ثقافة السرد

نملةُ العشق

جيهان سامي أبوخلف*

في ذاتِ يوم ٍ أليم، حملتُ حقائبَ أشواقي وخمارَ وجعي وساقتني أقدامُ الرضى إلى منزل والدي الجديد، خطر لي أنه من البـِرّ أن أتفقدّ ريحان تربته ، وجدرانًا ضمّته في أرضٍ نائية لا صوت فيها سوى صمتُ الراقدين!
موحشةٌ هي تلك البوابةَ، ولعل وَحشتها في كونها مفتوحة على مصرعيها، تقول هل من مزيد!!
تجاوزتُها وقلبي ينهارُ وجلًا كدقاتِ فيلٍ على طبلٍ مشقوق، يشقّ خطواته أشواكُ الفراقِ ولَوعةُ الهَجر، ذاك الطارىءُ المفاجىء العنيد!
تشابهتِ البيوت هناك ! لا ألمحُ إلا حجارةً منتصبة نُقِشت عليها بعض الحروف وآياتُ طُهْرٍ كـحِرز يمنع أقدامي من طرق أبواب السكون !
على رؤوس أصابعي أحملُ جسمي وأنّاته ، فالصمتُ في حضرة الصامتين كلام وقور !
كلّي عيون ، في تلك اللحظات عيوني كانت ترقب الأجواء، أين الحروف وأين آياتُ الطهر تلك!
أين نقشاتُ ” إنا لله راجعون” !
أين السين الممتدة بألَقٍ وأين ألفُ الشموخ !
أين تلك الميمُ المتكورة على نفسها لتمد الياءَ بذاك العمق الممتد في برزخ العاشقين!
أين أنت يا أبي بين أولئك الراقدين؟
أين أنتتتتتتتت!
هاجتْ تلك العيون الصاخبة وماجت في حوار لعين!
أأرقبُ سماءَ الوَصلِ وأكتفي أم أرقبُ أرضَ الراقدين!
عجِزتْ عينايَ ورفعتُ رايةَ اليأسِ ثم تطأطأ رأسيَ المثقلُ بخيبة الواردين!
وخرّت أقدامي تائهةً، فوجدتني أرمي بهما رويدا رويدا على صخرةٍ يكسوها ترابٌ وبعض الأشواك المصفرّة من تعب السنين ..
قلتُ في نفسي:
” ياااااا ربي !
ولكني قدِمتُ بِـرّا به، فكيفُ أعود حافية الأقدام وبقلب بارد غريب! لولا اهتديتُ إليه لألْقي سلاما من لسانِ صدقٍ لم ينطقُ منذ أمدٍ بعيد!
يا إلهي أتراه الآنَ وحيدا تائها كابنتهِ تلوك غربةَ روحها فتقضم نفسها ندما أم في أنْسٍ مع الآخرين ؟
يا إلهي وسيدي ومولاي
أبسطُ إليكَ أكفّ الرجا وأُرِيقُ لجنابكَ دموعَ العاشقين أن تنظر لحالي وترأف بضعفي وانكساري وتردّني من الفائزين ! “
فشاءتْ ألطافُ ربي أن يهديني لعشقٍ من نوع فريد
نملةٌ في جواري على صخرة الحكمةِ تجسّ طريقها بحثا عن فتاتِ خبزٍ تجمعه لشتاءٍ قريب ..
جلستُ أرقبُ فيها وأنشغلتُ بهمّها وأذهلني عملها ونشاطها، فكفكفتُ دموع القهر، وأخذتُ شهيقاً عميقا وزفرتُه على مهلٍ فأخرجَ معه لَوْثَ العجز ورَفَثََ الخيبة، ومن هنا طرقَ النملُ باب العشق الفريد ..
فتحتُ حقيبتي، كنت أحمل فطوري، كعكة صغيرةً مغطاةً بسُمسم كثيف، أمطرتُ على النملة بغيثٍ من فتات الخبز، النملة ارتعدت فرحا، فاضطربتْ خطواتها ونادت بصوت عالٍ على أخواتها:
” هلمّوا، الخير جاء، هلمّواااا” ..
فإذا بسربِ نملٍ يتدفق من حولي، يقدّم الشكر والعرفان وحُبّ كبير، ضحكتُ في داخلي فأنا لم أقدّم شيئا، هي فتاتٌ لم أكن أحسبها خيرًا وفير !
مِن هذه النملة الشغوفة مررتُ بدرسٍ حقًا فخيم، ولا أدري كيف كان الربط إنما هكذا وقـَر في جَناني وصدّقه قلبي الشفيق!
نملةٌ صغيرة لم أعرفها من قبلُ ، ولم يكن بيننا شجنٌ ولا عمْر مشترك ولا ما يحزنون، إنما استطعتُ بالقليل مني، القليل من الانتباه والمراعاة، والقليل من الفتات أن أسْعِدَ سربا كاملا … وزرعتُ فيه حقلا من الأمل والمعونة قد تكفيه سنين!
عدتُ إلى وعي ّ بعد أن أرجفَتْه الخيبةُ حين فقدتُ عنوان أبي .. فاشتدتْ ساقاي وسندتُ نفسيَ من جديد وقمتُ أمشي في تلك الأرض الرحبة، نعم رحبة، الآن فقط أستطيعُ أن أرى كل شيء بوضوح، الآن يستطيع صوتي أن يعمّ الأرجاء بقلبٍ خفاقٍ ليلقي السّلام على كل الراقدين..
أنا لم أقع في حب تلك النملة وحسب، بل وقعتُ في حب أخواتها، أحببتُ السمسم وذرات الدقيق التي في فتات الخبز، أحببت الصخرة وأتربتها، أحببتُ الأشواك المصفرّة والحجارة المنتصبة تلك ، أحببتُ شمس الصيف وصمتُ القبور، أحببتُ وَحدتي وضعفي وانكساري، أحببتُ دمعتي وألمي وغربتي، أحببت الخيبة التي أرهقت قدماي فرمتني على نملتي، أحببتُ الموتَ وأحببتُ الحياة ، أحببتُ انقباض صدري وانفراج همي، أحببتُ ذاك الحارس العجوز على بوابة الراقدين، وأحببتُ كوني أنا هي أنا..
في تلك اللحظات كانت كلّ البيوتِ بيتَ أبي ..
كلّ الحبّ كان لأبي ..
سلامي حتمًا نالَ أبي ..
ذاك الوصلُ رعاني من حيثُ لا أحتسب، بثّ فيّ كل الأمل، وجّهت سهمَ حزني على الأحياء لا الأموات، كم من راقدٍ لم يعرفني ولم أهتد إلا لاسمه فنال مني صلوات ورحمات وآيات طهر خصصته بها، فقط لأنه يسكن في أرضِ ضمّت أضلعا من أبي ..
وكم من غريب آخر سيأتي ويمرّ على بيت أبي فيهديه صلواته ورحماته فقط لأن أبي يقيمُ بالقرب من أبيه أو أخيه أو حبيبه ..
هذا بابُ طُهر يقودني للولوج في بحرِ عشقِ كلّ ما خلق الله على بسيطته، كل حركة وسكون تنطوي تحتها مدائنٌ من معرفة وبحارٌ من عشق، وجبالٌ من الوصل المتين ..
قد يخونني التعبير لما أريده حقا ..
إنما فلنتفكر قليلا، نملةٌ صغيرةٌ واحدةٌ فتحت ليَ باب عشق من نوع فريد! كم من نملة يا ترى تعيشُ بجوارنا دون أن نعيرها اهتماما، بل نتفنّن بكيفية سحقها والتخلص منها!!
وكم من أبوابٍ مغلقة عصِيّ فتحها لا تحتاج منا سوى لقليلِ انتباهٍ واهتمام، ولكثيرِ صدقٍ ونوافذَ عشقٍ تُدخِلُ من خلالها شمسًا متوهّجةً إلى قبورٍ موحشة في هذا الجسد الجامد العنيد !!
يا نملةَ العشقِ أوْصيكِ بأبي ..

*فلسطين/ إسطانبول

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق