قراءات ودراسات

ثنائية الجليل والجميل في الفن المعاصر

ايمان المحضي*

أنْ يكون التذوق تفكيرا يعني أن نتجاوز التعريف الاختزالي بأنّه مجرد انفعال وحالة مزاجية عابرة ومتعة آنية من أجل اعتباره تأملا وتدبرا وموقفا وحكمة إنّه معرفة مخصوصة لأنّه حكم جمالي.
إنّ الذوق لعب لأنّه تربية وتجربة للاكتشاف مغامرة لاستحضار الجمال كماهو الحال في مغامرة الحياة اليوميّة . فالتذوق هو التدبر والنظر بعمق في أبعاد الأشياء والموضوعات وعلاقاتها. ان الفنان ليس انسانا عابرا يخنقه الوقت ويكبل حركته واهتماماته فالذوق قطيعة وتحرر من ضغط اليومي والزمن وكأنّه يبني عوالم تحكمها معايير مختلفة في الزمان والمكان. الفن مرآة تنقل واقعنا المعيش سواء بطريقة محايدة أو نقديّة تبرز تمظهرات هذا الواقع وعادة ما يرتبط مفهوم الفن بمفهوم الجمال الذي يرتقي أحيانا إلى رتبة الجليل، لذلك غالبا ما نجد الجليل مقترن بنظيره الجميل وهما ثنائيّة تناولتها الفلسفة بإطناب وإسهاب ورسخها وأكدها الفن وخاصة الفن التشكيلي المعاصر.
فماذا نقصد بمفهومي الجليل والجميل؟ ماهي تجليات هذه الثنائيّة في الفن المعاصر؟
يقوم الفن على مفاهيم مخصوصة ومدروسة تساعد في التعبير عن دواخل الذوات المبدعة لتؤسس جماليتها وتحقق قدسيّتها، لذلك كان من الضروري تحقيق الجميل وبلوغ الجليل.
الجمالية : لغوياً ورد في معجم لسان العرب أن الجمال مصدر جميل  والفعل) جَمل( وقولهُ عز وَجل ” ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون “أي بهاء وحُسن كما ورد أن الجمال الحَسن في الفِعل و الخلق .”
فلسفياً وجماليا- فقد ورد ) الجمال( بأنه صفة تلحظ في اشياء وتبعث في النفس السرور والرضا والجمال من الصفات ما يتعلق بالرضا واللطف”
فالجميل حسب “إيتيان سوريو” (Etienne Souriau) “هو مأخوذ من الكلمة اللاتينيّة (Bellus) وتعني الظريف، الأنيق المحبب وهو من الكلمات الأكثر إستعمالا في الجماليّات تعبير مباشرعن فكرة من حيث قيمتها الجماليّة”. وهو ما يرتبط في الشكل الخاص بالموضوع أي بما هو مباشر وهو يبعث على المتعة، فالجمال حسب أفلاطون “حالة كشف صوفي لجمال مطلق بذاته ولذاته، الجمال الشمولي المفارق، نموذج النماذج ومثال المثل، في بحثه عن ماهية الجمال المطلق ليس في عالم الجمال، وإنما في عالم الحق”.
– القيم الجمالية: Les valeurs esthétiques
​​تحتل القيم الجمالية مكانة أساسية في عملية التقويم والحكم الجماليين، ولقد اهتم الفلاسفة وعلماء الجمال بوضع مجموعة من مقولات القيم الجمالية، خاصة بعد النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وذلك تأسيسا على ما توصلت إليه الدراسات الجمالية في ميدان الفن، إذ شهدت هذه المرحلة إدخال القبح la laideur، إلى مجال الدراسات الجمالية، كما شهدت المراحل اللاحقة إدخال بعض القيم الجمالية إلى ميدان الدراسات الإستطيقية خاصة في مجال جماليات السينما وجماليات التلفزيون فيما بعد.
​​وبالرجوع إلى القيم الجمالية، نجد أن عالم الجمال الفرنسي “إيتيان سوريوEtienne Sauriau” قد أورد، أن هناك عددا كبيرا من القيم الجمالية احتلت ميدان الدراسات الإستطيقيـة، وقبلها علماء الجمال، في حين حاولوا تقليص عددها، إذ جمعها “ماكس ديسوارMax Dessoir ” في ست قيم هي: “الجميلle beau ، الجليلle sublime ، التراجيدي le tragique، الدراماتيكيle dramatique، الهزلي le comique، الطلي gracieux”.
1 – الجميل:
​​لقد انشغل الفلاسفة منذ القدم بمقولة “الجميل”، فهذا “أفلاطون”Platon يقدم نظرته إلى الجميل من خلال عالم المثل الذي يسمو على الواقع، فرأى أن الجمال في المثال مطلق، مرتبط بالخير، وأن الجمال في الأشياء نسبي، وهي جميلة في ذاتها ،وبهذا، فإن كانت نسبية الجمال في الأشياء محققة وواقعة، فإن زوال هذا الجمال ممكن في الحين، مما يؤكد درجة تفاوته وتواتره في الأشياء. وإذا كان الجمال في عالم المثل مطلقا، فما هو في حقيقته إلا صورة من صور الجمال المدركة في الواقع، ذاك أن كل محسوس ينتقل إلى المجرد في شكل صورة “محاكاة “، إلا ويترك أثره في الواقع – ولعل تركيز “أفلاطون ” على الجوانب المثالية جعل مفهومه للجمال يتجه نحو التجريد، إذ الجمال عنده “صفة لجميع الموجودات، في الكون والمجتمع، والجسد، والنفس، والدولة، والأخلاق، غير أن الجمال الحقيقي هو ما يصدر عن الحقيقة أو عالم المثل، لدى معاينتها “.
​وبانتقالنا إلى أرسطو، نجده قد تحدث عن الجميل من خلال كتابه “فن الشعر” والجمال عنده، هو “..العلاقة بين النظام والعظمة..”، فجمالية الشيء أو الموضوع إنما هي في انتظامه وتناسبه وانسجامه.
​​رغم أن طروحات الفلاسفة الإغريق للموضوع كانت ميتافيزيقية – كما رأينا حين تحدثنا عن علم الجمال – إلا أنها اتخذت من الطبيعة ومن الانسجام الحاصل في الكون مادة أساسية تحقق بها منظورا جماليا له خصائصه ومواصفاته، هذا المنظور الجمالي ذو المرجعية الطبيعية والكونية يتخذه “أرسطو” لدراسة الفن، فإذا كان “أفلاطون” قد أبعد الشعر والشعراء من “جمهوريته”، فإن “أرسطو” قد رد لهم الاعتبار بأن أعطى أهمية كبيرة للفن بصفة عامة، والشعر والمسرح بصفة خاصة. وبانتقالنا إلى كانط Kant في ألمانيا، نجد نظرية جمالية متميزة عما كان يطرح من أفكار جمالية، ذلك أن “كانط” درس الجميل في علاقته مع ملكتي الذوق والرغبة، وصرح أن: “الذوق هو ملكة الحكم على الجميل”،
​​إن هذا التقسيم للجميل، لم يطرح جديدا، من حيث البنية، فما دام الجميل جميلا، فهو منسجم، إن تحدثنا عن خاصية الانسجام، وما دام الهائل، جميلا، فهو منسجم، إن تحدثنا عن خاصية الانسجام أيضا، والأمر نفسه بالنسبة لقيمة الطلي، ولذلك فالانسجام المحقق موجود قبل الحديث عنه.
وبانتقالنا إلى فلسفة الجمال عند العرب؛ نلاحظ أن أبا حامد الغزالي مثلا قد أفرد حديثا مطولا عن الجمال؛ فبدأ حديثه عن الحب قائلا: “.. فأول ما ينبغي أن يتحقق؛ أنه لا يتصور محبه إلا بعد معرفة وإدراك؛ إذ لا يحب الإنسان إلا ما يعرفه؛ ولذلك لم يتصور أن يتصف بالحب جماد بل هو من خاصية الحي المدرك. ثم المدركات في انقسامها تنقسم إلى ما يوافق طبع المدرك ويلائمه ويلذه؛ وإلى ما ينافيه وينافره ويؤلمه…، فكل ما في إدراكه لذة وراحة فهو محبوب عند المدرك، وما في إدراكه ألم فهو مبغوض عند المدرك؛ وما يخلو عن استعقاب ألم ولذة لا يوصف بكونه محبوبا ولا مكروها. فإذن كل لذيذ محبوب عند الملتذ به ومعنى كونه محبوبا أن في الطبع ميلا إليه، ومعنى كونه مبغوضا أن في الطبع نفرة عنه؛ فالحب عبارة عن ميل الطبع إلى الشيء الملذ..”.
وتتضح بهذا النزعة الحسية لدى أبي حامد الغزالي؛ لكنها نزعة محكوكة بالضابط الديني؛ ومحكومة كذلك بما لا يدرك بالبصر ويدرك بالبصيرة. ويبدو بهذا أن هناك ربطا بين الجمال والأخلاق في طرح الغزالي لنظرية الجميل؛ وبهذا نعتقد أن الاستطيقا الغربية؛ أو علم الجمال كما قدمه بومغارتن على أنه نظرية الإدراك الحسي، يرتكز على جمال الصورة الظاهرة للأبصار؛ دون ارتكازه على جمال الصورة الباطنة، أو الجماليات الروحية المرتبطة بما استحسناه من صور عن أناس لم نرهم أبدا، إلا أننا نحكم أنهم أجمل من غيرهم، وفي هذا يستدل أبو حامد الغزالي؛ عن جمال الصورة الباطنة بالأنبياء، كالرسول صلى الله عليه وسلم، وبعض الصحابة، “.. فمن يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو الصديق رضي الله عنه .. فلا يحبهم إلا لحسن ما ظهر له منهم، وليس ذلك لحسن صورهم ولا لحسن أفعالهم، بل دل حسن أفعالهم على حسن الصفات التي هي مصدر الأفعال، إذ الأفعال آثار صادرة عنها ودالة عليها ..”. وبهذا، نلاحظ أن “الجميل”، قد أخذ معاني مختلفة عبر العصور والأزمنة، مما مهد الطريق أمام الدراسات الجمالية لتصنيف مجموعة من القيم الجمالية – كما رأينا من قبل – ولم تكتف هذه التصنيفات بما يبعث عن الإحساس بالجمال، وإنما هناك – إلى جانب هذه القيمة – قيمة الجليل، التي لا يشترط فيها وجود عناصر الجميل.

2 – الجليل:
​​لقد استعملت الدراسات الجمالية مضمون الجليل، في مجال القيم الجمالية، في القرن الثامن عشر. وأصبح بذلك الجليل “كل شيء يرفعنا، ويجعلنا نحس هذه الرفعة..”، ذلك أن السمو في تجربة الجلال يختلف عنه في تجربة الجمال، ففي الأولى نخرج من مضمون الموضوع المدرك بفعل الانفعالات والأحاسيس، والخوف، والرعب ، وفي الثانية لا يمكننا الخروج والتسامي فوق الموضوع الجمالي، لأن أسس هذه التجربة لا ترقى لأن تفعل ما هو موجود في التجربة الأولى. الحقيقة أن الجلال هنا، يرتكز على مبدأ اللذة الحسية، إلا أن “كانط” يعطي المزية الكبرى للعقل، الذي نتجاوز به المحسوس. وبهذا يبدو لنا الجلال أبسط وأيسر للفهم والإدراك أكثر من الجميل، بحكم أن الاختلاف قائم في إدراك الجميل، لكنه غير ذلك في إدراك الجليل.
​الجليل إذن مع إيتيان سوريو مقتبس من الكلمة اللاتينية (sublimis) وهو مفهوم قديم استعمل في البلاغة الكلاسيكية وهو يجمع بين النبيل والطاقة الديناميكية ويحمل الجليل نوعا من المقاومة، وفي بعض الأحيان نوعا من الحدّة والعنف. فالجليل نوع من الإتساع والقدرة التي تفوق وتتجاوز الجميل وهو ما لا ينطوي بالضرورة على جماليّة شكليّة وإنما على العظمة، الخوف، الدهشة وهو شكل من أشكال المتعة السلبيّة، الذاتيّة، الوحشيّة المنقولة أو التي بالإستطاعة التعبير عنها.
حافظ الجليل والجميل على نسق حضورهما من الفن الكلاسيكي واليوناني حتى اليوم في الفن المعاصر من خلال الاهتمام بهما كمفاهيم جوهريّة والاشتغال عليهما، لذلك فقد تجسّدا (الجليل والجميل) وكوّنا منهجا وأسلوبا عرف به بعض كبار فنانين هذه الحقبة المعاصرة.
فهل من علاقة مطردة بين الجميل والجليل أم أنها علاقة تحضر وتغيب؟
إن نظرتنا إلى القيم الجمالية التي قدمها الدارسون الجماليون، تجعلنا نقر أن الحكم القيمي الجمالي، يمكن أن يتسع إلى مجموعات أخرى من هذه القيم، تبعا للمرحلة الزمنية، والوسيط الذي يحمل القيمة الجمالية، فإذا كانت مرحلة بداية الدراسات الجمالية– خصوصا بعد منتصف القرن الثامن عشر– قد أعطت مجموعة من تلك القيم السابقة، تأسيسا على الوسائط الفنية (الشعر، المسرح، الرسم، النحت،..)، فإن الدراسات الجمالية– في عصرنا– قد تناولت الأعمال والوسائط الفنية الأخرى، كالسينما، والتلفزيون، – مثلا – بالدراسة والتحليل وقدمت الأسس الفنية والجمالية لكل فن من هذه الفنون.
​​وبرجوعنا إلى القيم الجمالية ومقولاتها السابقة الذكر نجد أن كل قيمة تحمل قيمة أو مجموعة من القيم المصاحبة الأخرى، التي تعطيها بعدها وقوتها الجماليين، كاللون، والانسجام، والصوت، والتناظر، والعمق، والوضوح، وهي قيم جمالية تختص بالموضوع، فلا يكون الجميل جميلا إن لم يكن حائزا على قيمة أو مجموعة من القيم الجمالية المصاحبة، وغيرها.
حين نتحدث عن الجميل في فن من الفنون التقليدية، كالرسم، أو الشعر، أو المسرح، ونتحدث عن الجميل في السينما أو التلفزيون أو الأنترنت، لا ينبغي لنا أن نطابق هنا بين المضامين الجمالية، لأن لكل نوع من هذه الأنواع خصائصه المميزة له.
​وإذا كان حديثنا هنا عن القيم الجمالية الأساسية، فإن هناك ما يمكن تسميته بالقيم الجمالية الثانوية، التي قد لا تحتفظ بمدلولاتها مع تطور الزمن مثل: الروائي، المسرحي، الصوفي، الهازئ .. وبهذا، فلا ينبغي للدارسين الجماليين أن يفصلوا بين بنية الجمالي، وبنية الجليل، ذلك أن لكل حد من هاتين القيمتين ارتباط بالآخر، إذ لا فهم ولا إدراك للجليل إلا بفهم وإدراك الجميل، داخل السياق الثقافي والحضاري الذي يحتضن هاتين القيمتين وغيرهما.

 
*باحثة دكتوراه في جماليات الفنون وممارستها
بالمعهد العالي للفنون الجميلة سوسة
 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق