة على الجسد، كما لو انه إبداعه المحبب. وعند ذاك يتلاشى الأدب والرصانة المزيفة والرزانة المفتعلة وكل المحرمات أيا كان شكلها ومحتواها. وتصبح حركة الروح مصدر الإلهام الفعلي المنظم والعابث بالجسد ومتطلباته سواء في الملذات أو الكوابيس. وفي هذا يكمن سر الإغراء والجذب الهائل للأحلام وتفسيرها. وذلك لأنها تنقله من مضيق الجسد إلى فضاء الروح، ومن استبداد السلطة أيا كان شكلها إلى حرية الإرادة بوصفها رغبة حية. ومن تصادم هذه المكونات تتطاير شظايا الأحلام بوصفها “وحيا” و”إلهاما” و”إشارة” و”دلالة”. وليس مصادفة أن يتحول الحلم في المنام إلى جزء من تأمل المستقبل والرغبة في استكناه ما في خباياه من مسرة محتملة أو طامة كبرى، وفي اليقظة إلى جزء من التخطيط للمستقبل والرغبة في جعله كلا واحدا للمراد والمريد.
فالأحلام الهائجة ترمي إلى الهدوء والسكينة. وهي الصورة الرمزية التي يمكن العثور فيها على الرغبة الأبدية الهائجة في أعماق النفس البشرية للتحرر من القيود التي تعرقل إمكانية حركتها المتجانسة بمعايير النسب الضرورية للجمال والفضيلة. بعبارة أخرى، إن الحلم يحتوي على قدر من الحرية الهائجة بذاتها، والمستعدة لتجاوز حدود الجسد والعرف والتقاليد والقيم من اجل الفناء في نعيم الهموم الدفينة للمرء. من هنا استعداد العقل لاحقا للتعامل مع كل هذا الكم المتناقض من العجائب والغرائب الكامنة في الباطن من اجل استظهار حقيقتها. وفي هذا يكمن سر التفسير والتأويل المتنوع لما يمكن دعوته بفلسفة الأحلام. إذ تعكس هذه الفلسفة في مسارها التاريخي ثقافة الروح والجسد في البحث عن نسبة عقلانية تعطي لهما إمكانية رؤية المستقبل وتكسير حواجز القوة والزمن وإرادة الأهواء والأوهام والسلطة. وقد شكلت الفرويدية احد النماذج المثلى لهذا الانتقال الفلسفي في تفسير الأحلام عبر نقله من سماء اللاهوت إلى غيب الناسوت، أو من مركزية الإله إلى مركزية الوقاع. ويعبّر هذا النموذج عن إحدى محاولات جعل الحلم تحديا للقيود وأسلوبا لتمثل الحرية المهدورة من خلال تحرير فكرة “الجنس” والممارسة الجنسية. مع أن تحريرها ليس ضمانة الحرية، لأن الحرية منظومة. لكنه أحد مكوناتها الجوهرية، بما في ذلك للثقافة ومواقف المثقفين من النفس (وهي السلطة الباطنية الأولى) ومن العرف والتقاليد (هي سلطة الماضي المقننة) وسلطة العقائد والقيم الأخلاقية المتعايشة (وهي سلطة الحاضر). وضمن هذا السياق يمكن النظر إلى فلسفته على أنها تجسيد نموذجي للتحرر الفعلي للجسد والقيم الأخلاقية عندما انزل تأويل الرؤيا من معتقدات اللاهوت وبهاء أنواره المشعة إلى غياهب الناسوت وعتمة غرائزه المحببة. وبهذا كان اقرب إلى الطبيعة والحقيقة وأصفى وأنقى فيما يتعلق بالعقل والوجدان، لأنه ينصف الجسد بمتطلباته، والعقل بتحريره من الرياء، والذهنية من خضوعها لدجل التأويل المفتعل والمرتهن لتقليد الأسلاف، والخضوع لسيطرة وسلطة النص والصيغ الجاهزة.
***

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “الثقافة والهيبة – إشكالية الأشباح والأرواح”

  1. هام جدا إلى هيئة التحرير
    في هذه المقالة باسم (ميثم الجنابي) تعميمات جارفة وتعميات ما أنزل الله بها من سلطان وخلط الحابل بالنابل
    يؤسفنا شديد الأسف من هيئة التحرير أن تضع هكذا (مقالة) في الواجهة والأسوأ من ذلك حتى تضعها قبل الكتابات المميزة من الأخ غياث المرزوق والأخت آصال أبسال
    مما استوجب التنبيه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق