قراءات ودراسات

((أشبال فى مدرسة النبوة))

محمد عبد الظاهر المطارقى

(1)

زيد بن ثابت رضى الله عنه

كان شبلا صغيرا لم يبلغ الحادية عشرة من عمره حين أعلن شهادة الحق، وما فتأ أن غمرته الأنوار المحمدية، بعد أن التحق بتلك المدرسة النبوية الشريفة، والتى تخرج فيها أعظم من أنجبتهم الأرض بعد الأنبياء والمرسلين.
هو:
” سيدنا: زيد رضى الله عنه.
واسمه: زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبيد بن عوف بن مالك بن النجار.
وزيد رضى الله عنه من الأنصار، من أهل المدينة المنورة. مات أبوه وهو فى السادسة من عمره، فصار يتيما ، ولكن كان يتمتع بقوة وإرادة وعزم لايتمتع بها غيره، فلم يعانى كثيرا من موت والده ويتمه. فكان رضى الله عنه شديد الذكاء ويعرف عنه الجميع ذلك، تعلم القراءة والكتابة فى سن صغير جدا، وكان بارعا يكتب ويحفظ كل ما يقال له، وبهذا اشتهر رضى الله عنه عند جميع الناس(1)
* * *
فى غزوة بدر:
لم يتناهز عمره الثالثة عشر بعد ، حين حمل السيف وذهب إلى القائد الأعظم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه وكله شوق أن يتقبله رسول الله ضمن المجاهدين،
لكن الرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم ـ ابتسم فى وجهه ومسح على رأسه فى

حنان بالغ ، ثم رده مع من رد من أشبال الصحابة بعد أن طيب خاطرهم بكلمات طيبة.
عاد ” زيد ” رضى الله عنه إلى أمه ” النوار بنت مالك ” وعيناه تذرفان بالدمع لأنه لم يشارك فى أول لقاء مسلح يحدث بين أهل الشرك وأهل الإيمان.
وقد تأثرت ” النوار ” رضى الله عنها لتأثر ولدها، وتمنت لوحمل ولدها السيف وخاض غمار المعارك ليبلغ تلك المكانة العظيمة التى طالما أخبرهم بها النبى الكريم صلى الله عليه وسلم.
ولقد أضمر الشبل الصغير ألا يترك الفرصة فى المرة القادمة، ولسوف يعمل جاهدا على إقناع رسول الله صلى الله عليه وسلم لكى يضمه إلى صفوف المجاهدين. فهو ـ الصغير ـ يعلم فضل الجهاد فى سبيل.
فلما أن بلغ الرابعة عشر من عمره حتى حدثت غزوة أحد، فحمل السيف وراح يتطاول بجسده لأعلى ، ويشرأب بعنقه ليبدو كما لوكان رجلا، ريثما يجيزه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
هنالك ابتسم النبى صلوات الله وسلامه عليه وقال له كلمات كلها شفقة ورحمة، ثم رده مرة أخرى مع من رد من أشبال الصحابة رضى الله عنهم.
بيد أن الشبل الصغير ” زيد بن أرقم ” أصر على الجهاد وقد امتلأت عيناه بالدمع، محاولا إقناع النبى صلى الله عليه وسلم، فلما وجد النبى صلى الله عليه وسلم إصراره العجيب على الجهاد، وشدة تمسكه به، وضع يده الشريفة على رأسه ودعا له بخير، ثم وجهه إلى مؤخرة الصفوف ليقوم بدوره الذى يناسبه بعيدا عن مواضع الشدة.
ولقد تعلم فى هذه الغزوة دروسا كثيرة، حين رأى بعينيه النصر المبين يحدث على أيدى المسلمين، حين التزموا بأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما تقاعسوا، وهبط الرماة من أعالى الجبل ليأخذوا الغنائم ظنا منهم أن المعركة قد انتهت وصار بوسعهم أن ينزلوا برغم تحذير النبى لهم بعدم مغادرة أماكنهم ليحموا ظهر الجيش، فحدث مالا يحمد عقباه، ودارت الدائرة على المسلمين، ليتحول النصر بسرعة عجيبة إلى هزيمة نكراء، وقتل من المسلمين أعداد كثيرة من خيرة الصحابة، بل وكاد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل لولا حفظ الله له، بيد أنه أصيب إصابات بالغة فى وجهه.
كان مشهدا عجيبا ومروعا يدمى القوب المؤمنة. رآه الشبل الصغير زيد وتأمله جيدا ليكون درسا له فى حياته يضاف إلى دروس أخرى كثيرة أثقلته وجعلته رغم صغره من الصحابة الأجلاء المشهود لهم بالعلم والذكاء الباهر.
غزوة أحد:
ومما كلفه به النبى صلى الله عليه وسلم يوم أحد أنه صلى الله عليه وسلم لما جعل يتفقد المسلمين فى نهاية المعركة ليعرف من استشهد منهم، أرسله صلى الله عليه وسلم ليبحث عن ” سعد بن الربيع ” وقال له:
” إن رايته فأقرئه منى السلام، وقل له: يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم :كيف تجدك”؟
يقول الصحابى الجليل ” زيد بن ثابت رضى الله عنه “:
فجعلت أطوف بين القتلى، فأصبته وهو فى آخر رمق، وبه سبعون ضربة، مابين طعنة برمح ، وضربة بسيف ورمية بسهم، فقلت له:
ـ يا سعد، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ عليك السلام، ويقول لك: أخبرنى كيف تجدك؟
قال: على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليك السلام،
قل له: يا رسول الله أجدنى أجد ريح الجنة، وقل لقومى الأنصار: لا عذر لكم عند الله إن يخلص إلى رسول الله وفيكم شفر يطرف (الشفر: طرف العين الذى ينبت عليه الشعر) ، وفاضت نفسه رحمه الله.


* * *
(1) وفى غزوة الخندق..
شارك زيد رضى الله عنه وقام بكل واجبات الجندى المجاهد، فكان ـ رضى الله عنه ـ ينقل التراب، فقال النبى صلى الله عليه وسلم فى حقه: أما إنه نعم الغلام”.
ولقد غلبه النوم من شدة الإنهاك والنصب، فلم يشعر بصاحبه ” عمارة بن حزم” وهو يأخذ سلاحه يريد ممازحته لما بينهما من ود وتآخى، وفى أثناء ذلك مر النبى صلى الله عليه وسلم على زيد وهو نائم فابتسم قائلا:
” قم يا أبا رقاد “..
فلما استيقظ ” زيد ” تفاجأ أن سلاحه غير موجود، فأصابه الخوف والفزع واحتار، فجاءه صاحبه “عمارة بن حزم ” فرد إليه السلاح وهو يضحك.
هنالك نهى النبى صلى الله عليه وسلم أن يروع المؤمن أخاه، أو أن يؤخذ متاعه ولو على سبيل الضحك والمزاح.
فكان درسا رائعا لنا جميعا.
وفى تبوك..
لزم زيد رضى الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سلمه وايام حربه، وكانت معه راية بنى النجار يوم تبوك، وكانت أولا مع صديقه ” عمارة بن حزم ” فأخذها النبى صلى الله عليه وسلم منه، ودفعها إلى ” زيد بن ثابت ” . فقال عمارة:
ـ يا رسول الله، هل بلغك عنى شىء؟
قال: لا، ولكن القرآن مقدم.
يشير صلى الله عليه وسلم إلى استظهار زيد رضى الله عنه للقرآن الكريم.
ولما أيد الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم فى تبوك. تولى زيد تقسيم غنائم المسلمين التى نالوها فى تلك الغزوة .

ترجمان النبى صلى الله عليه وسلم:

كان لايزال شبلا ـ رضى الله عنه ـ لكنه كان يمتلك القدرة على القراءة والكتابة، وهذا ما جعله يتمنى أن لو صار كاتبا للوحى بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما علمت أمه ” النوار بنت مالك ” برغبة ولدها، أعجبتها الفكرة وتمنت من أعماق قلبها أن لو تم تحقيقها.
ولم تكتفى الصحابية الجليلة بالفكرة فقط، بل مضت فى حيز التنفيذ.
حدثت ” النوار ” رجالا من قومهم برغبة ” زيد ” وذكرت لهم فكرته، فمضوا به إلى رسول الله، وقالوا: ” يا نبى الله، هذا ابننا، يحفظ سبع عشرة سورة من كتاب الله، ويتلوها صحيحة !! كما نزلت على قلبك، وهو فوق ذلك حاذق، يجيد الكتابة والقراءة، وهو يريد أن يتقرب بذلك إليك ، وان يلزمك”
* * *
ودعاه النبى صلى الله عليه وسلم وأجلسه بين يديه، ثم راح يختبره، فإذا بالغلام يقرأ آيات الله غضة طرية كما سمعها من فم النبى الطاهر، قراءة صحيحة، لا يشوبها شائبة، وابتسم النبى صلى الله عليه وسلم ودعا له بخير.
.. بعد أيام أرسل إليه النبى صلى الله عليه وسلم، وكلفه بكتابة الوحى، بعد أن تأكد من أمانته، وصدقه، فصار الشبل أحد الذين يلازمون النبى صلى الله عليه وسلمن يسمع القرآن من فم النبى غضا، ثم يكتبه.
وقد أحس النبى صلى الله عليه وسلم بذكاء ” زيد ” ومواهبه، فوضعه فى المكان المناسب له.
قال له النبى صلى الله عليه وسلم:
” تعلم لى كتابة اليهود، فإنى لا آمنهم على ما أقول”
فقال على الفور: لبيك يا رسول ..
وأكب من توه على العبرية حتى حذفها فى وقت يسير وجعل يكتبها لرسول الله إذا أراد أن يكتب لليهود، ويقرؤها له إذا هم كتبوا إليه.
ثم تعلم رضى الله عنه السريانية بأمر منه صلى الله عليه وسلم وهى لغة كانت منتشرة بين الكثير من القبائل.
فصار ـ رضى الله عنه ـ ترجمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وازدادت مكانته حين صار كاتبا للوحي رضى الله عنه وأرضاه.
* * *
يوم السقيفة:

إنها سقيفة بنى ساعدة، والتى اجتمع فيها عدد من كبار الأنصار ليختاروا واحدا منهم ليكون خليفة للمسلمين، فقد كان النبى صلى الله عليه وسلم قد قبض، وجسده الشريف مسجى فى غرفة السيدة عائشة رضى الله عنها لم يدفن بعد. فلما وصل الخبر إلى المهاجرين، أسرع أبوبكر الصديق، وعمر بن الخطاب وعدد من المهاجرين ليقولوا رأيهم.
وقد رغب قوم من الأنصار أن يكون الخليفة منهم، وقال آخرون : يا معشر المهاجرين، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استعمل رجلا منكم قرن معه رجلا منا، فنرى أن يلى هذا الأمر رجلان، أحدهما منكم، والآخر منا، وتتابع عدة خطباء عن الأنصار على ذلك.
عندئذ قام ” زيد بن ثابت الأنصارى” رضى الله عنه ـ فقال :
” إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين، وإن الإمام يكون من المهاجرين، ونحن أنصاره، كما كنا أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم أخذ زيد بن ثابت بيد أبى بكر فقال:
هذا صاحبكم فبايعوه.
واستطاع هذا الأسد المحنك، أن يجمع الأنصار والمهاجرين على كلمة سواء، ووأد فتنة كادت تطل برأسها، ولو أطلت لعصفت بالأخضر واليابس، لكن الله تعالى سلم.
قصة زيد بن ثابت وجمعه للقرآن الكريم:
إننا بالفعل أمام منارة شامخة استطاعت أن تقدم للإسلام أعظم خدمة على الإطلاق ألا وهى ” جمع كتاب الله عز وجل فى كتاب واحد”.
وكان الدافع وراء ذلك أبوبكر وعمر رضى الله عنهما.
وهاهو زيد رضى الله عنه ـ بنفسه ـ يخبرنا بتلك القصة.
يقول ” زيد “:
” .. أرسل إلى أبوبكر الصديق إبان مقتل أهل اليمامة،( أى عقب استشهاد الحفاظ السبعين فى معركة اليمامة. )
فإذا عمر بن الخطاب عنده..
قال أبوبكر رضى الله عنه: إن عمر أتانى فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإنى أخشى إن استحر القتل بالقراء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإنى أرى أن تأمر بجمع القرآن.
قلت لعمر: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل يراجعنى حتى شرح الله صدرى لذلك، ورأيت فى ذلك الذى رأى عمر.
قال زيد، قال أبوبكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتتبع القرآن فاجمعه،
يقول زيد رضى الله عنه: فوالله لو كلفونى نقل جبل من الجبال ما كان أثقل على مما أمرنى به من جمع القرآن.
قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال: هو والله خير، فلم يزل أبوبكر يراجعنى حتى شرح الله صدرى للذى شرح له صدر أبى بكر وعمر رضى الله عنهما. فتتبعت القرآن أجمعه من العسب(ورق النخيل) واللخاف(الحجارة الرقيقة البيضاء).
وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبو خزيمة
الأنصارى، لم أجد مع أحد غيره ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم) حتى خاتمة براءة. فكانت الصحف عند أبى بكر حتى وفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر رضى الله عنه.
* * *
لماذا اختار أبوبكر ( زيد بن ثابت ) تحديدا من بين الصحابة الكرام ليقوم بهذا العمل الجليل؟

ويجيب عن ذلك صاحب كتاب ( التبيان فى علوم القرآن)
يقول:
“والجواب عن ذلك فى أن زيدا رضى الله عنه قد اجتمع فيه من المواهب العظيمة التى تؤهله لجمع القرآن مالم يجتمع فى غيره من الرجال، إذ كان من حفاظ القرآن، ومن كتاب الوحى لرسول الله وشهد ( العرضة الأخيرة ) للقرآن فى ختام حياته صلى الله عليه وسلم.. وكان فوق ذلك معروفا بشدة ورعه، وعظم أمانته، وكمال خلقه، واستقامة دينه، وكان معروفا بالنبوغ والذكاء، وهذا ما اشار إليه كلام أبى بكر فى رواية البخارى حين استدعاه وقال له:
( إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، كنت تكتب الوحى لرسول الله )
فلهذه الخصال والمزايا الحميدة اختاره أبوبكر الصديق لجمع القرآن..

(الحديث رواه البخارى، وأخرجه الترمذى، والنسائى مختصرا، وأبو يعلى والطيالسى)،

ومما يدل على شدة ورع زيد بن ثابت أنه قال: ( فوالله لو كلفنى نقل جبل من الجبال ما كان أثقل على مما أمرنى به).
* * *
فى عهد عمر رضى الله عنه:
كان زيد بن ثابت رضى الله عنه له المكانة السامية فى قلوب الصحابة جميعا لما كان يمتاز به من سعة فى علوم القرآن الكريم، والفقه.
ولقد استعان به الخلفاء الراشدون، وقد علمنا ما قاله الصديق رضى الله عنه فى حق زيد رضى الله عنه.
وكذلك عمر بن الخطاب ” كان يعرف لزيد مكانته، ويقدره حق قدره، حتى إنه إذا سافر
وغادر المدينة المنورة، العاصمة الإسلامية، كان يستخلف عليها زيد بن ثابت رضى الله عنه.
فاستخلفه حين حج مرة، واستخلفه حين حج ثانية، مرة أخرى، واستخلفه لما خرج إلى الشام. وكان كلما رجع إلا أقطعه حديقة من نخل.
وكان عمر رضى الله عنه يبعث بأعلام الصحابة وأولى الكفاءات العلمية والقيادية والدعوية إلى الأمصار، لكنه كان يحتفظ بزيد بن ثابت، فلا يرسله إلى أى مكان، لأنه كان يرى أن أهل المدينة المنورة يحتاجون إلى زيد، ويجدون عنده ما لايجدون عند غيره”
* * *
وفى عهد عثمان رضى الله عنه:
” لم يكن عثمان بن عفان رضى الله عنه، بأقل تقديرا لزيد بن عمر رضى الله عنهما، فكان يستخلفه على المدينة إذا حج، وكان يحب القراءة، ويقول:
إن قراءتى وقراءته واحدة، ليس بينى وبينه فيها خلاف”
* * *
جمع القرآن فى عهد عثمان رضى الله عنه:

” أما جمع القرآن فى عهد عثمان فقد كان له سبب آخر غير السبب الذى حدث فى عهد أبى بكر، فقد اتسعت الفتوحات الإسلامية فى عهد عثمان، وتفرق المسلمون فى الأقطار والأمصار، واشتهر فى كل بلد من البلاد الإسلامية قراءة الصحابى الذى علمهم القرآنن فأهل الشام كانوا يقرءون بقراءة ( أبى بن كعب ) وأهل الكوفة كانوا يقرءون بقراءة ( عبد الله بن مسعود) وغيرهم كان يقرأ بقراءة ( أبى موسى الأشعرى).
فكان بينهم اختلاف فى حروف الأداء، ووجوه القراءات، حتى كاد الأمر يصل إل النزاع والشقاق بينهم، وكاد بعضهم يكفر بعضا بسبب ( اختلاف القراءة )
روى عن أبى قلابة أنه قال: ( لما كانت خلافة عثمان، جعل المعلم ( مقرىء) يعلم قراءة الرجل، والمعلم يقرأ قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتفون فيختلفون، حتى ارتفع
إلى المعلمين، حتى كفر بعضهم بعضا فبلغ ذلك عثمان فخطب فقال:
“.. أنتم عندى تختلفون، فمن نأى (أى بعد)عنى من الأمصار فهم أشد اختلافا).
لهذه الأسباب والأحداث رأى عثمان بثاقب رأيه، وصادق نظره، أن يتدارك الخرق قبل أن يتسع على الراقع، وأن يستأصل الداء قبل أن يصعب الدواء، فجمع أعلام الصحابة، ورجال الرأى والبصر فيهم، واستشارهم فى علاج تلك الفتنة، وعلاج ذلك الاختلاف، فأجمعوا أمرهم على أن يستنسخ أمير المؤمنين مصاحف عديدة، ويبعث إلى كل بلد أو مصر بمصحف منها، وأن يأمر الناس بإحراق كل ما عداها، حتى لا يبقى ثمة طريق للنزاع والاختلاف فى وجوه القراءة، فشرعـ رضى الله عنه ـ بتنفيذ هذا القرار الحكيم، فعهد إلى أربعة من خيرة الصحابة، وثقات الحفاظ وهم:
( زيد بن ثابـــــــــــــــت )،
( عبد الله بن الزبيــــــر )
( سعيد بن العــــــــــاص)
( عبد الرحمن بن هشـام ).
وقد كانوا جميعا من قريش من المهاجرين إلا ( زيد بن ثابت ) فقد كان من الأنصار، وكان هذا العمل الجليل سنة 24 هجرية.
وقال لهؤلاء إذا اختلفتم فى شىء من وجوه القراءة فاكتبوه بلغة قريش، فإن القرآن نزل بلغتهم، وطلب عثمان من ( حفصة بنت عمر ) أن تعطيه المصحف الذى كان عندها، والذى جمعه أبوبكر لينسخ منه عدة نسخ ثم يعيده إليها ففعلت “
* * *
ويقول الإمام البخارى رحمه الله:
أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازى أهل الشام فى فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا فى الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة على عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها فى المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين : إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فى شىء من القرىن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا
المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن فى كل صحيفة أو مصحف أن يحرق”
​من أقوال زيد بن ثابت رضى الله عنه :
كتب زيد بن ثابت إلى أبى بن كعب ـ رضى الله عنه ـ :
أما بعد: فإن الله قد جعل اللسان ترجمانا للقلب: وجعل القلب وعاء وراعيا ينقاد له اللسان لما هواه له القلب، فإذا كان القلب على طوق اللسان، جاء الكلام وائتلف القول واعتدلن ولم يكن للسان عثرة ولا زلة.
ولا حلم لمن لم يكن قلبه من بين يدى لسانه، فإذا ترك الرجل كلامه بلسانه وخالفه على ذلك قلبه جدع بذلك انفه.
وإذا وزن الرجل كلامه بفعله صدق ذلك مواقع حديثة.
يذكر هل وجدت بخيلا إلا وهو يجود بالقول ويمن بالفعل، وذلك لأن لسانه بين يدى قلبه.
يذكر هل تجد عند أحد شرفا أو مروءة إذا لم يحفظ ما قال ثم يتبعه، ويقول ما قال وهو يعلم انه حق عليه واجب حين يتكلم به.
لا يكون بصيرا بعيوب الناس، فإن الذى يبصر عيوب الناس ويهون عليه عيبه كمن يتكلف مالا يؤمر به ، والسلام.

* * *
وخرج زيد بن ثابت يريد الجمعة، فاستقبله الناس راجعين، فدخل دارا فقيل له، فقال:
إنه من لا يستحى من الناس لا يستحى من الله.

مصادر:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أنظر ( أطفال حول الرسول ) مكتبة الإيمان ـ المنصورة
شباب حول الرسول ( بتصرف )
* انظر( الصحيح المسند من فضائل الصحابة ).
* انظر: التبيان فى علوم القرآن للأستاذ الدكتور: محمد على الصابونى ـ مكتبة الغزالى، دمشق.
* صحيح، انظر الصحيح المسند من فضائل الصحابة.
* مواعظ الصحابة ووصاياهم ، هانى الحاج ـ المكتبة التوفيقية، وكتاب شباب حول الرسول.مكتبة الإيمان
* صفة الصفوة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق