ثقافة النثر والقصيد

الرُّسَلاءُ

شعر: لويز غلوك، ترجمة: وداد الصفدي

– «الرُّسَلاءُ» –

ومَا عليكَ سِوَى الاِنْتِظَارِ، ولَسَوْفَ يَهْتَدِينَ
إليكَ –
الإوَزَّاتُ، فوقَ السِّبَاخ، يَطِرْنَ خَفِيضَاتٍ،
[جَانِحَاتٍ]،
يَطِرْنَ وهُنَّ يَتَلأْلَأْنَ باسْوِدَادِ المَاءِ تَلَأْلُؤًا
ولَسَوْفَ يَهْتَدِينَ إليكَ

والغَزَالاتُ –
الغَزَالاتُ مَا أَجْمَلَهُنَّ، في المَدَى،
كَأَنَّ أجْسَادَهُنَّ لا تَحُولُ دُونَ سَبِيلِهِنَّ
بَتًّا، وبَتًّا،
وعلى مَهَلٍ يَمْشِينَ مَشْيًا بَرَاحًا
يَمْشِينَ [في الأُفْقِ ذاك]
بَيْنَ حُزَمٍ برونْزِيَّةٍ من ضِيَاءِ الشَّمْسِ

ما الذي يَحْدُو بِهِنَّ وَاقِفَاتٍ في الوُجُومِ
هكذا –
ما الذي يَحْدُو بِهِنَّ إِنْ لَمْ يَكُنَّ في الاِنْتِظَارِ
لابِثَاتٍ لا حَرَاكَ بِهِنَّ، أَوْ بِالكَادِ، أَوْ بِالكَادِ،
حتى تُصَابَ أَقْفَاصُهُنَّ بِدَاءِ الصَّدَأِ،
وحتى يَنْتَابَ الشُّجَيْرَاتِ كَذَاكَ الرُّعَاشُ،
في [مَهَبِّ] الرِّيحِ
يَنْتَابَهُنَّ وهُنَّ يُقْعِينَ عَارِيَاتٍ من الوَرَقِ

ومَا عليكَ، مَا عليكَ، سِوَى أَنْ تَدَعَ الأَمْرَ
يَجْرِي في أَعِنَّتَهِ:
وأَنْ «تُسَيِّبَ» تلك الصَّرْخَةَ، أَنْ «تُسَيِّبَهَا»،
مِثْلَ تَسْيَابِ ذاك القَمَرِ –
ذاك الذي أَعْجَفَتْهُ الأَرْضُ، صَاعِدًا بِالتَّمَامِ،
صَاعِدًا بِدّوَّارَةٍ من سِهَامٍ

وإلى أَنْ يَتَرَاءَينَ من أَمَامِكَ
مِثْلَ أَشْيَاءٍ مَيْتَةٍ، [أَوْ كَأَجْسَادٍ] تَنُوءُ بِلَحْمِهَا
أَسْرَاجًا –
وأنتَ هُنَاكَ تَمْتَطِيهَا جَرِيحًا، ولكنْ، ولكنْ،
بِإِطْلالٍ قَاهِرٍ

***
Messengers

You have only to wait, they will find you.
,The geese flying low over the marsh 
glittering in black water.
.They find you 

And the Eder-
,how beautiful they are 
as though their bodies did not impede them.
Slowly they drift into the open
through bronze panels of sunlight.

Why would they stand so still
if they were not waiting?
Almost motionless, until their cages rust,
the shrubs shiver in the wind,
squat and leafless.

You have only to let it happen:
that cry-release, release-like the moon
wrenched out of earth and rising
full in its circle of arrows

until they come before you
like dead things, saddled with flesh,
and you above them, wounded and dominant.

***

(تنويه)

وها أنذا، للمرة السابعة، أكتب في هذا المنبر الثقافي تنويها آخر خاصا مرفقا بمحاولة سابعة متواضعة مني في ترجمة قصيدة «الرُّسَلاءُ» Messengers، للشاعرة الأمريكية (الهنغارية) لويز غلوك التي حازت، قبل ما يُنيف عن ثلاثة أشهر، على جائزة نوبل للأدب لعام 2020، حسبما ارتأت لجنة التحكيم السويدية في الأخير. فهنيئا لهذه الشاعرة من الأعماق، رغم كل ما قيل من قول مضاد قد يكون سديدا كل السداد وصائبا كل الصواب، على هذا الإنجاز الشعري الذي يركز بالدرجة الأولى على قول الصامت، أو حتى على الإيحاء به، من خلال الركون اللاواعي، أو شبه الواعي، إلى ذكريات الطفولة خاصَّةً (كما هي الحال في القصيدة الاستهلالية، «الذاكرة الأولى» First Memory)، ومن خلال الركون الأكثر وعيا كذاك إلى ما يتلوها من ذكريات أكبر سنا وأكثر نضجا (كما هي الحال في القصائد التي تلتها، نحو: قصيدة «المِقْرَاب» Telescope، وقصيدة «زَهْرَةُ اليَاقُوت» Hyacinth، وقصيدة «قَصِيدُ الحُبِّ» Love Poem، وقصيدة «الزَّنْبَقَةُ الذَّهَبِيَّةُ» The Gold Lily، وقصيدة «السَّوْسَنَةُ البَرِّيَّةُ» The Wild Iris، وقصيدة «الرُّسَلاءُ» Messengers). إن هذا الحدث الأدبي العالمي الكبيرَ بالنسبة لسيرة شاعرة من مثل لويز غلوك إنما هو إنجاز فريد من نوعه بكل تأكيد، وإن كان هناك في ذات الآن عددٌ لا يُعَدُّ ولا يُحصى من الشاعرات والشعراء في الغرب وفي الشرق (وخاصة في العالم العربي الجريح والمُجَرَّح، من كل حدب وصوب) مِمَّنْ يَسْتَأْهِلْنَ ويَسْتَأْهِلُونَ جائزة نوبل بجدارة مماثلة، إن لم تكن بجدارةٍ أفضلَ منها بكثير الكثير. وذلك جلُّه (أو حتى كلُّه) عائدٌ إلى القصد من وراءِ أسأسةِ هذه الجائزة الأدبية بهيئةٍ لا تروقُ البتَّةَ للعديد من النقَّاد الأدبيين والباحثين الثقافيين النزهاء، من المنظور السياسي والمُسَيَّس تحديدا، تلك الأسأسةِ التي أدَّت بعدد ملحوظ من الأدباء والمفكرين العالميين الذين يحترمون أنفسَهم (من أمثال المفكر والأديب الفرنسي جان بول سارتر) إلى رفض هذه الجائزة الأدبية الأولى في العالم رفضا قاطعا من حيث المبدأ. وكان لهذا الرفض القاطع في يقين هؤلاء، فضلا عن ذلك، مبرراتٌ مبدئية لا تقل أهمية فيما يتعلق بإنشاء الجائزة المخصوص بادئ ذي بدء، وعلى الأخص فيما يتعلق بكونها وسيلةً تطهيريةً أو ذريعةً (تكفيرية) بنحوٍ أخلاقيٍّ أو بآخَرَ، في الأصل، من أجل ذلك السعي التطهيريِّ (التكفيريِّ) الحثيثِ لتلك الخطيئة الكبرى التي ارتكبها آلفرد نوبل نفسه، حين اخترع شيئا متفجِّرا قد حَلَّ عليه اللَّعْنُ منذ ولادته لدى تَسَمِّيهِ إذَّاك بـ«الديناميت»، شيئا متفجِّرا ملعونا صار شيئا فشيئا، على مرِّ الزمان، عَيْنَ السببِ الأوَّلِ والآخِرِ في تدميرِ عَيْنِ الإنسانيةِ في الإنسان قبلَ تدميرِ أيِّ شيءٍ آخَرَ!

ولم يكن الحافز الآخر على محاولتي المتواضعة في ترجمة هذه القصيدة السابعة، في حقيقة الأمر كذلك، سوى قراءتي الأخيرة لمقال الكاتب الصحافي صبحي حديدي المعني، «جائزة نوبل للآداب 2020 للشاعرة الأمريكية لويز غلوك: المنشَدَّة إلى المحذوف والقول الصامت» (إصدار القدس العربي 8 تشرين الأول/أوكتوبر 2020)، وإدراكي الأخير من ثم لمدى تدني مستوى هذا الكاتب الصحافي في حقل الترجمة الأدبية والشعرية على وجه التحديد، خصوصا وأنه الكاتب الصحافي الذي ينظر إلى نفسه، قبل أن ينظر إليه أي شخص آخر، بوصفه «ناقدا أدبيا» و«مترجما محترفا» على مستوى العالم العربي من جهاته الأربع كلها. باختصار شديد، وبأسف شديد، فإن ترجمات الأشعار المختارة للشاعرة لويز غلوك، كما وردت بجهود الكاتب الصحافي صبحي حديدي في مقاله الصحافي البئيس هذا (على أقل تقدير)، إنما هي في الأغلب والأعم ترجمات حرفية بدائية ليس لها إلا أن تُفرغ هذه الأشعار من تلك الروح الشعرية المنشودة إفراغا صارخا وشائنا ومشينا، ولا ريب في ذلك – كما بيَّنتُ، على سبيل المثال الدامغ والملموس، لمن يعنيهم ولمن يعنيهنَّ الأمر، فيما بيَّنتُ في الأخير من ترجمةٍ «حديدية» حرفية بدائية للقصيدة السابقة نفسها، «ذاكرة أولى» (بأل التعريف، وليس بدونها)، ترجمةٍ «حديدية» حرفية بدائية تكلَّف عناءَها هذا الكاتبُ الصحافي (الذي ينظر إلى نفسه، قبل أن ينظر إليه أي شخص آخر، بوصفه «ناقدا أدبيا» و«مترجما محترفا» على مستوى العالم العربي من جهاته الأربع كلها)!

أخيرا، وليس آخرا في هذه المناسبة الجليلة، وإن كنتُ قد أفلحتُ وقد أجدتُ «آملةً» في أيةِ سمةٍ من سماتِ هذه الترجمةِ التي تحاول أن «تضارعَ» روحيًّا، بنحوٍ أو بآخَرَ، مستوى هكذا شعرٍ فريدٍ من نوعه، بالغٍ من السهولة أقصاها حقًّا، ولكنه في الآن ذاتهِ شعرٌ بالغٌ من الامتناع أقصاهُ كذلك، فإن كلَّ هذا الإفلاح وكلَّ هذه الإجادة (هذين الكُلَّيْن «المأمولَيْن» منِّي، على الصعيد الذاتي)، إنما هما مجتمعان في كُلٍّ واحدٍ، والحقُّ يُقال أولاً وآخرًا، بفضل أستاذي الكريم غياث المرزوق – وهو، علاوةً على ذلك كلِّه، الفريدُ في كلِّ شيءٍ فكريٍّ أو أدبيٍّ أو حتى فنِّيِّ، هو الآخَرُ. فقد تعلَّمتُ منهُ الكثيرَ الكثيرَ ممَّا لهُ مساسٌ قريبٌ، أو بعيدٌ، بخفايا «فَنَّيِ» الترجمة والتعريب التي تخفى حتى على المحترفين والمخضرمين في هذين «الفَنَّيْن»، ولا شكَّ في ذلك بتًّا، هذا على الرَّغْمِ من «فريدةِ» أن أستاذي الكريم غياث المرزوق كان نفسُهُ لا يُطيقُ الإشرافَ على أيةٍ من الرسائل الجامعية في هذا المجال (مجال الترجمة والتعريب) أيامَ دراستي وتحضيري لرسالة الدكتوراه في بلاد الدنمارك الجميلة!

***

وداد الصفدي – فلسطين

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأيان على “الرُّسَلاءُ”

  1. كما قلت من قبل أتقدم بالشكر الجزيل للأخت الكريمة وداد الصفدي على ترجمتها الجميلة والساحرة لقصيدة (رسلاء) للشاعرة الأمريكية لويز غلوك رغم أن ترجمة الشعر بالأخص هي أصعب أنواع الترجمة كلها قطعا وكما يُقال في مجال النقد الأدبي بأن من تتمكن من هذه الترجمة بهذا المستوى الراقي جدا لا بد أن تتمتع بروح شعرية وشاعرية عالية جدا وهذا ما أدركه باليقين من ترجمات الأخت الجليلة وداد الصفدي لكافة القصائد السابقة وبدءا من ترجمتها لقصيدة (الذاكرة الأولى) لنفس الشاعرة. مع كل المودة والشكر والاحترام والتقدير

  2. ترجمة عربية رائعة بكل معنى الكلمة من النص الأصلي لقصيدة الشاعرة لويز غلوك
    تحية شكر وتقدير وثناء خاصة للأخت وداد الصفدي على هذا الجهد العظيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق