ثقافة السرد

مسرواية: (زمن نجوى وهدان) (6)

بقلم: مجدي جعفر

[ 6 ]

فى منتصف الليل تماما، تفتح عليه الباب، وتدخل، لتجده، مرتديا “الشورت” فقط، ومستلقيا على السرير، ويغط فى نوم عميق ، ويتصبب جسده بالعرق. تتأمل جسده العارى، وتبتلع ريقها وتقول فى نفسها:
هي:
ـ ما شاء الله.
“وتمرر يدها على جسده”
“فزعا ينهض”
= من ؟!
هى :
ـ لا تنزعج. أنا نجوى .
” ممسكا بفوطة، ومنشفا عرقه، ويتناول قميصه المعلق على مسمار بالحائط ويرتديه
على عجل “
ـ نمت . كما لم أنم من قبل .
” تنظر إلى الجداء والخراف الراقدة حول السرير. لا تحرك ساكنا “
هى:
ـ هل تصر على أن تكمل ليلتك هنا .
هو:
= نعم . هنا راحتى
” تنظر إلى جسده العارى، تقترب منه تهمس ” :
ـ هناك . فى الفيلا . أعددت لك، غرفة نوم فاخرة .
” همّ أن ينطق، وضعت سبابتها على شفتيه “:
= تك . تك .. لا تتكلم قبل أن تراها. غرفة أسطورية
” تسمر مكانه، ولم يتحرك “
قالت:
ـ لا بأس. فأنا مثلك. كرهت الفراش الوثير، و ..
” منسحبة بدلال وخفة، ومعلقة خلفها الباب “
“تعود بعد قليل تحمل ” صينية” عليها أنواع مختلفة من اللحوم، وخمور،
ومسليات”
هو :
= كل هذا الأكل لى! ماذا تظنينني ؟!
هى:
ـ ولى أيضا.
هو :
= وهل تتنازل سيدتى وتأكل معى .
هى ” ضاحكة “:
ـ مازلت مُصرّاً على أنك البستانى. وليكن أنك البستانى .
” وقائلة بنعومة”:
ـ لماذا لا تكون أنت الليلة السيد ؟!
هو “مثأثئا” :
= أ .. أ .. ن .. ا .. أنا الليلة السيد !
هى ” تدس فى فمه شطيرة لحم “:
” وتمرر يدها على جسده العارى “
” كأنها تخاطب نفسها “
ـ ما أفسح صدره ، وما أجمل جسده.
هو ” مطأطئأ رأسه إلى الأرض “
هى ” مطوقة رقبته بيدها وضاحكة ” :
ـ أتمثل الخجل ؟!
ـ أين اللواتى اعتمدتهن ؟!
و…
هو :
= أنت سيدتى .. وا .. أنا ..
هى :
ـ لا تندمج ” أوى ” فى تمثيل الدور . قلت أنت الليلة السيد وتطبع قبله على شفتيه ، وتمسك بيده .
هيا .. تعال .. انهض
” يقوم معها ” :
= لى أين ؟!
هى :
ـ لا تخف . على بُعد خطوات من هذه الغرفة ستعرف . تطوق خصره بيدها ، وتسير عبر طرقة صغيرة إلى غرفة واسعة تضيء النور .
ـ تفضل .
هو ” مرتجفا . وكاد أن يصرخ ويجرى “
هى ” ممسكة بيده وضاحكة “
ـ تعال .. لا تخف .
هو :
= ما هذا ؟
هى :
ـ كما ترى .
هو :
= مقابر !
هى :
ـ هيا كل مقابر ، وليست مقابر .
هو :
= وهل الحب يمارس هنا .
هى :
ـ نعم .
هو :
= ما هذا المزاج الغريب ؟ .. حب فى المقابر ، أعرف أن الحب يمارس فى غرف وثيرة وجميلة ومغلقة ، فى أحواض زهور أو فى حدائق جميلة كما فى أوربا مثلا
هي :
ـ ويمارس أحيانا في خرابات ، في حمامات ، في .. وفي ..
هو :
= هل تعرفين أنني ..
هي ” مقاطعة ” :
ـ أعرف أنك داهية ، و..
هو :
= فى الحقيقة إننى ..
هى ” مقتربة منه ، ونازعة الروب ، لتبدو فى قميص نومها القصير الشفاف – امرأة ، متوهجة ، مكتملة الأنوثة ، تدلك بيدها شعره وتمرر فمها وأنفاسها على شفتيه وأنفه وفمه ، تفك له أزرار القميص ، وتسحب الشورت ، تعلو دقات قلبه وتهبط ، تقبض بيدها على … ، يبدو فى يدها كقطعة رخوة من عجين ، تنزعج ، وتفرط يدها ، تبتعد عنه ، وتتصلب واقفة ، ناظرة له بدهشة وغضب ، وهو يجرى ، منزويا فى جانب الغرفة ، قابضا على .. بكلتا يديه .. ضاحكة بهستريا .
ـ أنت ..
” هازا رأسه ومطأطأ رأسه “
= نعم .. نعم ..
قائلة بضيق وغضب :
ـ كيف ؟!
هو ” مثأثئا ومتهتها ” :
هى ” مرتدية الروب ” وبحسم :
ـ ارتد ملابسك ؟!
هو : ” مرتديا ملابسه “:
= أسف يا سيدتى .. كان بودى أن ..
هى :
ـ هئ هئ .. هئ هئ .. لا بأس . لا بأس . وباكية .. تختلط الدموع بالابتسامات والضحك بالبكاء .. وتحدث نفسها :
معقول هذا الجسد الجميل ، القوى ، غير قادر على .. ، .. ” ناظرة له “
ـ ثم ما هذا ” الفشر ” ؟!
وضاحكة ” وتقلده فى صوته وحركاته ” :
ـ آلاف النساء التقيت بهن ، سمراوات ، وشقراوات ، بدينات ، ونحيفات ، مصريات ، وأوروبيات ، خليجيات ، وأفريقيات ، و.. ، .. تحتضن الهواء .
انظري ! .. هذا القميص !
” وتشد نفسا عميقا “
مازالت رائحتها فيه ، أنوثتها تخللت نسيجه وصارت من مكوناته .
آه – كانت ليلة .. هئ هئ .. هئ هئ ..
” تجلس على حصيرة متآكلة بجوار فوهة المقبرة ، ممسكة بزجاجة الخمر ، وتدفع الخمر من فوهة الزجاجة إلى جوفها مباشرة ، تتطوح قليلا وهى جالسة ، تنادى عليه .
ـ تعال . تعال يا مسكين ، تعال .. تعال يا ” أبو لمعة ” اجلس بجوارى ، واحك لى ، واسمع منى .
ـ اشرب ؟!
” تقرب الزجاجة من فمه “
ـ احك .. احك يا أبو لمعة ، بدون كذب ، مكسوف ، معلش ، أحكي أنا .
ـ كنا نعيش فى المقابر ، بعيدا عن القرية – أظنك تعرف .. أليس كذلك ؟! . المهم لما نمت أثدائي ، ونعم صوتى ، وكبرت أردافى ، التفت لى بعض شباب القرية ، كانوا يطاردوننى بالكلام المعسول ، كنت أفرح به ويطير النوم من عينى ، وطوال الليل ، أسترجع كلماتهم ، الهامسة أحيانا والصريحة أحيانا أخرى ، فى جسدى ، وعيني ، وشفتى ، وصدرى .. كانوا يحومون حول المقابر بالنهار ، ويمطروننى بعبارات الغزل وجمل الهيام .
كان لكل بنت فى المدرسة حبيب ، يداعب أنوثتها ، وأحلامها ، كنت أحلم بفارس ، يأتى ، على جواد أبيض ، يأخذنى خلفه ، ويطير بي ، فوق السحاب ، يسكنى على سطح القمر ، أو فى أى كوكب آخر ، ينتشلنى من الفقر ، والمقابر ، والأموات ، وشباب القرية التى تحولت كلماتهم إلى رصاصات ، فتجرأت أياديهم على صدرى ، وعلى خصرى فى الطريق ، يتحلقون حولى ، وأشعر بعشرات الأيادي تمتد لتستبيح جسدى ، أصرخ ، والطريق إلى المقابر ، غالبا ما يكون خال من المارة .
أحفن بيدى التراب ، وألقيه فى أعينهم ، وأقبض على الطوب والأحجار ، وأحدفهم وأنا أجرى ، وأصرخ ، ويتناهى إلى مسامعى سبابهم ، ومعايرتهم لى بأبى وأمي .
كنت أدعو عليهم بالموت ، ليأتوا لنا فى المقابر ، فأنتقم منهم ، كنت أشكو لآبائهم أو أمهاتهم أو أعمامهم أو أخوالهم – الذين ماتوا !!.. كنت أتمنى أن يأتوا ويدفنوا ، فأنبش عنهم المقابر ، فأفقأ عيونهم النهمة ، وأقطع ألسنتهم التى ترجمنى ، وأبتر أرجلهم التى تركلنى ، وأياديهم التى تمتد إلى صدرى وخصرى ، ولا أنسى أبداً ذلك الولد العفى ، الذى باغتنى وأنا عائدة ، وخرج من غيطان الأذرة ، وكتم فمى بيده ، ولوى ذراعى ، وحملنى ودخل بي متدثرا بعيد أن الأذرة الفارغة ، وطرحنى أرضا ، وبرك فوقى ، أحسست به كجبل ، مزق قميصى ، وجذب سروالى ، و ” سلت ” بنطاله ، وبكل ما أوتيت من قوة رحت أقاومه ، لم أستطع أن ” أتعتعه ” . كان مثل الثور الهائج ، لا يحس بنبش أظفارى ولا بأسنانى المغروسة فى لحمه .
ولما قضى حاجته . إذ بقوته تخور ، وبجسده يخمد ، وبكل ما أوتيت من عزم و قوة دفعته بساقى ، فوقع على الأرض على ظهره ، ونهضت صارخة ، ألملم ملابسى ، وأمسح عرقى ، وأبصق فى وجهه ،وعدوت منهارة ، وهو لم يزل نائما ، مهدودا ، مثل العجل ، يرمقنى بابتسامة بلهاء !
” وتدفع بزجاجة الخمر إلى فمها ، وتضحك … “
ـ وظلت صورته لا تفارقنى ، يأتينى كثيرا فى النوم ، ولكنى لا أقاومه أبدا ، كان يشبعنى فى الحلم لما توقف بهاء عن إشباعى ، انشغل بالمال والتجارة ، ويئس منى ، ومن نفسه ، كان يحلم بولد يرثه ، وكنت أحلم بعشرة أولاد ، بل عشرين ، ذكورا وإناثا ، طفنا على كل الأطباء . حتى السحرة قالوا لا فائدة مني ولا منه.
كل هذه الثروة من يرثها ؟!
ـ الرجل الكفيف والمرأة العجفاء ! أظنهما ماتا ! لم أرهما منذ أن غادرت القرية ، حتى لو كانا حيين ، فماذا يفعلان بها ؟! .. اتفقنا . بهاء وأنا على أن نعطى ظهرينا للماضى ، ونسد كل الطرق إليه ، وخلعنا إسمينا ، وجذورنا الهشة ، وبدأنا المسيرة ، كنا نعرف أن الزمن الآتي زمننا ، وأن الدنيا ستفتح لنا ذراعيها ، وفتحت لنا ذراعيها ، وأغدقت علينا ، ولكنها حرمتنا أيضا ، كنت أتعذب وأنا أراني أرضا يبابا .
” تغمض عينها ، وتضع يدها على بطنها ..، وتتناول كأسا ” :
ـ كنت أتوق لأن أرى بطنى ، تتكور ، وتتمدد ، وتنفرط أمامى ، وأحس مثل كل النساء الحوامل ، بأصابعه الرقيقة الناعمة ، تنقر على بطنى ، وبقدميه الدقيقتين ترفسانى .
أتأمل بطنى ، وأنا أبدل ملابسى ، أنقر عليها بأصابعى ، أحس بخواء وخراب ، فالأرض جدب ، والمطر شحيح ، فأبكى ، وأبكى .. وأظل أبكى .. وأبكى ، حتى يزورنى النوم ، وفى نومى ، أرى القابلة لا الطبيب ، قد سحبته من رحمى ، طفلا جميلا ، أول ما وقعت عليه عيناى ، اختلج قلبى ، وغمرتنى فرحة ، أتناوله من القايلة ، أضعه فى حجرى ، يستكين ، أغمره بالقبلات ، أستيقظ ، وأوقظ بهاء ، وأنا أشعر وكأن ، أجنحة طير أبيض تهفهف ، وتخفق فى بطنى ، وبأصوات وكأنها هديل حمام أو زقزقة عصافير أو تغريد كروانات ، أو شدو بلابل أبصرته .. أبصرته فى نومى وأنا فرحانة ، فإذا هو على غير عادة الأطفال الساقطين لتوهم من رحم أمهاتهم ، مبتسم ، ابتسامة تملأ وجهه الصبوح .
أقول لبهاء . الذى لا يصدق بأنى أحس به يمد عنقه ، ويفرط يديه الصغيرتين ، بأنه يتحسس بطنى ، وينقر عليها بأنامله ، نقرات خفيفة ، كأنها قطرات ندى تسقط على ورق الشجر ، أطلب من بهاء الذى لا يصدقنى ، أن يتحسس بطنى وأن يضع أذنه عليها ليصغى إلى خفقات ابنه ، مغتاظا يغادر الفراش وأنا أصرخ فيه :
ـ ابق بجوار ابنك ، ولا تفارقه .
” ويخرج صافقا الباب خلفه “
وتزداد خفقات الأجنحة فى بطنى ، وأبقى وحدى – أصيخ السمع ، ولا أدرى ، إن كنت أسمع هسيساً أو همساً أو أصوات طير لا أتبينها ، ولا أدرى إن كنت فرحة أم حزينة ، كل ما أدريه – أنى فى عالم غير العالم ، وأبصر نفسى ، وأرانى ، أنا الممتلئة قليلا ، أخف ، وأشف ، وأصير مثل العصفور ، وبطنى الممدود أمامى يرق ويرق ، وتصير جلدة بطنى مثل الزجاج الشفيف ، وأرى هذه المرة بنتا لا ولدا ، وجهها بلون البدر ، وشعرها قطع من الليل ، أتناولها برفق ، أضمها لصدرى ، أهدهدها ، ألاعبها ، أحممها ، أعطرها ، أضع الكحل فى عينيها ، أزجج حاجبيها ، وأراها تكبر ، وتكبر ، وتجرى مع البنات هنا وهاهنا ، وشعرها السارح خلفها يتطوح ويتموج .
قال الساحر : لا حل لحالتكما إلا فى المقابر .
كان آخر شعاع أمل ، تردد بهاء
قلت :
ـ سنتسلل فى الليل ولن يرانا أحد .
وذكرته بأول لقاء .
وتسللنا إلى المقابر ، وبريق أمل يومض فى نفسى ،
أحسست به بارداُ .
منذ زمن وأنا أحس به بارداُ.
وأشعل سيجارته ، وأنا مستلقية على ظهرى ، وأقسم ألا يعود للمقابر مرة أخرى
أمام دموعى وحالتى النفسية التى تسوء يوما بعد يوم ، حول هذا المكان إلى المقابر عكف على صناعتها بنفسه ، وكنت أساعده ، ويحدونى الأمل ، وها أنت ترى المقابر – بكل تفاصيلها ، حتى أفراس النبى ، والسحالى ، كل الجزئيات ، والمنمنمات الصغيرة لم تغب عنا ، أنظر إلى تلك السحلية وهى تسعى ، أصغ إلى هذا الدبور وهو يزن ! وتلك الأشجار ، أنظر إلى ظلالها !! ومساحات الظلال .
وبدأنا نمارس الحب هنا ، فقد كان السرير الوثير باردا ، والحجرة باردة
نهرب إلى هنا ..
ننام على هذه الحصيرة المتآكلة ، ونشرب من هذه ” القلة ” وتلك الأسطوانات جئنا بها ،
” تدير أسطوانة “
” صفير الرياح ، وحفيف أوراق الشجر ، وصوت البرق ، وصوت الرعد والمطر “
” وتتناول كأسا .. “
ـ وأصبحت أقضى جلّ وقتى هنا ، يختلط فى ذهنى الماضى بالحاضر والمستقبل .
كنت أظن أنى دفنت الماضى ، فكنا بهاء وأنا نبعده عنا حتى لا يعيق خطا تقدمنا .
حاولنا أن نصنع ماضيا على هوانا .
هو ابن الحلاق أصبح ابناً لطبيب صيدلى . وأنا بنت التربى أصبحت ابنة لواحد من كبار رجال الأزهر !
وعندما تملك المال – لا أحد يسأل أو يهتم ، فقولك صدق ، فالأغنياء ملائكة لا يكذبون ، ولا .. ، ولا ..
” وتضحك ” :
ـ هئ هئ .. هئ هئ ..
وامتلكنا المال ! .. لا تقل كيف ؟!
كان لا بد أن نملكه ، ونقبض عليه ، وقبضنا عليه فى بضع سنين .. لم أكن جميلة ، ولكنى عرفت كيف أكون جميلة ، مسئولون ، وموظفون كبار ، من درجة مديرين عموميين ووكلاء وزراء ، فصاعدا ، نتسلل إليهم ، بهاء وأنا ، ونعرف نقاط ضعفهم ، وحاجتهم إلى .. ، وإلى .. ، إلى …
” وتتجرع من الزجاجة “
ـ هذه شذرات من معاناتى ، ولمحات خاطفة من حياتى ، احك ، احك أنت ، أوقفنى على حكايتك …
” وتصب له كأسا .. “
ـ اشرب .. ولا تخف ، فسرك فى بئر
” يتناول الكأس ، يدفعه مرة واحدة فى جوفه “، يقول :
= لا يمكن أن أنسى ، منظر الشيخ ، شيخ القبيلة ، وقد احتقن وجهه بالدم والغضب
” ويطوح بعصاته الأبنوس فى الهواء ” ويقول :
= من يدرى .. قد يتجرأ فلاح ـ فى قادم الأيام على إغواء فتاة من فتياتنا
وأشار إلي ..
احتضننى الخوف ،
تحلقوا حولى ، وتكاثروا علي ،
جرونى إليه
أحكم قبضته القوية حول معصمى ، لم أبدِ مقاومة .
سحبنى إلى إسطبل الغنم والجداء ..
دفعنى إلى الإسطبل واغلق خلفه الباب ، مكثت يوما أو بعض يوم
حتى كان مساء اليوم التالى
جاء الرجل الأسود ، عبداً حبشياً ، أعرفه ، يأتي مرة كل عام ، يجز صوف الغنمات وشعر الحمير ، كان صديقا لأبي ، وكان أبى يساعده ، ويسامره وهو يعد له الشاي والغذاء ، والنارجيلة ، وينقده أجره قبل أن يجف عرقه ، نيابة عن الشيخ ..
يعرفنى ، بالتأكيد يعرفنى ، آنست به ، حاولت أن أساعده كما كان يفعل أبى ، ولكنه نهرنى ، كنت أريد أن أبوح له وأحكى له ما جرى لأبي ، وكنت أتمنى أن يسألني عن أبى ؟! ، لكنه لم يفعل ، كان هذه المرة ، متجهما ، عابس الوجه .
فيما مضى ، كان يداعبني ، وكان حينما يدس أبى فى جيبه الأجرة يبتسم ، ويمنحنى قرشا ، لماذا يتحاشى النظر الي ؟! لا أريد قرشا يا عم ، ولكن أريد أن تبتسم فى وجهى ، وتأخذني فى حضنك ، وتهدهدنى ..
وفور أن فرغ من جز الصوف وقص الشعر والوبر ، جاء من يساعده فى فصل الجداء والخراف عن المعزات والغنمات ، وسحبها إلى ” الجرن ” ، ولا أدرى لماذا سحبوني معها ؟!
وبدأت المراسم السنوية ، فى هذا الوقت من كل عام ، يتحلق حوله جمهرة من الناس ، يتابعون عملية الخِصاء ، جدى وراء جدى ، وخروف بعد خروف ، تمزق أصواتها السكون وتشرخ القلب .
قال الشيخ وهو يدفع بعصاته فى صدرى : ـ خذ هذا التيس !
قبل أن يجردونى من ملابسي ، كان البلل قد غطاها ، قيدوا قدمي ويدى ، خرس لسانى ، وجحظت عيناى ، و .. ، ..
[ يضع يداه بين فخذيه ، وتحس به ، ينكمش ، ويتكور على نفسه ، ويصرخ ، تصب له كأسا ، يتجرعه دفعة واحدة ]
ـ تارة أراني جديا ، وتارة أراني خروفا ، أحيانا أمأمأ ، وأحيانا أسير على أربع ، أجرش الفول بين أسناني ، وأخطف العلف ، والبرسيم من أمام البهائم ، انكسرت عيناى ، وتدلت أذناي ، إذا ما رأيت امرأة جميلة ، سال لعابي ، وإذا ما اغلق علينا الباب ، أرغو ، وأزبد ، وأصير مثل الجدى أو الخروف المخصى ..
إذا وطئ الجدى المخصي معزة أو الخروف المخصى غنمة ، جزعت ، ووجلت ، وطرحته أرضا ، وتروح تتفحص مكان أ .. ) بعينها ، وتتشممه بأنفها ، ترفسه برجليها الأماميتين ، وتفر ، وإذا ما نهض وعدا خلفها محاولا ، ترفسه بخلفيتيها .. وكان هذا حالى ، ولكن الجداء والخراف كانت أحسن حالا منى ، فأنقذتها السكاكين ..
[ ويبكي .. تهدهده ، تصب له كأسا .. يتجرعه ، وينظر إليها ]
= ما كنت أريد أن أتورط معك ، حتى لا تفرى منى ، مثل اللائى فررن ، لماذا أصررت ؟ ولماذا انسقت وراءك ؟
فى كل مرة ، مع كل امرأة ، كان يحدونى الأمل !
أمل كاذب .
هل كانت المعجزة ستتحقق معك ؟!
[ ويضحك .. ]
= ولى زمن المعجزات ، وزمن الأنبياء ، وصرنا فى زمن ..
هى ” مقاطعة ” :
ـ رغم كل شئ ما زال الزمن زماننا
هو ” ضاحكا ” :
= زمن بنت الترابي !
هى ” ضاحكة ” :
ـ وابن الكلاف !
[ تصب له كأسا ، ولها كأسا ..]
ـ فى صحتك
[ يطرق كأسه بكأسها ]
= فى صحتك
[ عيناه فى عينيها .. وكفه فى كفيها … ]
هى :
ـ ما رأيك ؟!
هو :
= فى ماذا ؟
هى :
ـ أنت تملك القلم
هو :
= وأنت تملكين الفلوس 0

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق