ثقافة المقال

بضاعة الفتوى و”التفيقه الإلكتروني”

محمد زبير*

لعل المتتبع لمواقع التواصل الاجتماعي، يصطدم بشكل يومي الى حد التخمة، بمآت المواقع والصفحات الالكترونية التي موضوعها ” الشأن الديني “، والتي يتابعها آلاف الناس، وهذه ظاهرة اجتماعية جديدة مرتبطة أساسا بما عرفته مجتمعاتنا من زحف تكنولوجي متجل في الانترنيت عموما وفي أجهزة التواصل كالهاتف والحاسوب خصوصا … وهذا الانتشار السريع يتجاوز بشكل كبير الوسائل التقليدية كالقنوات التلفزية والاذاعية والورقية محدودة الانتشار …
ويبدو أن هذا شيء بدهي واضح لا يحتاج الى كثير من التبيان. ويهمنا في هذا المقال استشكال الأسباب والنتائج المترتبة عن هذه الظاهرة خاصة في علاقتها باليومي من حياة الناس، على اعتبار أن الدين يشكل جزأ كبيرا من هذا اليومي سواء في بناء أفهامنا وتصوراتنا أو في علاقاتنا وسلوكاتنا. فهل يتعلق الأمر بصحوة دينية جديدة وتفكير جديد في المجال الديني؟ أم أن للظاهرة أسبابا أخرى خارج الدين نفسه؟ ولماذا هذه الطفرة العددية في الدعاة والمتكلمين باسم الدين؟ هل هي حاجة مجتمعية ملحة أم مجرد ” موضة ” زائلة؟ وهل هؤلاء ” الدعاة ” يملكون شروطا دينية علمية ويتبنون مشروعا دينيا، أم أن الأمر مجرد مآرب شخصية مزاجية ومادية مصطبغة بالدين؟ …
لقد بات واضحا وجليا اكتساح هذه الظاهرة للحياة اليومية للناس في مجتمعنا، نتيجة أدوات التواصل الاجتماعي الالكترونية التي هي لصيقة كل واحد منا وجزأ من واقعه. فبمجرد تسجيل الدخول الى هذه الصفحات، لابد أن تجد نقاشا حول قضية ما أشعلته “فتوى ” أو ” خرجة إعلامية ” لأحد الدعاة أو الشيوخ، حتى تلك القضايا التي لم تكن في أي وقت موضوعا للنقاش، وهذا ما يضفي الجدة على هذه ” الطفرة ” الدينية. فعلى سبيل المثال، شكل النقاش حول قضية المشروعية الدينية للاحتفال بالسنة الأمازيغية موضوعا لجدال حاد بين بعض ” الدعاة ” مما أكسبهم شهرة بعدما لم يكن لهم من قبل سميا في ساحة ” البوز ” …
لقد تناسلت الصفحات الدينية الالكترونية وتفشت بشكل هائل، حيث بات لكل واحد منهم قناته الخاصة التي يدعوا الناس الى متابعتها، سواء بشكل مباشر وعلني، أو بشكل خفي كإثاره قضايا محفزة على المشاهدة من “المسكوت عنه ” في حياة الناس وفي قضاياهم التي لم يعتادوا على اثارتها أصلا. وتبعا لذلك يظهر لنا السبب الأول لانتشار هذه الظاهرة ألا وهو: الربح المادي السريع والشهرة. مما يجعل هذه القنوات تخدم في المقام الأول رغبة صاحبها في الاغتناء وكسب المال، أكثر مما يهمه توضيح الأمور للناس. هكذا تصبح الخرجات الإعلامية الغريبة لهؤلاء الدعاة تشهيرا لهم ولقنواتهم وكسبا لمزيد من المشاهدات التي تعني في النهاية كسبا لمزيد من المال، حيث كلما أثار قضية غريبة أو أفتى بفتوى عجيبة مستفزة كلما تناقلت الصفحات خبره فتجده يحتل العناوين وصوره تملأ الهواتف والشاشات، وكل هذا يعني له المزيد من ” الدولارات ” والمزيد من الاشهارات التي قد تكون حتى جنسية في صفحته، وكل هذا يتغاضى عنه مادام مربحا.
لقد تحولت محلات الرقية الشرعية وشؤون ” الجن والشياطين ” والشعوذة والدجل التي كانت تملأ الشوارع الى قنوات الكترونية، وأصبحت هذه الخدمات تنجز عن بعد، واحتدمت المنافسة، وتوسل كل واحد بتقنيات وبخبراء في الاعلاميات وبمصورين لتشهير قناته، واهتموا بمظاهرهم وجلابيبهم أيما اهتمام، وتفننوا في جلسات التصوير … فمادامت الغاية هي: الربح، فكل وسيلة موصلة اليه مبررة وجائزة.
ولما كان المجال مربحا، يطل علينا كل يوم “شيخ جديد”، في حلة شبابية بهية تتجاوز ما اعتاده الناس في الشيوخ التقليديين من كبر في السن وبياض في اللحية، فيصارع لضمان مقعده في الصفوف الأولى، ولا وسيلة له الا ” الغريب ” أو ” خالف تعرف “، فتراه يحرم أكلة شعبية ” العصيدة “، عله يظفر بمكانة ولو في صفحات الاستهزاء والضحك، فيتقاسم الناس ” فتواه المهزلة ” ويتحقق أخيرا مراده في الشهرة ويحتل الصفحات في اليوم نفسه …
هكذا أصبحت ” القناة الدينية الالكترونية ” هي نفسها ” قناة للروتين اليومي الالكترونية” أو أية قناة أخرى حتى وان كانت ” لا أخلاقية ” ، فكلها لها هدف واحد : المال . ورغم ما يظهر من اختلاف في المحتوى والمضمون ، الا أن الحقيقة غير ذلك ، فالمضمون واحد ، وهو : اللعب على أوثار الجهل والمكبوت ، فاللاشعور الجمعي الذي يحكم الافراد في مجتمعنا ، خزان كبير لرغبات غير متحققة في الواقع ، وهي في الغالب متناقضة نابعة من التربية . وتشمل التوق الى النقاء الروحي والطهرانية ، وهي التي يلعب عليها ” الدعاة ” ، والتوق الى الاشباع الجنسي وهو الذي تلعب عليه فتيات ” الروتين اليومي ” ، والجهل يوحد هذين الأمرين المنشودين لدي الفرد ، فيكون ضحية ومستهلكا ورقما مربحا لهذه القنوات .
ان هذه الظاهرة اذن، هي كذلك نتيجة مباشرة للتغيرات التي طالت المجتمع والتي تستند أساسا على الثورة التكنولوجية والمعلوماتية ، والتي سمحت لبعض من الناس الأذكياء ” ذكاء ماكرا ” بتوظيفها من أجل الربح السريع الذي لا يبدو مشروعا ، مادام يركب على الخديعة والمتاجرة بعواطف الناس ومكبوتهم . فلا فرق اذن من حيث الغاية والهدف ولا من حيث المضمون بين قناة “داعية ” وقناة أي صنف آخر ، فرغم اختلاف الألوان يبقى البناء واحدا .
ان منطلق حديثنا هذا ليس تقعيديا ولا أصوليا ، حيث سيقول البعض بأن هذا تعميم وخلط للمفاهيم ، لكن ذلك غير صحيح لكوننا نسمي الأشياء كما هي في الواقع المعاش وليس كما يجب أن تكون عليه . لذلك ليس هدفنا الخوض في مفهوم ” الداعية ” أو “الشيخ” ، وما يجب أن يتوفر فيهما من شروط الدعوة والمشيخة والتزكية وغير ذلك مما هو معروف. بل هدفنا تحليل أسس هذه الظاهرة ودواعيها ، فمادام شخص ما يسمي نفسه أو يسميه الناس ” داعية ” أو” شيخا ” فهو كذلك من حيث الممارسة ، سواء كانت فيه شروط ما أو لم تكن فيه ، لأنه في نهاية المطاف يقوم بتلك المهمة ويؤثر في الناس واقعيا ، وتبعا لذلك لا نريد أن نناقش مسألة المعيارية هذه ، كما أن الاستثناءات لا تهمنا هنا ، لأن القياس يكون على المعلوم والمشهور وليس على الحالات الشاذة والنادرة. كما أن البعض سيقول متهكما بأن هذه الظاهرة لا تهم المجال الديني وحده ، وهذا صحيح وواضح ، لكن نحن نتكلم الآن عن هذا المجال لوحده والذي يتقاطع مع مجالات أخرى نعتبرها ” موضة ” للعصر .
واذا كانت الأسباب المادية المتجلية في الربح السريع سببا في الظاهرة ، وكذلك الأسباب النفسية المتجلية في البحث عن الشهرة والمكانة ، فان هناك أسبابا أخرى خفية شيئا ما وأقل ظهورا وترجع في نظرنا أساسا الى ما يمكن تسميته ب ” سيادة الرأي على العلم ” وهذا سبب ثقافي اجتماعي بالأساس . فالرأي يحيل على تلك المعرفة العامية العفوية السطحية التي لا تتأسس على شروط موضوعية ، بينما العلم معرفة منهجية خاضعة لمنهج وتفكير وقواعد وشروط . فاذا كان للكلام في الدين شروط محددة تمكن صاحبه من ” التفقه ” و “العلمية ” وتمنحه الشرعية والمشروعية ، فان متكلمي هذا العصر لا تتوفر فيهم أدنى هذه الشروط ، لذلك نسميهم ” أصحاب رأي ” منطلقهم أمزجتهم وحاجاتهم النفسية والمادية ومكانتهم الاجتماعية وليس غرضهم تقديم خدمة دينية للمجتمع أو تحصيل معرفة … كما نسميهم ” متفيقهون ” و ” متفيهقون ” و ” مستفقهون ” وكلها تسميات تدل على أنهم مجرد ” مدعون ” ومتكابرون ومتطفلون على الدين وعلى شروط التفقه فيه والفقهية . فتراهم يخوضون في قضايا فارغة من المعنى وينبشون فيها مكتفين بالتحريم لإثارة عواطف الناس وقلقهم ، فلم يكن غرضهم ” العلم ” بل “الاستفزاز” سواء كان عقديا أو ثقافيا أو نفسيا … والخوض في هذه القضايا دلالة على تفاهة الخائضين فيها وعلى دونيتهم العلمية ، فيرتمون في حضن الرأي المزاجي عوض العلم . ولما كان الرأي كثيرا وعاميا وعفويا كان أصحاب الرأي كثرا ، على خلاف العلم الذي هو منهج وتفكير فكان أهله أقلة .
ان نتيجة هذه الظاهرة لا محالة هي خنق الناس والتضييق عليهم واستغلالهم ، من طرف ” متفيقهين ” غرضهم غير الدين ، بل مآرب شخصية ضيقة وآنية أنانية ، فليس الغرض من تحريم شيء ما التفكير في مصالح الناس أو خدمة مذهب أو دين ، بل اثارة قضية تتناقلها الصفحات ، كما أن الافراط في التحريم دون الاهتمام بالقواعد الدينية الأخرى كالمكروه والمندوب والواجب ، نابع من فكر متشائم ومتسلط وغير سوي غرضه اخضاع الآخرين للقهر والتسلط عليهم ومنعهم من كل ما هو مباح وممتع ، كما يمنع السيد عبده من الراحة تكبرا عليه واحتقارا له . وهذه مفارقة تحتاج الى كثير من الفهم : حيث اذا كان الدين في أصله وأغلبه يبيح الأشياء ولا يحرم الا ناذرا جدا وبشكل محدود ومحدد ، فان أغلب كلام هؤلاء ” المتفيقهون ” اليوم هو الحرام ، ويا له من تناقض .

*باحث في الفلسفة والفكر الإسلامي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “بضاعة الفتوى و”التفيقه الإلكتروني””

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق