قراءات ودراسات

أسطورة الفرنسية غنيمة حرب.. لا سند لها في الواقع

رشيد فيلالي
أسطورة “الفرنسية غنيمة حرب” تظلّ مكرّسة من طرف بعض مثقفينا، لأسباب مختلفة قد تكون نابعة عن جهل مركّب أو لمجرد الترديد الببغاوي الأجوف. و كان أول من قال بذلك كاتب ياسين في سيّاق زمني يمكن تقبّله اليوم من باب التّجاوز فحسب وليس إقرارًا بصحّة تلك المقولة المُخادعة. وبناء عليه أحبّ في هذه الكلمة أن ألفت الانتباه إلى حقيقة مثيرة للحيرة والتساؤل، وهي أن مثقفينا الفرانكفونيين دأبوا على نقل الصراعات اللغوية في فرنسا وأسقطوها على الحالة الجزائرية على نحو قسري مجحف. بلغ الحدّ ببعضهم درجة الاستلاب المطلق عبر نقل ذلك الصّراع بكل حيثياته وبتفاصيله الدقيقة إلى الساحة الجزائرية، حيث نصطدم بنفس العبارات ونفس الجمل ونفس الكلمات، وأكاد أقول نفس الفواصل وأدوات الترقيم.

شيء يشبه العجب، لكنه حقيقة صادمة يمكن التّدليل على صحتها بسهولة تامة، عبر مقارنة النصوص والخطابات الصّادرة في الّضفة الأخرى، خاصة إذا عدنا إلى قضايا تعامل السّلطات الفرنسية مع اللغات الجهوية(التي كان عددها يتراوح ما بين 600 إلى 700 لغة ولهجة)بداية من القرن التاسع عشر وإلى غاية السّاعة الراهنة.

لقد نقل الفرنسيون صراعاتهم اللغوية (الفرنسة مقابل اللغات الجهوية) إلى مستعمراتهم السّابقة وتحت مسميّات واستعارات عديدة، منها كما قال المربي الكبير، وأضع خطا أحمر تحت كلمة مربي هذه، جول فيري ، الذي زعم بأن السلالات العليا أي الراقية(الغربيون)عليها واجب تحضير السلالات السّفلى(سكان المستعمرات) والفرنسة في نظره تعتبر من وسائل تحضير هذه الشعوب المتخلفة.

والطّريف في الأمر أن الرّجل لم يستثن من ذلك سكان مقاطعة بروتانيا الفرنسية، وكم عانت هذه المُقاطعة من ظلم وعنصرية بلغت ذروتها في منتصف القرن العشرين(أي نعم منتصف القرن العشرين !!)حيث وضعت في الشوارع لافتات بها عبارة مثل “لا تبصق على الأرض ولا تتحدث البروتانية!”.

وفي المدارس كانت هناك حذوة حصان تسمى الرّمز(le symbole)تعلق على رقبة كلّ تلميذ يتكلّم البروتانية، ثم يعاقب بكتابة جملة: «Je ne parlerai plus jamais en breton» خمسين أو مائة مرة.

ولا ينبغي أن يغرب على البال أن سياسة “الفرنسة” فرضت في فرنسا منذ القرن التاسع عشر إلى غاية الستينيات من القرن العشرين، بإصدار أزيد من 40 قانونا، ولا تزال إلى غاية الآن تصدر ترسانة من القوانين المماثلة لدعم هذه السياسة اللغوية التي صارت تسمى اليوم «génocide culturel» أو مذبحة ثقافية، ومن جهتنا يمكننا أن نغير فقط مصطلح “الفرنسة” بكلمة “تعريب” لنفاجأ بالاتهامات نفسها توجه إلى سياسة التعريب في الجزائر من طرف الذين انتقدوا تلك الطريقة المتعسّفة في تطبيق الفرنسة في بلاد موليير، رغم الفارق الهائل بين السياستين ومع تسليمنا مسبقا بحدوث أخطاء كثيرة في تطبيق سياسة التعريب في الجزائر.

لكن في كل الأحوال يستحيل بالمطلق أن تجد من يمنع مثلا متحدثا بالأمازيغية بكل صيغها الجهوية، من الكلام ويعاقب بتلك الطريقة اللاإنسانية المهينة، كما حدث في فرنسا بمقاطعة بروتانية، علما بأن سكان بروتانية هم من ذوي الأصول السلتية، أي أنهم السكان الأصليون لفرنسا!
أعود للكلام عن أسطورة “الفرنسية غنيمة حرب” هذه المقولة في الحقيقة لا سند لها في الواقع، على اعتبار أن المتحدّثين بالفرنسية في الجزائر أغلبهم لا يعرفون اللغة العربية والعكس صحيح أيضا.

وعليه فإن الفرانكوفوني لا يعد سوى رقم إضافي للمتحدثين باللغة الفرنسية ولو كان يجيد اللغة العربية ويترجم منها روائع الثقافة الفرنسية من علوم وآداب وفكر لكان لتلك المقولة مبررها المقنع والعملي، أقصد كما فعل أخواننا اللبنانيين الذين على الأقل أثروا المكتبة العربية على امتداد عشرات السنين بترجمات من الفرنسية فذة وعديدة ندين لهم بها ونحييهم عليها، غير أن المفرنسين عندنا يعانون من إعاقة اللغة الواحدة أو الصوت الواحد.

ولذلك فهم لم يقدموا خدمة “الترجمة المطلوبة” في بلادهم، بل خدموا الثقافة الفرنسية بطريقة غير مباشرة طالما أنهم يتناولون مضامين وتيمات ثقافة محلية لها سماتها وطابعها الخاص، وتمّ ذلك باللغة الفرنسية التي لا يفهمها عامة الشعب، اللهم إلا في مستوياتها البسيطة والعامية.

من هنا علينا في تصوري أن نكف عن تغطية الشمس بالغربال وتسويق الأوهام بالحديث عن أسطورة غنيمة حرب غير موجودة أصلا، ولعل كبار الفرانكفونيين عندنا انتبهوا لهذه المعضلة، فمنهم من تمنّى تعلم اللغة العربية والكتابة بها (مالك حداد) ومنهم من تحوّل للكتابة إلى اللغة العربية (رشيد بوجدرة) وحتى كاتب ياسين نفسه صاحب هذه المقولة الشّهيرة راح يستثمر في اللغة الأمازيغية واللهجة العامية الجزائرية للأسباب الموضوعية المذكورة.. فتأمل.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق