ثقافة السرد

الـشّـهـادة يـا هــذا

بن حليمة امحمــد

– أحمد . شيخ يقارب العقد الثّامن .متوسّط القامة.أسمر.من حين لآخر. يمرّ قـرب الجامعة. الهـندام يجلب الشّفقة مع سير الـمشقّة . الظّهر منحني والرّأس قد اشتعل شيبا. بيده قصبة اِتّخذها عصا.فاقته طولا.جوْفها محشُوّ بالتّراب لمقاومة ثقل الإرتكاز يردّد : شهادة .. شهادة.. شهادة يا هـذا. يكرّرها ثلاثة أيّام ويختفـي . بعد أيّـام يعود.
بـالجديد. يردّد بصوت خافت : صُنْ مَنْ فيهِ يسْـعى الفتى وَمَنِ الصّوتَ خفَّتَ يا فتى.
– اِختلفت تعاليق الطّلاّب .منهم منِ استحسن القول دون فهم المعنى ومنهم من. عـلّـق مسـتـهـزئا : من قال أنّ المتنبّي مات . فقد كذب . كظم الغيظ وانصرف.
عـاد كالعـادة .غيّـر اللّفــظ مـع التّـكرار: أيا مسـتهـزئي … ما أبعدني.. .. ما أبعدني عـن الّـذي أغـضـب ربّـي . تعجّب الـبعض بما تفوّه من كلمات فخمة تـثـلج الأذهان و تلج الوجدان . إلاّ أنّ فـئة لم تـأبـه بها و بـه . إِذْ يُعَدّ مِمّن رُفع القلم عنهم . مستدلّة بالهيئة و طول القصبة المُجبر على اِمساكها من الوسط .
– يغيب أيّام ثـمّ يعود على نفس الهيئة . يغيّر التّعبير: غـاب .. غـاب. منْ طاب غـاب ذاك الّذي منِ احتقـره خـاب و يبكي .تختلف ردود الأفعال .هناك من اقترب منه مستفسرا عن سبب البكاء . يجيـبه : جماد . جماد ليسوا عبادا. يردّد : صُنْ مَنْ فيهِ يسعى الفتى وَمَنِ الصّوتَ خفَّتَ يا فتى. الضّميرُ أبكى ضميري يا فتى .موجود هنا .و يسلّم لهم قصاصات قديمة. ملطّخـة . تحمل العبارة المذكورة .و يشيـر من بعيد .إنّه هنا .. إنّه هنا . مَن أبكاني .. إنّه هنا . من بين الإثنين و الثّلاثين(32) . هو السّابع بنهج العرب و السّادس و العشرين(26) بنهج العـجم .

يـدـقّـقـون . يهـزّون الرّؤوس. يتمتمون و ينصرفون ظانّين أنّه مختلّ .
ومـنهم من هـزّهـته الشّفـقـة . قلبُه رقّ. فتصدّق .خاصّة العنصر النّسـوي. إلاّ أنّه يشترط ذِكر الألقاب و الأسماء على قبولها حيث يحرّرها خَفية. غاب أَيَّـامـا ثمّ  عــاد كما إعـتاد بعدما أعـدّ الجـديد . أيا هذا.. القـلـب نـادى . القصبـة مـثـل الشّهادة( الجُلّ .الجُلُّ ..حمدًا على لمْ يكنِ الكلّ ) . تعاليق السّخرية بــدأت تتلاشـى بما من بلاغة أفشـى . يـكـرّر الغياب و يعـود . الطّلاب يستحسنون. عاد صاحب القصبة . فيلقي الجديد : جئت من بعيد كي أفـيـد و لِما أغـضبَ أُبِـيـد. رسالة الأسمر. هديّة فاقـتِ الأصفـر( الذّهب ). فمنْ صانَ ظفـرْ… و مَـنْ خَـانَ خَسـرْ. زاد اِعجابُ البعض و التفّوا حوله طالبين المزيد .فـردّ : لمّا الحديد يمتصّ الجليد و يكبر عنِ الوالد الوليد وينصرف غـاضـبـا رغم الإلحاح .
تعـجّب الطّلاب من تصرّفه الغير المعتاد .

– صـار الشّيخ معروفا لدى الجميع بما فيه الـطّـاقـم الإداري .أطال الغـياب فاتّـفـق خمس طلاّب بالبحث عنه فراحوا يفتّشـون عـنـه إلى أن وجدوه .حيث توسّلوا بغية تكرار الزّيارات المعهودة إلّا أنّــه اشترط حضور محاضرة بمناسبة يـوم العِلم. عُـقـدت الألسنة لـهـول الإقـتراح كونه مُـسـن وَ.. وَ … وَ…
– الشّـيخ : لمَ الدّهشـة ؟ ما صُنتـم الضّمير الّذي أبكاني فـصـونـوا شـرطَ الضّرير. يقصد نفـسه . فـكَّـروا ملـيّـا . لـنحاول بعدما دلّهـم عـلـى مكان وجوده . وقبل الإنصراف أمْلى البيتَ : سِيقَ العذْبُ و العذابُ //.عاهدنا أمْضيْنا في كتاب.
عاهدوني على حفظه فهـو كلمة السّر بيننا فقط مع الإمضاء في كُـتيّب بالإضافة إلى أقوال أخرى يلقونها بأمره يوم المحاضرة.
– اِتّصلـوا بالعميد مقترحين اقتراح الشّيخ. فسُـرّ به و أصـرّ على تنفيذه .
_ اِنـتشـر شرطه بين الطّلاّب كانتشار النّار في الهشيم. اِكـتـظّ المدرّج
يوم المحاضرة الّتي أشرف عليهـا شـخـص غريب . لأوّل مرّة يزور الجامـعـة .قدّمـه العميد شاكرا إيّـاه على تلبية الدّعوة .وأعناق الطّلبة مشرأبّة نحو المدخل يراقبون قـدوم الشّيخ شغـفـا.
القلق بـادٍ . تــزداد حــدّتــه مـع مرور الوقت . المـحـاضر يلاحظ شرود الأذهان. يـذكّـر من حين لآخر بالإهتمام. الشّيخ لم يحضر. هذا يتمتـم و ذاك يخاصم و تلك تُرنّم . بقـي الوضع على حاله . تــرقُّـب .. قـلــق . عــدم الرّضـا.
– بعد مرور نصف ساعة .عـرّج على المـقولة الـمعروفة : شهادة .. شهادة.. شهادة يا هـذا. عجـبْ.. لقـد شوّقنا بما نحن مشتاقون إليــه .
صُنْ مَنْ فـيه يـسعى الفتى ومَنِ الصَّـوْتَ خَفَّـتَ يا فـتى . فما تنتظرونه من خلفكـم …هو أمامكم ذلك الشّيـخ حامـل القصبـة .. أنا مَــنْ مِـنْ عِلمكم أبديْــتُ الغـضـبَ . أنا لست بالمتنـبّـي . أنا مـنْ بكيـتُ . طلبـت ربّي . و أعـاد كلّ ما ألـقـي عليهم والدّهـشـة قـد عـمّـت فأبكـمَـت .

– ظـنّ الطّلبة ظـنّ السّـوء بـه حيث طالبـوه بـتقديــم الأدلّـة و إلاَّ أقـواله باطلة . فكشف عـن أسماء المتصدّقين و المتصدّقات مع ذِكر المبالغ و نسخة من القصاصات الملطّخـة بالإضـافة إلـى كلمة السّـرّ.
– اِسـتُـؤصلِ الشّـك . سـادت الفرحة .طـالبـوه بالإعـادة مع الشّـرح. فكان لهم ما أرادوا و قـد أوصاهـم بـالـتّـركـيـز .
– أوّل يوم نطقت بما يلي : شهادة .. شهادة.. شهادة يا هـذا . كرّرتها على حسب عدد الفصول الدّراسـة ( 03).أقصد الشّهادة الْ….و لـم يكـمـلْ . لنترك هذا حـتّـى لا و لا و لا ….

2) صُنْ مَنْ فيهِ يـسعَـى الفتى وَمَنِ الصّوتَ خفَّتَ يا فتى.
فيـه اقتـبـاس من قـول الإمام الشّافعي رحمه الله .
خَلقْتَ العِبَادَ لِمَا قَدْ عَلِمْتَ ** ففي العِـلم يجري الفتى و المسنْ
فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ، وَمِنْهُمْ سَعِيد ** وَمِنْهُمْ قَبِيحٌ، وَمِنْهُمْ حَسَنْ
( بحر المتقارب) فهـو يقصد مشيئـة اللّـه . لـقـد أدخلت تعديـلات بعجز البيت الأوّل
حيـث عوّضت كلمة العِلم بالضّمير (الهاء) والفعل يجري بِـيَسْعـى . والإسم (مُسِـن) بعـبارة : مَـنِ الصّـوتَ خفّتَ . إشارة إليّ . لأنّ طلب العلم يشمل كافّة شرائح العمر.
2) أيا مستهـزئي (طالب)… ما أبعدني عـن الّذي أغـضـب ربّي .أقصد المتنبّي الزّاعـم أنّه نـبيّ ثمّ تـاب .
3- بعدها ذكـرت : غـاب .غـاب. منْ طاب غـاب. ذاك الّذي منِ احتقـره خاب.
الـغــرض منه : الإجـتهاد فـي طـلـب العِـلم .
3).جماد. جماد ليسوا عبادا. الـمقصود بالضّمـير(الهاء) في كلمة فيه .العائد عـلى العِلم.
4) الضّميرُ أبكى ضميري . الهـاء الـعـائدة على العِـلـم .
5) هو السّابع بنهج العرب و السّادس و العشرين بنهج العجـم.
تمعّنوا العبارة : صُنْ مَنْ فيهِ يـسـعـى الفتى وَمنِ الصّوتَ خفَّتَ يا فتى.
عند العـدّ .نجـد الضّمير ( الهاء ) في المرتبة السّابعـة . بنهج العرب
لأنّ الكتابـة باللّـغة العربية تبـدأ من اليمين . و من اليسار (نهج العجم) نجده في المرتبة السّادسة و العشرين .
6) القصبـة مـثـل الشّهادة ( الـجُـلّ .. الجُـلّ .) أجـاب : لـنــتــركِ هــذا .
الــطّــلاب : لــمــاذا ؟ : لــمــاذا ؟ الكلّ به نادى .
يـردّ : حِـفـاظا على السّـعادة . يقصد التّفاعـل فيما بينهم . سـيُؤخَّر و لا يُقْـبَـر.
و حـال لســنــانــه : الإثــم لــمــن كَــتــمَ الـعِـلــم .
7) جئت من بعيد كي أفـيـد و لِما أغـضبَ أُبِـيـد.( الغرض القضاء على التّـقـاعس في طلب العـلم .)
8) رسالة الأشقر هديّة فاقتِ الأصفر أي الذّهب . فمن صان العلم ظفر( فاز).
أولادي … نـعـود للمـؤجل قبل مجيء الأجـل .
شهادة .. شهادة.. شهادة يا هـذا .أقصد الشّهادة العلمية و أعلم نـواياكم بشهادة وحدانية اللّه . كوني مُسـن عـلـى مشارف الرّحيـل إلى الباقـية .
– القصبـة مـثـل الشّهادة . و طلب بإحضارها وقد أُفْرِغت مِمّا حوَت . دعـا أحد الطّلاّب
بوصفهـا . فـقـال : طـويـلـة . تدخّـل الشّـيـخ مطالبـا بذِكر
مرادف الوصف . أجاب : شـامخـة . طُلبَ بمرادف آخـر. فقال : عاليــة .
ردّ الشّيـخ : نعم . هي ذي الغـاليـة المُبتليــة .
– أمسـكهـا ووقـف . تمعّــنـوا …. صِفـوا صـدرها ؟
أجـابــوا : فــارغــة .. فــارغــة ..
– إذن : ذكّــروني بـما وُصِفـت أوّلا . أجابـوا : عالـيـة. عالـيـة.
– نعـم . تـلـك الشّـهادة المبتلية الّـتـي تسـعـون لـنـيـلهـا . لقــد شـبّهـتـهــا بالقصبة.
فـهـي عالـيـة و فارغة .
الـطّـلاب : مـا الـدّافـع ؟
الشّـيـخ : الـواقــع .. الـواقــع .. لسـت بـالـيـافِـع .1
الـطّــلاب : و مـا بـال شــهــاداتــك ؟
قبل الإجابة . أمر الممضين على الكُتيّب بالوقوف في المنصّة و ترديد البيت
جماعيا . سِيقَ العذْبُ و العذابُ //.عاهدنا أمْضيْنا في كتاب. وأضافوا :
ما أحلى و أمـرّ حُـضور مُنحني الظّهـر.
صفّق الجميع مردّديــن : شــهــاداتــك .. شــهــاداتــك . يا شيخ .
اِبتسـم و عانــق العـميد على نجاح المكيدة الّتي نسج خيوطها رفقتــه ثمّ
التفـت إليهـم .لي شهادتان .كسائر إخواني المسلمين منْ أخلصَ النّية و اتّـقى.دخل الجنّة.
أشهد أن لا إله إلاّ اللّــه و أشهد أنّ محمّـدا رسول اللّــه .
عـصامـي .. عـصامـي .. خـتام كـلامي.2
• الهـوامـش :

1) اليَافِعُ: من شارف الإحتلام و هو دون المراهق و الجمع : يفعة و أيفاع .
. 2) العِصامـيّ : مَنْ تَعَلَّمَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ وَكَسبَ عِلْماً بِاعْـتِمَادِهِ عَلَى قُدُرَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ .

– مـهـداة لإخواني و أخواتي بسلك التّعليم و لجميـع الطّـلـبـة متمنّيـا لهـم التّـوفيـق
راجيا من ( فـئة الجـلّ ) عـدم اِبداء القـسـوة اتّجاهي فـدافعي محبّتي لهم و الغيرة على أمّتي .
( الكمـال للّــه سبحانه )

 
مدينة سعيدة – الجزائر .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق