قراءات ودراسات

نظريات جغرافية التوراة

داود سلمان الشويلي

للجغرافية دور كبير في مصداقية الخبر ونقله من شخص الى آخر، فلا يمكن أن نقول ان السندباد البحري، في الحكاية التي تحمل الاسم ذاته في ألف ليلة وليلة، قد وصل الى جزر الواق واق ونصدّق الخير في الحكاية، لأننا لا نعلم أين تقع هذه الجزر، وهل كانت حقيقية أم كانت من الخيال، لذا فإن خبر وصوله بات في حكم الخيال المتصور، ولا يمكن الركون إليه. أما اذا قلنا ان بناء مكان للعبادة يسمى “هيكل سليمان” الذي بناه “النبي!!!” سليمان كما عند اليهود، وتذكره التوراة، قد بني على جبل في القدس، فإننا نبحث عن ذلك الجبل وعندما لا نجده في جغرافية فلسطين، في القدس الحالية، لأن ما تسمى الآن بمدينة القدس في فلسطين هي منطقة غير جبلية، بل هي مدينة مبنية على هضبتين، عندها نبحث عنه في أماكن غير فلسطين، عن منطقة جبلية، وعن الجبل الذي بني فوقه الهيكل فنجده في جغرافية اليمن، على جبل في منطقة تسمى “قادش”. إذن علينا التأكد جيدا من الأخبار ونقلها. (1)
هكذا يكون البحث ماديا ومعنويا. ماديا من خلال البحث والتنقيب الأركيولوجي. ومعنويا من خلال البحث والتنقيب في الكتب والمصادر القديمة.

***
ترجمت التوراة أولا الى اللغة اليونانية وسميت هذه الترجمة “الترجمة السبعينية”، وهي الترجمة اليونانية للعهد القديم التي أجريت في القرن الثالث قبل الميلاد. حيث يذكر ان بطليموس أراد أن يضم إلى مكتبة الإسكندرية الكتب المقدسة لليهود، والبعض يرى أنه بسبب عدد اليهود الذين لايعرفون إلاّ العبرية قام اثنان وسبعون من الأحبار بالترجمة. وبمرور الأيام لم تبق أي نسخة من هذه الترجمة، أي ان التوراة غير موجودة أصلا، إلّا ان النسخ السينائية، والفاتيكانية، والإسكندرانية، هي بعض نسخ المخطوطات التي تستعمل النص السبعيني. وهذا ما يؤكده المهتمون والدارسون في تاريخ التوراة.
بعد ذلك ترجمت الى اللغة العربية، ولم تترجم من العبرية التي كتبت بها أولا، ومن هذه الترجمات جاء التحريف، والتغيير، والالغاء، والاضافة، أونقصان، لأسباب لاهوتية، سياسية، استشراقية، مغرضة فإنطلت على الناس في أرجاء المعمورة، وصدّقوا بهذه الفرية.

***
أما عن آثار الحقب التي عاش فيها اليهود على أرض فلسطين بعد أن جاء ابراهيم من جنوب العراق، ومر بحاران، ودمشق، وذهب الى مصر، وعاد الى فلسطين كما تدعي التوراة، والصهاينة، فقد بحث الآثاريون عنها، وكلهم يهود، في جميع الأراضي التي قالت بها التوراة، ولم يجدوا شيئا يدل على ان الاسرائيليين، واليهود، قاطبة قد سكنوا في هذه الأرض وعمروها، وأقاموا فيها مملكتهم الشمالية والجنوبية.
إذ بعد احتلال سيناء عام 1967 أرسلت اسرائيل أكثر من ثلاثة آلاف عالم اركيولوجي ومنقب ومختص بالتاريخ القديم الى سيناء فلم يتم العثور على أثر لخروج موسى وقومه من مصر وبقائه 40 عاما في سيناء. من ضمن هؤلاء الآثاري الصهيوني “فنكلشتاين” الذي يقول: ((أنه خلال عشرات السنوات من البحث الأثري العلمي لم يتم اكتشاف أية براهين أثرية لحكاية الخروج من مصر، رغم حراثة سيناء كلها ودلتا النيل طولاً وعمقاً… ليس هناك أية براهين على أن الإسرائيليين القدامى مّروا من هنا”. (…) ” وليست هناك أدلة على وجود تجمع سكاني عبري أياً كان استوطن فيه يعقوب وأبناؤه أو غيرهم من الإسرائيليين الآخرين في مصر نفسها في القرن الثالث عشر قبل الميلاد الذي يعتبر فترة حدوث المجريات المفترضة في الحكاية)). (2)
وهذا معناه ان الأرض لا تنطق باليهودية وانما تتكلم عربي.

***
هنالك ثلاث نظريات عن جغرافية التوراة فضلا عن النظرية الحقيقية، والضائعة، لتلك الجغرافية، وهذه النظريات هي:
1 – نظرية التوراة العبرية الرسمية:
وهي الشائعة والمذكورة في التوراة الرسمية، وتضم الأراضي القديمة في العراق، والشام، ومصر. وتبدأ بخروج النبي ابراهيم واسرته من جنوب العراق، في حدود عام 1800 قبل الميلاد، من أور الكلدانيين(!!!) التي تقع جنوب العراق قرب مدينة الناصرية مركز محافظة ذي قار. وذهابه الى حاران في جنوب تركيا، وهناك تزوج من سارة، ثم ترك حاران واتجه الى دمشق، وبعدها الى فلسطين، فمصر، ثم العودة الى فلسطين، وقد أنجب ابنه اسحاق، واسحاق أنجب يعقوب الذي سمي اسرائيل، وقد أنجب يعقوب 12 سبطا، من بينهم السبط يوسف الذي بيع الى عزيز مصر، وفي زمنه نزح بني يعقوب الى مصر وعاشوا هناك أكثر من 400 سنة الى أن خرجوا مع موسى الى سيناء، وتاهوا فيها حوالي 40 عاما، وبعد ممات موسى تمكّن تلميذه يوشع بن نون أن يصل بالاسرائيلين الى فلسطين، وبعد ذلك بمئات السنين تعرضوا للسبي الآشوري، والبابلي.
الجغرافية هذه تذكر بعض المواقع الجغرافية غير الموجودة وقت أحداثها، وأيضا تذكر هذه الرحلة العجيبة لابراهيم من جنوب العراق “أور الكلدانيين!!!” الى جنوب تركيا “حاران” للوصول الى مصر، ومن ثم العودة الى فلسطين بقيادة موسى وتلميذه يوشع.

***
2 – نظرية الدكتور كمال الصليبي:
وهي جغرافية منطقة عسير التي تقع جنوب غرب الجزيرة العربية، والتي بينّها الدكتور كمال الصليبي في كتابه “التوراة جاءت من جزيرة العرب” الذي صدر عام 1985. وقد أعتمد الصليبي في نظرته هذه ((على المقابلة اللغوية بين أسماء الأماكن المضبوطة في التوراة بالحرف العبري، وأسماء أماكن تاريخية أو حالية في جنوب الحجاز وفي بلاد عسير)). ص13
ما الذي دفع الصليبي ان ينقل جغرافية التوراة العبرية من فلسطين الى جنوب غرب الجزيرة العربية؟ يجيب هو قائلا: ((وأساس الكتاب هو المقابلة اللغوية بين أسماء الأماكن المضبوطة في التوراة بالحرف العبري، وأسماء أماكن تاريخية أو حالية في جنوب الحجاز وفي بلاد عسير مأخوذة إما عن قدامى الجغرافيين العرب، ومنهم الحسن الهمداني، صاحب “صفة جزيرة العرب”، وياقوت الحموي، صاحب “معجم البلدان”، أو عن “المعجم الجغرافي للمملكة العربية السعودية” الذي بدأ في الظهور عام 1977 م، وقد قام بجمعه عدد من العلماء السعوديين. أضف الى ذلك “معجم معالم الحجاز”، و”معجم قبائل الحجاز” )). (3)
وقد انتقد نظرية الصليبي الباحث الفلكلوري فراس السواح في كتابه (الحدث التوراتي والشرق الادنى القديم – دار علاء الدين – ط3) على الصفحات 20 -22 ، لأنها اعتمدت على اللغة، والمقابلة اللغوية، وهذا سبب غير كاف لانتقادها.

***
3 – نظرية الدكتور فاضل الربيعي:
وهي الجغرافية الممتدة على أرض اليمن، وقد بيّن معالمها، جغرافيا وتاريخيا، في سلسلة كتبه “فلسطين المتخيلة” و”اسرائيل المتخيلة”، وفي كتب أخرى.
يقول الدكتور الربيعي في مقدمة كتابه “فلسطين المتخيلة”، في طبعته العراقية: ((منذ أن صدرت الطبعة الأولى من كتابي هذا (فلسطين المتخيلة – مجلدان 2007) والنقاش في مختلف الأوساط الأكاديمية والثقافية يتواصل حول نظرية الكتاب. كان كتابي هذا، مكرّساً وبشكل حصري – في جانب حيوي وهام للغاية، هو رسم إطار جغرافي مختلف لقصص التوراة من خلال نقد الرواية اللاهوتية الاستشراقية التي تزعم أن هذه الأحداث وقعت في فلسطين، وذلك بوضعها ضمن «جغرافية اليمن». ثم، عكفت على استكمال هذين المجلدين بعمل جديد وضخم هو “إسرائيل المتخيلة “، حيث قمت بنقل كل أحداث وقصص التوراة من الجغرافية إلى “التاريخ اليمني”، وهكذا؛ فإن التعرّف على نظرية الكتاب أصبح أكثر يسراً مع وجود إطارين: جغرافي وتاريخي لأحداث التوراة.)).(4)

***
وبهذا فقد برهنت الدراسات والبحوث التي قدمها المفكرون والباحثون العرب، ومن قبلهم بعض المستشرقين والاثاريين الذين أشاروا بحياء الى يمنية الجغرافية، الى ان جغرافية التوراة لم تكن هي جغرافية فلسطين وانما في الجنوب الغربي للجزيرة العربية ان كانت في عسير أو في اليمن، وهو المكان الحقيقي لها، مع العلم لم تكن أية حدود بين الدول وقتذاك.
***
الهوامش:
1 – القدس ليست أورشليم – فاضل الربيعي – دار الرافدين للنشر- ط3–2020 – ص10.
2 – ذكر تقرير نشرته مجلة جيروساليم ريبورت الإسرائيلية- 5-8-2011- (أن علماء الآثار اليهود لم يعثروا على شواهد تاريخية أو أثرية تدعم بعض القصص الواردة في التوراة بما في ذلك قصص الخروج والتيه في سيناء وانتصار يوشع بن نون على كنعان). ويقول كذلك: (أن شخصية داوود كزعيم يحظى بتكريم كبير لأنه وحد مملكتي يهودا وإسرائيل هو مجرد وهم وخيال لم يكن لها وجود حقيقي). مردفا: (أن وجود باني الهيكل وهو سليمان ابن داوود مشكوك فيه أيضاً، حيث تقول التوراة أنه حكم امبراطورية تمتد من مصر حتى نهر الفرات رغم عدم وجود أي شاهد أثري على أن هذه المملكة المتحدة المترامية الأطراف قد وجدت بالفعل في يوم من الأيام، وإن كان لهذه الممالك وجود فعلي فقد كانت مجرد قبائل وكانت معاركها مجرد حروب قبلية صغيرة، وبالتالي فإن قدس داوود لم تكن أكثر من قرية فقيرة بائسة، أما فيما يتعلق بهيكل سليمان فلايوجد أي شاهد أثري يدل على أنه كان موجوداً بالفعل). (فنكلشتاين إذ يفكك الأساطير الصهيونية!../ نواف الزرو – موقع عرب 48/الالكتروني).
3 – التوراة جاءت من جزيرة العرب – كمال الصليبي – تر: عفيف الرزاز – مؤسسة الأبحاث العربية – ص 13.
4 – فلسطين المتخيلة – أرض التوراة في اليمن القديم – دكتور فاضل الربيعي – دار الرافدين – بيروت – 2021 . وهذا الكتاب الذي صدر عام 2007 يختلف عن كتاب ( إسرائيل المتخيلة) فهو بعدة مجلدات، وصدر عام 2017. ويتحدث عن تاريخ قصص التوراة في اليمن، فيما كتاب (فلسطين المتخيلة) يتحدث عن جغرافية التوراة في اليمن.(حسب مكالمة صوتية من المؤلف وصلت الى الكاتب بواسطة الفيسبوك).

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق