الأربعاء , أكتوبر 18 2017
الرئيسية | الموقع | حوارات المجلة | يمينة مشاكرة: الفراغ هو كتابة، هو عودة إلى المنبع

يمينة مشاكرة: الفراغ هو كتابة، هو عودة إلى المنبع

ترجمة: لميس سعيدي
في التاسع عشر من هذا الشّهر، تحلّ الذكرى الرابعة لرحيل الكاتبة الجزائرية وطبيبة الأمراض العقلية يمينة مشاكرة (1949-2013)؛ وبهذه المناسبة نقدِّم ترجمة لجزء من الحوار(الحوار الكامل يقع فيما يقارب الأربعين صفحة)، الذي نشره الصحفيّ والكاتب رشيد مختاري في كتابه “يمينة مشاكرة، حوارات وقراءات”(منشورات شهاب، 2014). أُجري هذا الحوار على مدار ستة أشهر بين 1999 و2000، في مستشفى الأمراض العقلية “دريد حسين”، حيث كانت مشاكرة تقيم وتعمل. احتفظت يمينة مشاكرة بالأشرطة التي سُجِّل عليها الحوار، ثم وجِدت بعد وفاتها عند أختها خديجة التي سلّمتها لرشيد مختاري لنشر محتواها في كتابه.

بين سنة 1979 وسنة 1999 توقّفتِ عن النشر لكنّك لم تتوقّفي عن الكتابة…

كنت كالبدو الرّحل. أملك نصوصًا “رحّالة “، لكن حين كنت أنتقل من مكان إلى آخر، كنت أتركها معتقدة أنّني رتّبتها مع أوراق هويّتي وشهاداتي. في الأخير ضيّعت الكثير من النّصوص لأنّ الذين يقيمون معي، لم يحرصوا على الاحتفاظ بها. كانوا يكنسون الغبار والأوراق التي أضعها جانبًا، في كلّ أركان البيت. كنتُ بحاجة إلى الاستقرار.  ومنذ إقامتي  في مستشفى “دريد حسين”، أصبحت مستقرّة، ورغم أنني أُعاني كثيرًا من الإقامة هنا، إلاّ أنّ لها  بعض الجوانب الإيجابية.

في روايتيّكِ (المغارة المتفجّرة وآريس)، ثمّة هوس نستطيع أن نقول أنّه هوس مرضيّ بالبحث عن الهويّة…

مع ما يحدث في الجزائر، هذا طبيعيّ. تولد بربريا وحين تصل إلى المدرسة الثانوية، يحاولون تشويهك، واقتلاعك من جذورك. تكون شخصا آخر قبل أن تصل إلى المدرسة الثانوية. كنتُ أدرس رفقة ابنة زيغود يوسف في قسنطينة. لم تكن حتّى تعرف بأنّ والدها بطل. أنا التي أخبرتها بذلك. كانت تشبه فلاحة بسيطة بضفائر طويلة وتجهل كلّ شيء عن تاريخ والدها. زوّجوها في سنّ صغيرة جدا بمقاول.. بطبيعة الحال.

بعد حصولكِ على شهادة البكالوريا، ذهبتِ إلى الجزائر العاصمة لدراسة الطبّ..

نعم. تركنا قسنطينة بسبب التمييز الذي كنّا نعاني منه. كانت الفتيات الشاويات – وأنا منهن – مكروهات، فانتقلنا جميعًا إلى العاصمة. والداي اختارا أن أقيم  في مدرسة داخلية للراهبات في حيّ “القبّة” القديم. كنت أقيم دائما عند الراهبات مع ذلك كوّنت بعض الصّداقات في الخارج. كانت الإقامة مريحة جدا لكنها مكلّفة.

كيف تعرّفتِ بكاتب ياسين؟

التقيت بشكيب حمادة من مدينة سوق أهراس، الذي جاء لزيارة أخته في المدرسة الداخلية، وكان برفقة مصطفى قِرِيا إذا لم تَخُنني الذاكرة؛ جعلتهما يطّلعان على مخطوط رواية “المغارة المتفجِّرة” التي شرعت في كتابتها في سنّ التاسعة عشر. قالا لي وأتذكّر ما قالاه جيّدا: “ثمّة شخص واحد فقط بإمكانه أن يفهمكِ، إنه كاتب ياسين”. كانت المرّة الأولى التي أسمع فيها باسم كاتب ياسين..  بعدها ببضعة أيام جاء لزيارتي في المدرسة الداخلية رفقة شكيب حميد ومصطفى قِريا، واطّلع على مخطوط “المغارة المتفجِّرة”. قرأ باهتمام الصّفحة الأولى. أذكر أنّه كان يدخّن والرماد يتساقط على أوراق المخطوط مخلّفا فوقها أثار حروق، ثمّ أخذ قلما وشرع في تدوين بعض الملاحظات. كان يقرأ دون أن تظهر على ملامحه أيّة ردّة فعل.  ثمّ قال: “بعد شهر سأعود لزيارتكِ”، هكذا تعرّفت بكاتب ياسين.

بعدها اتّصل بالراهبات ليخبرهن بأهمّيّة المخطوط الذي كنتُ بصدد كتابته وليطلب تصريحا بمقابلتي خارج المدرسة الداخلية؛ وبما أنّه كان معروفًا جدّا، سمحت لي الراهبات بمقابلته. كنتُ طالبة شابّة في كلّيّة الطبّ وكان كاتب يبلغ من العمر ثلاث وأربعين سنة. كان رجلا وسيما جدّا غير أنّني لم أدرك ذلك حينها. بالنسبة لي، كاتب ياسين الذي كان يقف أمامي، كان واحدا من “الأسلاف”(تضحك). نظر إليّ وقال: “أنتِ من مِسْكيانة؟ “، “نعم”، جاوبته. “وأصولكِ؟”، “هذه هي أصولي، منذ غابر الأزمنة وعائلتي تسكن مِسْكيانة ” جاوبته بإصرار. سرح بأفكاره قليلا، خاصة أنّه كان قليل الكلام، ثمّ قال بحماس: “كتبتِ كتابًا جميلا جدّا. ألم تسمعي بي من قبل؟”، “لا!” قلتُ. ثمّ أضاف مبتسما: “ستكونين علامة فارقة في جيلكِ”. ثمّ وقف، حيّاني وانصرف. لم أدرك حينها أهمّيّة هذا اللقاء ولا أهمّيّة ما قاله لي. استرجعتُ المخطوط ورحت أنقِّحه بتشجيع من هذا “السَلَف”. أعارني كاتب ياسين آلة كاتبة لونها أبيض وقال لي: “هيّا، اكتبي. سأستعيدها حين تنتهين من الكتابة!”. على تلك الآلة، كتبت رواية “المغارة المتفجِّرة”. كان كاتب يجعلني أقرأ قصائد لشاعرات فيتناميات أصيلات، ينشدن الشِّعر لجماله وليس بغرض الإغواء. كنّ يكتبن الشِّعر بشغف وليس لإثارة إعجاب الآخرين.

كيف كتب كاتب ياسين مقدّمة “المغارة المتفجِّرة”؟

كنتُ برفقته في المركز العائلي ببن عكنون (المكان الذي كان يقيم فيه كاتب ياسين). قال لي: “الآن، أريد أن أسمعكِ وأن أسجِّل ما تقولينه. هذا حوار وعندي مسجّلة”. كانت المسجّلة من نوع (Nagra)، يشغّلها تقنيّ كان يجلس بالقرب مني. ثمّ تكلّمت وتكلّمت، كنت أجيب على أسئلة قصيرة جدا.

تكلّمت لمدّة ثلاث ساعات. ثمّ سأل التقنيّ كاتب: “هل تملك شريطا آخر، لا تزال يمينة ترغب في الكلام”، فصرخ كاتب من غرفته: “لا، لا ! هذا يكفي لكتابة المقدِّمة! “. بعدها أرسل كاتب ياسين نص المقدِّمة لرشيد بوجدرة الذي كان يعمل بوزارة الإعلام. وكان رشيد هو من أعطى دفعة ليُنشر الكتاب سنة 1979.

تصفين كتابة كاتب ياسين ﺑ”صمت طويل”..

نعم. أقول وأكرّر دائما، أنّ كاتب اكتشف في وقت مبكِّر بأنّه يكتب للمثقّفين، فتوقّف عن الكتابة لكنّه ظلّ يبحث عن طريقة يخاطب بها الشّعب. فكان “الصّمت الطّويل”. أذكر في إحدى المرّات كان في باب الواد رفقة جاكلين أرنو، وبما أنّني كنت بمثابة طبيبه الشّخصي جلبت له بعض الأدوية. كان حارس البناية فلاّحا من سدراتة، فترك كاتب ياسين جاكلين التي أتت لزيارته وواصل حديثه مع الفلاّح. فقالت له جاكلين:”اسمع، لقد قطعت آلاف الكيلومترات لرؤيتك”، فأجابها:”لكن ألا تدركين أنّه أكثر عمقا من لينين!” وواصل الإنصات إلى الفلاّح.

كُتبتْ رواية “المغارة المتفجِّرة” سنة 1972 لكنّها نُشرت سنة 1979. ما الذي أخّر عملية النشر؟

قدّمت المخطوط  لمنشورات “سناد” سنة 1973، لكنّ الأمور تعطّلت كثيرا. وفي سنة 1976 وافقت لجنة القراءة، الذي كان مارسيل بوا أحد أعضائها، على نشر الكتاب. كان من الصّعب جدّا نشر هذه الرواية لأنّها كانت تزعج السّلطة السياسية آنذاك، تحديدا فيما يخصّ قانون الأسرة بسبب البطلة التي كانت تلعب دور الإمام.

هل قرأتِ رواية “نجمة”؟

لم أقرأ شيئا لكاتب وبالكاد تصفّحت “نجمة”! وما الذي أثار دهشتي في هذه الرواية؟ كاتب ياسين يكتب بلغة فرنسية ممتازة لكن بالنسبة لي كأنّني أقرأ اللغة العربية الدارجة؛ هنا تكمن قوّة وعبقريّة كاتب، أما أنا لا أدري إن كانت هناك أيّة عبقريّة في كتاباتي…

هل نستطيع القول أنّك “كاتِبية” نسبة إلى أسلوب كاتب ياسين؟

كاتب ياسين جعلني أقرأ كثيرًا وأنا أشكره على ذلك. لقائي به كان مِفصليّا في حياتي، لكن حاليا يحاول الكثيرون الانتساب إليه، في حين كان كاتب صديق الجميع.

ما لا يفهمه النّاس، أّنّه إذا كنّا أنا وكاتب نكتب لنقل بالطريقة ذاتها، فهذا يعود لكوننا مسكونين بالثقافة ذاتها ربما بسبب انتمائنا إلى نفس المنطقة. حكاية السَلَف الذي يتحوّل إلى صقر كبلوت للهروب من القتل، هي أيضا حكايتي. ننتمي إلى ذاكرة جماعية مشتركة. سدراتة لا تبعد كثيرا عن مِسْكيانة.

كان كاتب يقول لكِ: “يجب أن تجعلي نصّكِ أكثر صلابة..”. هل كان متطلِّبا؟

نعم. كان يقول لي: “يمينة يجب أن تبحثي وأن تجدي الكلمة الصحيحة”. بالنسبة لي، أستعمل مرادفا يحمل نفس المعنى الذي أرغب في التعبير عنه، لكن ياسين رجل يلِد بالفعل. حين لا يجد الكلمة، يستطيع أن يتعذَّب لمدّة أسبوعين ولا يكتفي باستعمال مرادف أو عبارة كما أفعل أنا. بالنسبة لياسين كان عليّ أن أجد الكلمة المضبوطة. إنه مخاض لغويّ حقيقيّ. وحين كان يجد الكلمة التي بحث عنها طويلا، كان يواصل الكتابة. أنا، أكتب دفعة واحدة.

 لماذا تكتبين بضمير المتكلّم “أنا”؟

إنّه اﻟ “أنا” الذي يتحدَّث بداخلي. لا تنسى أنّني حين كنتُ في باريس، شرع بعض المحلِّلين النفسيين في دراسة أعمال بروست وقد تابعت الموضوع باهتمام. بروست كان يكتب بضمير المتكلِّم، تحديدا في “البحث عن الزّمن المفقود”.

جاكلين أرنو جعلتني أقرأ نصوص بروست كما نظّمت ندوة دراسية لفائدة أطباء الأمراض العقلية تحت عنوان “الإشارة والفعل” والتي حضرتها من البداية حتّى النهاية. تحدّث المشاركون عن “أنا” بروست وعن “أنا” فلوبير. وفي نهاية النّدوة خضعنا لاختبار تقييميّ. احتفظت في ذاكرتي بفلوبير وأعدت قراءته. عند فلوبير تتداخل الأفكار، كان هذا رأي الفيلسوف والمحلّل النفسي رولان شيماما. تعلّمنا أيضا بعض أسس الفنّ التّعبيريّ والثقافة العالميّة، لكنّني لم أحتفظ سوى بغوستاف فلوبير.

في نصوصكِ المنشورة ثمّة الكثير من الفراغات..

الفراغ الذي هو جزء من المعنى، هذا صحيح. سواء في “المغارة المتفجِّرة” أو في “آريس”، بإمكاننا كتابة هذه الفراغات في كلّ الاتّجاهات. هذه الفراغات، بالنّسبة لي، هي طريقة لاستعادة أنفاسي. أكتب وأترك للآخر، للقارئ، لحظة للتّفكير، لحظة سلام أيضا.

هذا الفراغ يعني أيضا الصّمت. الصّمت “الكاتِبي”. الفراغ هو كتابة. هو أيضا عودة إلى المنبع. أخبرتك أنّ كاتب ياسين حين اكتشف أنّه يكتب للمثقفين، وضع فراغات ليعبّر عن رغبته في العودة إلى المنبع الأوّل: الشّعب.

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

الأديبة السعودية مي خالد العتيبي للمجلة الثقافية الجزائرية: أخشى أن يكون لدي وهم بأن ما أكتبه جيد

تعد مي خالد العتيبي من الكتاب السعوديين المتميزين ببحثهم عن الاختلاف في النص الأدبي، تكتب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *