قراءات ودراسات

السرقات الأدبية مستمرة في أشكال وأقنعة جديدة.. و«حقوق المؤلف» نمر بلا مخالب

سامر إسماعيل*
مافيات الصحافة الثقافية
ظاهرة السرقات الأدبية والفنية والإبداعية العربية عمومًا اكتست اليوم لبوسًا مختلفًا في التزوير والتحريف والسطو على المكتبة العالمية؛ ففي عصر «الميديا» المفتوحة، ومافيات الصحافة الثقافية الإلكترونية، وأبطال المدوّنات، وأدباء الفيسبوك، ونسخ موقع «غوغل» لملايين الكتب وتخزينها لصالحه من دون الاكتراث بحقوق مؤلفيها، أو الامتثال للدعاوى القضائية المرفوعة ضد القائمين على محرك البحث الأشهر في العالم من مئات الكتّاب وورثتهم؛ بسبب هذا وغيره بات من الصعب الحصول على «النسخة الأصلية» من دون تشويهات تُبذل على مدار الساعة في كل أرجاء الكوكب.

يتعرض النص الأصلي باستمرار إلى تحوير ممنهج يجعل من مهمة معرفته – حتى من أصحابه أحيانًا- أمرًا صعبًا جدًّا؛ كأن النسخة الأصلية باتت «خطيئة أصلية» في عرف من يحاولون إخفاء سرقاتهم وتمويهها؛ ناهيك عن مجموعات المترجمين الأحرار الذين لا يخضعون لأي سلطة معنوية أو قضائية تحدّ من نقلهم لذخائر المسرح والسينما والرواية والقصة إلى غير لغاتها الأصلية، ومن دون حسيب أو رقيب.
الكاتب السوري حسن م. يوسف يعرّف السرقة الأدبية بأنها: «أخذ ما للغير خفية، والسرقة الأدبية هي قيام أحد ما بنسخ نص أبدعه شخص آخر وتقديمه على أنه له. والحق أن هذا المصطلح يخضع لتأويلات شتى حتى ضمن إطار الثقافة الواحدة»، ويتابع يوسف: «من المعروف أن مبادئ حقوق المؤلف لا تحمي الأفكار، وإنما تحمي تعبير المؤلف عنها، إلا أننا نقرأ ما يشي بأن هذا المصطلح اكتسب طبيعة مطاطية؛ لأن كل مستخدم يعطيه ما يناسب وجهة نظره، حتى بات يختلف باختلاف المصالح كما مصطلح الإرهاب تمامًا!».

قبل سنوات نشرت الباحثة الإنجليزية آندي ميدهيرست دراسة لافتة في الملحق الفني لجريدة «الأوبزيرفر» الصادر يوم الأحد 4 أيلول «سبتمبر» 1994م، بعنوان «الرائعون السبعة، يستمرون ويستمرون»، وقد قالت في مقدمة بحثها: «لم تعد هناك أفكار جديدة، هناك طرق مختلفة لقول الأشياء نفسها». وبعد ذلك تشير الباحثة إلى سبع حبكات أساسية تكمن في قلب أي نوع من الكتابة النثرية. وهي تورد تلك الحبكات من خلال أسماء أشهر الأعمال التي تعبّر عنها: حبكة روميو وجولييت، حبكة الطرف الثالث، حبكة العنكبوت والذبابة، حبكة الضعف القاتل، حبكة الصفقة الفاوستية، حبكة كانديد أو انتصار البراءة، حبكة ساندريلا.

يتفق الأديب حسن م. يوسف مع كلام الباحثة الإنجليزية فيما ذهبت إليه: «الفنانون الأوائل، كما الجغرافيون الأوائل، اكتشفوا الحبكات الكبرى كلها، والقارات كلها، ونحن الآن، في الجغرافيا والفن، نعيش عصر اكتشاف التفاصيل! ما يؤسف له هو أن طلاب الشهرة سوقوا دسائسهم الأدبية كسرقات، فقاموا باتهام أهم الكتاب والأدباء العرب بالسرقة، بهدف سرقة الأضواء منهم، وقد طالت اتهامات هؤلاء المتنبي وطه حسين ومحمد مندور وإبراهيم ناجي وأدونيس».

سرقات خبيثة وأخرى حميدة!
الشاعر والمسرحي التونسي حكيم مرزوقي يدعو إلى إقامة «مرصد أدبي» يشهّر من خلاله بكل من يسطو على متاع الآخرين، وينسبه إلى نفسه في مختلف حقول الأدب والفكر والفن، أسوة بتلك المراصد التي تنشط في المجتمعات المدنية، وتتعقّب الانتهاكات الحقوقية فتفضح مرتكبيها في الدول والمؤسسات. ويعقب مرزوقي: «قد يبتسم ويسخر في سرّه كل من يعتبر الأمر دعوة طوباويّة، وضربًا من (الفذلكة الثقافية) في مجتمعات تنخرها شتى الأمراض ما عدا (أحمدها وأنبلها) في التهام الكتب، وإدمان حشيشة الفن والمعرفة؛ وقد يذهبون معي بعيدًا ويفرضون جدلًا أنّ المراصد الأدبية قد أُقيمت على قدم وساق وقلم. وأُحصِي المتلبسون من (اللصوص الأذكياء)، والزجّ بهم ضمن لوائح سوداء قصد التشهير، وردع كل من تسوّل له نفسه (الطمّاعة الذوّاقة) الاعتداء على أصحاب الأكفّ الناعمة من (بروليتاريا) الإبداع، فتعيد للأقلام حقها قبل أن يجفّ حبرها وتعود إلى غمدها».

لكن هل ستُفتح غرف التحقيق، وتُقام المحاكم، وتنصب المقاصل للأقلام المزوّرة، فينصف المعتدى عليه، ويمكّن من استرداد حقوقه المعنوية والمادية؟ يتساءل حكيم المرزوقي ويجيب: «الحقيقة التي لا تقبل الجدل هو أنّ فعل السرقة وآلياتها ومحرّضاتها النفسية والاجتماعية واحدة من حيث هي رغبة كامنة، وسعي للتفوّق المادي والمعنوي على الآخر؛ عبر الاعتداء على ممتلكاته من دون اعتبار أخلاقي أو رادع قانوني؛ وبتواطؤ مع مؤسسات اجتماعية ضمن منظومة فساد واضحة لا غبار عليها».

يقول فقهاء القانون: لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني؛ لكن جرائم السطو الأدبي استمرت وتستمر حتى بعد سن القوانين الخجولة في الملكية الفكرية التي ظلّت ترفًا حضاريًّا في سوريا وغيرها من البلاد العربية؛ مجرد نمر ورقيّ وبلا مخالب، كما غابت العقوبات إلا فيما ندر، ذلك أنّ هذه النصوص جاءت في البلاد العربية كنوع من ذرّ الرماد، والتبجّح بأننا أمة تحترم المبدعين، وتدافع عنهم.

مسألة يرى فيها الأديب التونسي حكيم المرزوقي: «أنه لا بأس من غضّ الطرف فيما يخص الملكية الفكرية المتعلّقة بمنجزات عالميّة من شأنها أن تنقذ مجتمعات فقيرة بكاملها من الأوبئة كاللقاحات الدوائية، أو تتعلّق بأمنها الغذائي وثرواتها الطبيعيّة؛ إذ إنني لا أرى حرجًا إطلاقًا في عدم الاستجابة لجشع الشركات المحتكرة ذات النشاط الربحي. كما لا أجد مانعًا من تحويل النصوص العالمية إلى أعمال درامية محليّة من دون التغافل عن ذكر المصدر لدى المتخصّصين؛ فما زلت أنتصر لنظرية روبن هود وطرفة بن العبد في جدوى العدالة الاجتماعية، وإعادة توزيع الثروة عبر افتكاكها من خزائن المترفين لا من أدراج المبدعين طبعًا… ألم يكن هؤلاء الصعاليك مبدعين؟ فلماذا لم تسرق منهم جذوة الإبداع في العصور الحديثة المتسمة بثقافة الطمع والجبن؟».

لقد كان العرب على حق في تقديرهم لمبدأ «الاقتباس»؛ ذلك أنّ هذا المصطلح جاء من فعل اقتناء قبس النار من خيمة نحو الأخرى؛ كي تعمّ الفائدة وتُضاء مضارب القبيلة، وكذلك الشأن في مصطلح «الاستنباط» الذي يعود أصله إلى حضارة العرب الأنباط في منطقة وادي موسى، وعليه فقد سمّي كل تطوير في شؤون الدولة والمجتمع استنباطًا، خصوصًا في بدايات العصر الأموي؛ أمّا «التضمين» و«الاستعارة» و«المعارضة» في الشعر العربي القديم فتنمّ عن نبل في الإشارة إلى المصدر؛ لكنّ «التناص» الحديث كثير منه سرقة مبرّرة وغير موصوفة، وكان الأجدر تسميته بـ«التلاص».

موسوعة للسرقات
«لا أعلم مصير (موسوعة السرقات الأدبية) التي أُعلن عن قرب صدورها قبل سنوات»، يقول الروائي السوري خليل صويلح، ويضيف: «لكنني علّقت على هذا الخبر وقتها، بأنها الموسوعة الوحيدة التي لا يتمنى كاتب عربي أن يجد اسمه في فهرسها. أظن أن (غوغل) لجم مثل هذه الاعتداءات، نظرًا لسهولة كشفها، وانتفاء المسافات بين الجغرافيات المتباعدة، بسطوة الميديا، على رغم أن محاولات الانتهاك لم تتوقّف، أقله في الشوارع الخلفية للكتابة، عن طريق كتّاب مغمورين لا يمتلكون رصيدًا سابقًا يخشون إهداره». اليوم هناك نوع من اللصوصية المضمرة، وذلك بتحويل فلم أجنبي إلى رواية، بإضافة توابل محليّة على الحدث، بقصد إخفاء معالم الجريمة، أو اللجوء إلى مواقع التواصل الاجتماعي ولطش شذرة من هنا وشذرة من هناك، من دون ذكر صاحبها، لمآرب عاطفية لا تتعدى الحائط الهش للموقع، يعقب خليل صويلح، ويقول: «ربما كان (ماريو) بطل رواية أنطونيو سكارميتا (ساعي بريد نيرودا) من أروع لصوص الأدب؛ إذ كان يهدي حبيبته مقاطع من شعر نيرودا لتعزيز علاقته بها، قبل أن تكتشفه أمها، وتدمّر شاعريته المستعارة. لكنني أظن أن فوضى ما نعيشه اليوم، جعلت من السرقة الأدبية في حالة اكتشافها، مجرد وجهة نظر، وليست خيانة، بدليل انطفاء مثل هذه الانتهاكات بسرعة، ليعود أصحابها إلى الساحة ببزة أدبية جديدة، وكأن شيئًا لم يحدث».

سرقة مع بعض التضليل
القاص والأديب ناظم مهنا يعقب على الموضوع ساردًا حكايته أيضًا مع السرقات الأدبية: «منذ أيام قليلة مضت، أنهيتُ قراءة كتاب مترجم يتجاوز السبعمائة صفحة، اشتبهت بترجمة الكتاب، وتذكّرتُ أن في مكتبتي طبعة قديمة للكتاب نفسه بجزأين لمترجم آخر من بلد آخر، وأن الترجمة مسروقة مع بعض التضليل، وهذا مشين، لا سيما أن الترجمة المسروقة صادرة عن مؤسسة نشر رسمية قد تفقد مكانتها إذا ما استمرت في التهاون بهذه الأمور». السرقات الأدبية أمر شائع جدًّا في التاريخ الأدبي، وقد أفرد لها النقاد العرب القدامى صفحات عديدة في كتبهم، ويكاد لا يخلو كتاب نقد قديم، بقليل أو بكثير، من ذكر هذا الداء- يضيف القاص السوري مهنّا ويتابع: «ابن رشيق يتحفنا بأنواع عديدة من السرقات في كتاب (العمدة) منها: الاصطراف، والاجتلاب، والانتحال، والاهتدام، والإغارة، والمرافدة، والاستلحاق، وكلها قريب من قريب في باب السرقات. ومنها عند بعضهم: الاختلاس، والعكس، والمواردة (التوارد)، والتلفيق، والالتقاط، وبعضهم يسميه الاجتذاب والتركيب. وابن الأثير جمعها في ثلاثة أقسام: نسخ: أخذ اللفظ والمعنى. وسلخ: أي أخذ بعض المعنى. ومسخ: أي إحالة المعنى إلى ما دونه». بعض النقاد خفف من قسوة المصطلح فقال ابن قتيبة بـ «الاحتذاء أو الأخذ». ورأى ابن رشيق أن اتكال الشاعر على السرقة بلادة وعجز، وتركه كل معنى سُبق إليه جهل، وخير الحالات الوسط، والمخترع له فضل الابتداع، غير أن المُتبع إذا تناول معنى فأجاده في أحسن كلام؛ فهو أول من مبتدعه، وله فضيلة حسن الاقتداء. وثمة من رأى منهم أن من أخذ معنى عاريًا، فكساه لفظًا من عنده، كان أحق به. إلا أن عبدالقاهر الجرجاني- كما يقول الأديب ناظم مهنا- رفض هذا لانعدام وجود معنى عار من لفظ يدل عليه، ولشكّه بإمكان أن يأتي أحد بلفظ من عنده لمعنى من المعاني، وأن التغير في اللفظ يتبعه تغير في المعنى والعكس أيضًا.

شعراء كبار اتهموا بالسرقة
شعراؤنا الأقوياء جُلُّهم اتهِموا بالسرقات! من امرئ القيس، مرورًا بأبي نواس، وأبي تمام، والبحتري، والمتنبي، وحتى أدونيس. إنما لا بد أن نميز السرقة الأدبية المذمومة، من التأثر الذي تتوالد منه السلالات الأدبية وتتفاعل- يشرح الكاتب ناظم مهنا وجهة نظره في ذلك قائلًا: «على رغم تداخل الحالتين أحيانًا يكون الخيط الذي يفصل بينهما واهيًا؛ ففي نصوص الحداثة وما بعد الحداثة، يأخذ التفاعل بين النصوص أشكالًا متعددة من التضمين أو عملية ابتلاع وهضم نصوص أخرى في نص واحد، ويعدّ بعضهم هذا سرقة. وفي ذاكرتي عشرات الشواهد التي عاصرتُها وسمعتُ بها عن سرقات أدبية تبلغ وقاحتها حد الطرافة، فلقد تعرّضتُ لحالتين مختلفتين من هذا التماس بين السرقة والتفاعل لا مجال ولا جدوى من الخوض فيهما؛ إلا أنه لا يشغلني كثيرًا موضوع السرقات الأدبية، ولا توجد ملكية خاصة للأفكار، وكما قال الأسلاف: المعاني مطروحة في الطرقات لمن يشاء. إلا أنني أرى أن على الكاتب أن يكون مخلصًا لمخيلته ولشخصيته. وأعتقد أن السرقة بشكلها البشع والوقح شائعة اليوم في عالمنا الصفيق، العدواني إلى هذا الحد، حيث كل شيء فيه مباح بما في ذلك الحياة ذاتها!».

السارق قاضيًا
من المفارقات العجيبة أن كثيرًا من الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي التي تحمل اسم «السرقات الأدبية»، أو «معًا ضد السرقات الأدبية» تضم عضوية بعض لصوص الأدب والترجمة المشهود لهم! وشر البلية ما يجعل السارق قاضيًا! فكم هو واطئ حائط الأدب والفكر والفلسفة والعلم! – يعلق بدوره الناقد نذير جعفر متسائلًا: «كيف للص أميّ مبتدئ أن يحسب ألف حساب لسرقة مادية عينية صغيرة، ولا يتوانى لص «مثقف» عن سرقة شكسبير أو نجيب محفوظ أو أدونيس أو لوتريامون أو رامبو أو الحلاج بضغطة واحدة في وضح النهار! لا بل سرعان ما يُنصّب ذلك اللص (المثقف) نفسه قاضيًا، ويوجّه التهمة لهؤلاء الذين سرقهم ليبعد الشبهة عما اقترفه بحقّهم!».

كثير مما يسمى سرقات أدبية في التراث ليس سوى تناص وتوارد صور وأفكار وتشابه في سياق التجارب الإنسانية، ومع ذلك عدّه القدماء سرقات، ولم يتساهلوا مع أصحابها سواء على مستوى بيت من الشعر أو مطلع قصيدة أو صورة بيانية، أما اليوم فهناك سرقات موصوفة كاملة لكتب بعينها، وأبحاث، ورسائل جامعية، ودواوين شعر، وهي تمر دون ضجيج لأن هذا الحقل، حقل السرقات الأدبية بات ملتبسًا ومشبوهًا، بسارقيه ومسروقيه وشهوده وقضاته! لا بل إن كثيرًا ممن يدعون سرقة نتاجهم أو يسرقون نتاج غيرهم ليسوا سوى متطفلين على الإبداع، وغايتهم لفت الأنظار، أو تحقيق ربح ما، أو نيل شهادة ليس غير! حتى قوانين الملكية الفكرية لم تُفعّل في بلادنا حتى الآن لإحقاق الحقّ! فمن يملك شرعية توجيه الاتهام أو الحكم بالبراءة؟

قرصنة
سوف يُنظر إليكَ على أنك تُلقي مزحة، لو تحدثت عن (حقوق الملكية الفكرية في العالم العربي) – يقول الشاعر والروائي المصري إبراهيم المصري: «تلك الحقوق المتصلة بإنتاجٍ أصيلٍ ينتجه إنسانٌ ما أو يخترعه، وإذا كانت هذه الحقوق واضحة الحدود إلى حد كبير في شأن المنتجات الصناعية على سبيل المثال، فإنها تكاد تنعدم في المنتجات الإبداعية، إذ عدا السرقة المباشرة التي يتم فيها سرقة كتاب بالكامل أو بعض فصوله، فإن الغموض هو السائد في عدد لا يُحصى من السرقات، لا تتطلب أكثر من تمويه أو إعادة صياغة، ليصبح ثمة مُنتج جديد لم يتعب صاحبه في إنتاجه. لكن حتى لو أمسكنا أحدًا بالجُرم المشهود، فمن سيحاكمه أو يحاسبه؟ حتى لو حُوسب قضائيًّا، فإنَّه يظل طليقًا بعد أن يدفع غرامة على سبيل التعويض، وثمة حكاية تم تداولها مدة طويلة عن (شاعر مصري مشهور تلفزيونيًّا) سرق كما قيل نصوصًا من شاعر آخر في صعيد مصر، وهذه النصوص مصنفة ضمن (فن الواو) أحد فنون القول الشعبي في الصعيد، وبعد الحكم على الشاعر الذي قيل إنه سرق وتغريمه خمسة آلاف جنيه، حكمت محكمة النقض بعد ثلاث سنوات من الجدل حول هذه القضية ببراءة الشاعر، إذ يُعدُّ من (الشطارة) في بلد كمصر أن تدوس القانون وتعبر عليه إلى مصلحتك الشخصية. وإذا خرجنا من السرقات الأدبية والفكرية إلى عالم النشر العربي، فماذا يمكن أن نقول عن الطباعة اللاقانونية للكتب، إلى حد أن روائيًّا مصريًّا مشهورًا يشكو من أنه يجد نسخ روايته المزيفة طباعيًّا أي (المقرصنة بالفعل) مطروحة للبيع على بسطات باعة الصحف في القاهرة!».

محمد‭ ‬مظلوم‭: ‬تعرضت‭ ‬لأنواع‭ ‬من‭ ‬السرقة
يرى الكاتب والشاعر العراقي محمد مظلوم أن عبارة (سرقة أدبية) تنطوي على «تناقض داخلي في هذا التضاد الظاهر بين الصفة والموصوف، فالسرقة تتناقض مع الأدب بوصفه إبداعًا، لذا لا يمكن للسرقة أن تكون أدبًا، مع أنها ترقى أحيانًا إلى أن تغدو ضربًا من الإبداع المحتال! النقاد العرب القدامى انتبهوا لهذا الجانب فكانوا متشدِّدين فيه، فصنَّفوا حتى السرقات في المعاني نوعًا من الإغارة والغزو بما تحمله من معاني السلب والنهب، وحتى القتل والأسر! وبخاصة عندما يكون المعنى المغار عليه شخصيًّا ومبتكرًا، وليس معنى عامًا مبذولًا. في تجربتي الكتابية واجهت هذا النوع من الاستحواذ غير الشرعي على عبارات وأفكار معينة بدرجات متفاوتة في نصوصي وكتاباتي الأخرى، لكنني لم أحفل للأمر كثيرًا، حتى إنني أوجدت لبعضها مبررًا من دون التدقيق في سوء النوايا المحتمل، فأحلتها إلى الإعجاب والتأثر وحتى التخاطر!».

في لحظتنا الراهنة انتعشت قضية السرقات الأدبية مع انتشار وسائل التواصل الحديثة لتبلغ مبلغًا خطيرًا، وسط هذا الكم المخيف من النصوص المتناسخة، ولا أقول المتشابهة حتى «تشابه البقر علينا» في ظلام هائل معبر عن ظلامية ثقافية راهنة. وهي ظاهرة استشرت ولم تجد من يرصدها أو يدينها، حتى أصبحت جزءًا من أخلاق العصر _ يضيف الشاعر العراقي متابعًا: «مع شيوع تقنيات (النسخ واللصق) في وسائل الكتابة الحديثة أصبح الأمر أقل عناءً من (الإغارة)، ولم يعد السارق بحاجة حتى إلى نسخ ما يسرقه بالقلم والورقة ليخطر له إبدال عبارة أو كلمة أو حتى فاصلة! وهنا لم نعد نتحدّث عن نصوص وأفراد، بل ثمة مؤسسات‌ ومنابر قامت على هذا النوع من الاستيلاء غير الشرعي». بيد أن هذا النوع من السرقات يبقى ضربًا ساذجًا من السرقة، وما لصوصه سوى ضحايا لغوايات النص الآخر، ففي نهاية المطاف لا يمكن الاستحواذ التاريخي على نص الآخر. فالنص كالذكورة والأنوثة لا يمكن أن تُسرق، بل يمكن أن تشوَّه وتمسخ فحسب!

في موازاة هذا النوع ثمة سرقات أخرى يصفها محمد مظلوم «بأنها سرقات محترفين، كأن يقوم أحدهم بسرقة جهدك اعتباريًّا وماديًّا، وتسويقه في عمل يدر عليه مردودًا ماديًّا، هذا النوع من السرقة تعرضت له كذلك، وهو لصوصية صريحة من دون أدنى مواربة نقدية، فهي لا تحتمل الكثير من مقولات التناص والتأثر والتخاطر والقصة المأثورة عن الحافرين!».

*دمشق

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق