ثقافة النثر والقصيد

التاريخ يعيد نفسه

د.محمد الصفاح

حينما يتامل الانسان عموما ، والقارئ على وجه الخصوص، قولة ، التاريخ يعيد نفسه ، بتبصر، يظن او يعتقد انها ضرب من الخيال، او الجنون، او السخرية. اذ كيف للتاريخ ان يعود مرة اخرى.اي كيف لاحداث وقعت في زمن مضى ، وفي مكان محدد ،تحكمها اسباب ، وشروط مخصوصة، وسياقات مخصوصة، وبعد ان تدفقت وبقوة بعيدا على ضفااف الماضي البعيد، اوالقريب ، وتناثرت اشلاء ممزقة خارج مسرح الحياة ،ان تخرج كالعنقاء من رمسها لتعود الى زمن غير زمانها، وذلك لان مصير الحدث او الاحداث لما تخرج ، وتنفصل عن سياقها ، الموت، والبلى.الاان هذا التصور ظل ولامد بعيد ضرب من سوء الفهم، والتقدير للتاريخ المتميز بخصيصتين اثنتين، هما:
1- الحكمة: وتتجلى في ما تتضمنه الاحداث من قيم قادرة على تحقيق المنفعة والفائدة الفردية او الجماعية. (على اعتبار ان التاريخ ليس اسما لكيان يتكون من بضع حوادث تروى وفق تسلسل كرونولوجي مبستر, بل التاريخ هو ممارسة ثقافية تشتغل على الاحداث النابعة من العقول الحبلى بالتصورات الرامية لصناعة الحياة, والبحث عن السبل المؤدية الى ازدهار الانسان وتحضره ) كما ان التاريخ ( علم ينتمي الى الماضي من حيث موضوعه ولكنه مرتبط بالحاضر والمستقبل من حيث هدفه وطبيعته الاجتماعية). وهو ايضا (……التاريخ ليس مجرد زمنية مترابطة ولكنه نسق فلسفي تجاوز دائرة السرد والحكاية وعانق عالم السببية يروم الاهتداء الى قوانين تفسر وتعلل اسرار الانسان في الكون……) قراءة التاريخ , د قاسم عبده القاسم ، ص :.18ان 2ألحياة : إن ا جمل ما في التاريخ الحركة الدائبة التي تجعل منه قوة متدفقة تسير في الاتجاهين معا
نحو الخلف ، ونحو الامام. فحركة التاريخ ألطبيعية والمنطقية، السير نحو الامام ، وهذا فعل لا يشوش على الذهن ولا يربك العقل بل موافق له ، ومنسجم وطبيعة الاحداث، والحياة بيد ان الحركة المعاكسة،نحو الخلف تبدو امرا مزعجا، ومربكا للعقل . اذ كيف لشيء مات ، وانتهى دوره على مسرح الوجود ان يعود من جديد لينعم بالحياة في بيئة يعتقد انها تنعدم فيها شروط الحياة الملائمة. ولعله شك
يساور كل ذي حجى جانب الخطل، وهذا امرمنتظر من القارئ الفاضل الذي يعتقد انه وقع في شرك التوتر بخصوص حركة التاريخ نحو الخلف،اذ هو امر يقتضي دون جدال،التعليل ، والإثبات. هذا ويتطلب امر اثبات حركة التاريخ نحو الخلف ،الاستناد الى حقيقتين اثنتين:
-الحقيقة الأولى اعتماد اسلوب الاستدعاء المرتبط بالية الذاكرة. والمقصود أبالاستدعاء الانتقال او السفر الى الماضي ألقريب او البعيد قصد الوقوف على احداث قد تكون سياسية ،او اجتماعية، او دينية……..وذلك لما تحمله في طياتها من فوائد جليلة تتمتع بالحياة العابرة للزمان ، والمكان، مما جعل الأمم كل الامم تفسح المجال لحركة التاريخ نحو الخلف وذلك من خلال توظيف الذاكرة لاستدعاء احداث كان لها وقع عظيم ، واثر جليل على البلاد ، والعباد . مما جعلها في سفر دائم عبر قطار الذاكرة بين الماضي، والحاضر.وعلى هذا الاساس يمكن القول وبصدق انه لولا حركة التاريخ نحو الخلف التي لازال البعض لايؤمن بها، لما تحقق للإنسان ما يعيشه اليوم ، ولكان مثل الطائر الذي يحاول عبثا ان يطير بجناح واحد. اذ من خلال هذه الحركة الواصلة بين الأمس واليوم
انفتح الانسان على اخيه الانسان فاطلع بفضلها على خيراته وتجاربه ,وأساليبه،وطرائق تدبير شؤون
حياته ،فانتقى الاصلح منها ،وانتخب الأنفع والأجود, باعتبارها نموذجا يمكن السير على هديه.هذا وتجدر الاشارة في هذا السياق الى ان الاستدعاء تقنية يعتمدها مجال التحليل النفسي في معالجة الامراض النفسية .اذ من خلالها يستطيع الطبيب ان يعيد المريض عبر الذاكرة الى زمن مضى قصد التعرف على التجارب المسؤولة عن ظهور المرض. وبواسطة اسلوب التداعي الحر للافكار عن طريق البوح ، يستطيع الطبيب بفضل خبراته العلاجية ان يقف على التجربة، او التجارب المؤلمة،فيشخصها ،وعلى اساسها تنطلق عملية العلاج. وإذا كان العلا ج النفسي في ميدان علم النفس لايتحقق الا
بواسطتها ، نجدها كذلك تلعب دورا محوريا في ميدان السرد الادبي.اذ عبر تقنية الاسترجاع تستطيع الشخوص ان تسافر عبر التذكر الى الزمن الماضي لتخبر القارئ عن تجارب عاشتها سابقا. فيتوقف بذلك الزمن الحاضر فاسحا المجال للزمن الماضي كي يتكلم بكل حرية عن تجاربه. هذا وينبغي التذكير بالقيمة الأدبية والفنية ، والجمالية لهذه التقنية التي لاغنى لعالم السرديات عنها .وفي شانها يقول يوسف اسماعيل في سياق حديثه عن ترهين الزمن:(ولتلك المفارقة الزمنية الاسترجاع وظيفة اخرى على مستوى انفتاح النص، وانغلاقه,اي على مستوى دلالته الاشارية. فالمادة الحكائية مغلقة ، ومنتهية زمنيا مع توقف الشخوص عن الكلام…… غير ان استرجاع الزمن, من خلال فعل الكتابة, وخلخلته وإعادة بنائه, لا يشير إلى انغلاق النص، و إنما إلى انفتاحه على زمن الكتابة , لان إعادة زمن القصة , وخلخلته وإعادة تركيبه وفق رؤية المؤلف تعني إعادة قراءة المادة الحكائية لفتحها على دلالات جديدة مرتبطة بزمن القارئ ……و لذلك خرجت المادة الحكائية , في كليلة ودمنة , من انغلاقها زمنيا لتصبح نصا مفتوحا على الزمن المعاصر لابن المقفع ومن تم على المستقبل , او العصور الموالية…)1 المجلة العربية للعلوم الانسانية: ترهين الزمن , ص:53 .يتبدى مما سبق إذن ان الاحداث قد اعيد إ نتاجها مرة أخرى لتعود إلى حياه لا صلة لها بها . لكن امر العودة لم يحدث عبثا , بل تحقق بحكم الضرورة , والحاجة الملحة .
* فالصنف الاول من الاحداث تحكم عودنها الضرورة الانسانية( المنفعة العامة)
* و الصنف الثاني من الاحداث فتحكم عودتها الضرورة الطبية العلاجية.
* اما الصنف الثالث فقد استجاب للضرورة الادبية , والجمالية. والجدير بالذكران هذه الاحداث تتقاسم مهمة الاعتماد على الاحداث المستدعاة من رحم الماضي قصد الانهال مما تختزنه من حكمة نافعة.
الحقيقة الثانية: وتتمثل في الواقع والوقائع: والمقصود المشهد السياسي الراهن في الوطن العربي الذي صنعت احداثه الحرب التي شب لهيبها قي اماكن من خريطته. وذلك لأسباب ذا تية، وموضوعية ، ولدت خلافات عميقة ، استبعد فيها الحوار، فا ستعمل الزناد. إنه مشهد فلسفته الموت الزعاق الذي جثم بكلكله على حياة الانسان. ادواته المباشرة إرادات متناحرة حول اوهام تستوطن اوعاء غابت عنها المنظورات الواسعة , وانكفات على ذاتها، وغرقت في فردانيتها. إن سوء تدبير الازمة , او الخلاف عبر الركون الى قوة القوة عاى حد تعبير نيتشه قد جلب الحرب فوقع التدميرالذي اهلك الزرع , والضرع. إنه مشهد اتت به حركة التاريخ من المسرح الاروبي إبان ازمنة غابرة كانت قبلة للصراع, والاقتتال وإراقة الدماء , وذلك من خلال الحروب الطاحنة , الكثيرة ,والمدمرة. يبدو ان التاريخ قد اعاد نقسه على مستوى الأحداث دون التجربة. والمقصود بذلك ان التاريخ اعاد الصراع بفلسفته, و اوهامه , وأهدافه , لكن , على مستوى اخذ ألعبرة يبدو , ويعتقد انه لن يعيد نفسه . ذلك لان الصراع الذي عمر قرونا في اراضي العم سام قد انتهى إلى وفاق جمع بموجبه شمل الانسان الأشقر وضمد جراحه السياسية, والفكرية , والاجتماعية …… فتم الانصهار, وتوحدت ألرؤى كما توحدت الاهداف. ففشى السلام, وعم الوئام. فانقادوا بحسن نيات الى التدبير الامثل, والتفكير الاشمل, إذ ازدهرت بذلك بنات الأفكار ومن فضلياتها , خطة وزير الخارجية الفرنسي انذاك روبير شومان التي توجت بتوقيع فرنسا والمانيا على ما يسمى باتفاقية الحديد , والصلب , سنة 1951وذلك في خطوة مهمة على طريق استبعاد المعدن كأداة لشن الحروب. وكان هذا نتيجة قناعة راسخة لدى المدبرين ,مفادها ان نمو القطاعات الاقتصادية من شانها ان تكون رادعا قويا , ودرعا عاصما لنشوب حروب جديدة في الاراضي الاروبية
ومحفزا على وحدة اروبية بعد حروب عاثت بالبلدان خرابا ودمارا. لعله التدبير الامثل الذي اعطى ثمارا يانعة ,مصدرها, روافد علمية اساس , صاحبة الفضل في التحرر, والازدهار وهي:
1- بناء العقل التحليلي الذي يسهر في المجال العلمي على التحقيق والتثبت من صحة القضايا
2 – بناء العقل الجدلي, او التركيبي الذي يمنح القدرة على الابداع , والتقدم.
3 – اعتماد عملية النفي إذ بفضلها يهدم العقل الجدلي معتقدات زائفة تعترض طريق العلم, كما يهدم
مبادئ يعتقد انها صائبة في ظاهرها , لكنها تحمل بوادر التدمير في باطنها .
بالخطاب العلمي إذن , وبالياته الصارمة تحررت العقول من الاوهام المتراكمة في زوايا ها المظلمة التي كانت اسبابا في تأجيج لهيب الصراعات الطاحنة. وما إن تحقق الاستقرار واطمأنت الانفس وتقوى الفكر واستقوى حتى سافر خارج حدوده الجغرافية يبحث عن الطرائد والغنائم لمعالجة ما انهكته السنوات العجاف. وفد وجد هذا الفكر الشغوف المتلهف ضالته في فلسفة نيتشه المواكبة للحركات العلمية , الذي دعا الى الاخذ بمبدإ القوة وسيادة القوة, وانتقد كل ما تواضع عليه الناس في مجال الاخلاق, ورفض القول بالرافة والبر والاحسان فخلق بذلك تيارا فكريا قويا يتجه نحو تمجيد الاقوياء.ومن اديم هذه الارضية الفكرية انبثق الفكر الاستعماري وتبلورت الرؤية التوسعية ووضعت المشاريع الاستعمارية ووزعت مناطق النفوذ على خرائط جغرافية الوطن العربي. هذا وإذا افلح هذا القكر في تجاوز ازمات الصراع وحولها الى مصادر قوة , وانهى والى الابد ,علاقته بالصراع ,فإن صراع اليوم الذي يخوضه الانسان العربي ضد ذاته واخيه لن ينتهي ولن يتحول الى وفاق , بل سيولد المزيد من الصراعات والحروب ومشاريع الحروب. بل سيبدع في صناعة الصراع. ذي فلسفة تقوم مضامينها على مقاتلة الذات والتدمير المادي لها من خلالها استثمار كل الامكانيات المساعدة,على راسها الاستعانة بالخصم المناوئ الذي يعد منتج الصراع وفق منظور فلسفة الصراع بمفهومها الكلاسيكي او الحداثي. ومن اسمى ما تقوم عليه فلسفة الصراع هو عملية الهدم بهدف بناء الذات الكونية او الانسانية, وليس بناء الذات الفردية. وكل ذات تتغيا وتسعى من خلال الصراع إلى تحقيق مكاسب ذاتية , ذات مغتربة وفق منظور علم الاجتماع. إذ تتبدى حقيقة الاغتراب جلية على مستوى العلاقة الرابطة بين الذوات المتصارعة , على اساس انها علاقة متوترة تقوم على تقدير الذات واحتقار الجماعة. وهو سلوك نابع من عقلية استهلاكية اعتادت على التعلق بالمظهر السطحي المرتبط يشؤون الذات وما يتعلق بها , بدلا من الجوهرالحقيقي الكامن في الاهتمام بالشان الانساني. وذلك سعيا لتحطيم المبادئ والقيم المعنوية, لا لشيء إلا بهدف إرضاء اهواء وشهوات الذات المغتربة عن كيانها ومحبطها( افاق الفلسفة , فؤاد زكريا , ص:65)
إن ثقافة الصراع دوحة اغصانها الطمع الفردي وتفشي الحقد بكل اشكاله والأنانية التي لا تعترف بالمسؤولية الاخلاقية …….وثمارها واقع تصارعي لا رحمة فيه , مرجعيته واصوله فلسفة الاغتراب القاسية المتحكمة في الصراع الموجه بتدبير محكم ومدروس الى إنهاك الذات وتدميرها وذلك من خلال ما حيك ويحاك ضدها من دسائس , وجدت وبيسر طريقها الى التنفيذ ,تحت عناوين مختلفة لتنفجر حروبا طاحنة مدمرة وقودها الناس والحجارة . وذلك بعثا لأحداث تاريخية اعادتها حركة التاريخ وحكمته الى مسرح الحياة, تارة اخرى بعد ان اصبحت جدثا ونسيا منسيا. التاريخ يعد الم نفسه

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق