ثقافة المقال

فلسفة الإنسان في تصوف عبد الكريم الجيلي (3)

ميثم الجنابي

الإنسان : سرّ الوجود المطلق

ينطلق الجيلي من أن الإنسان هو سرّ الوجود و”الكنز الإلهي”. وبالتالي فهو المقصود من وراء كل عبارات أهل الشرائع جميعا. وذلك لأن الشرائع جميعا تسعى إلى الله كل على قدر استطاعته. وتعكس هذه الاستطاعة تجلي الحق فيها. انطلاقا من أن رؤية الشريعة هي تعبير عن الحق (الله) وأحد مستوياتها. ووضع الجيلي هذه الفكرة في عبارته القائلة، بأن الله يتجلى “في كل منقول ومعقول، ومفهوم وموهوم، ومسموع ومشهود. فقد يتجلى في الصورة المحسوسة وهو عينها وباطنها”. وهي مقدمة فلسفية تفسر التعدد والتغير والاختلاف، وتؤسس لشرعيته وأبعاده الأخلاقية والمعرفية. أنها تفسح المجال أمام التسامح الفكري، وتؤسس للاختلاف باعتباره بحثا عن حقيقة الإنسان. وفي بحثها هذا ترى ما يناسب إدراكها، أي أن الحق في حقائقهم على قدر اقترابهم فيها منه. من هنا تأويل الجيلي لكلام المسيح وفكرة النصرانية عن الثالوث كما وردت في الإنجيل في رد عيسى على الله، بأنه قال ما قال لقومه هو على سبيل الاعتذار لقومه، وذلك لأنه قال لهم ما قاله من أمر الله. وعما بلغهم كلامه حول الأب والابن، فإنهم حملوا كلامه على ظاهره. ومن ثم فلا ملامة عليهم لأنهم فيه على ما علموه من الكلام. ومن هذا التأويل استنتج الجيلي بأن “شرك النصرانية هو عين التوحيد”، وذلك لأن أتباعها فعلوا ما علموه بالإخبار الإلهي من أنفسهم. فمثلهم مثل المجتهد الذي اجتهد، واخطأ فله اجر الاجتهاد”. من هنا مطالبة عيسى بالمغفرة للمذنبين، مع أن الأنبياء لا يقومون بذلك. وسبب هذا يقوم في أنه “كان يعرف أن أتباعه على حق رغم باطلهم”. ذلك يعني أن الجوهري في الاعتقاد هو صدق المرء، ومن ثم فإن الاعتقادات جميعا اجتهادات. وبالتالي كلها تسعى للحق كما تراه. وفي أعماقها تعبر عن الحق كما تراه. إضافة لذلك إن جميع الناس هم عباد الله. وبما أن عيسى هو حقيقة الله، كل ذلك جعل الجيلي يؤكد على أن “أتباعه على حق أيضا”.
لقد جعل الجيلي من صدق الأتباع والإخلاص فيه مبدأ حقانيا من حيث كونه سعيا عن الحق، وهو موقف لا يبرر الخطأ والخطيئة، بل يتسامى عن الانسياق وراء الجدل معها بمعاييرها. إنه يرتقي إلى مصاف الرؤية المتسامية لما فيها من جزئية ذات معنى في الكلّ، يوصفها صورة من صوره. من هنا قول الجيلي، بأن “أتباع عيسى على حق لأن عيسى حقيقة الله”، كما “أن كل شيء هو حقيقة الله”. ذلك يعني إنه يضع كل الآراء والمعتقدات الساعية للحق ضمن “حقيقة الله”. مما يعني إزالة القواعد الجامدة، التي تجعل من تجارب الآخرين المتنوعة والمختلفة عن الأفراد والجماعات والأمم أيا كانت معيارا مطلقا للحقيقة. إذ لا يعني أن “كل شيء هو حقيقة الله” سوى تجدد الحقائق وتنوعها وتغيرها وتبدلها في تجارب الأفراد والجماعات والأمم. ومن ثم، فإنها تمتلك جميعا حق الوجود والشرعية والاحترام بوصفها أجزاء ومستويات ومظاهرا لحقيقة الحقائق.
فعندما يتطرق إلى تنوع المعتقدات (الدينية) نراه يتخذ من المدارس العقلية (الفلسفية) نموذجا موازيا لها. وطبق ذلك بصورة ملموسة في موقفه من الأحكام والتصورات العقلية الخالصة، بما في ذلك تجاه تلك التي تختلف مع الدين أو تقف بالضد منه. فهو يقسم العقل إلى ثلاثة أقسام يدعو الأول منه بالعقل الأول، والثاني بالعقل الكلي، والثالث بالعقل المعاش. والأول هو “أول تفصيل الإجمال الإلهي”، والثاني هو “القسطاس المستقيم”، والثالث هو “النور الموزون بالقانون الفكري، معياره الفكر وأداته العادة”. أما النسبة بين هذه العقول، فهي كنسبة نور الشمس (الأول) في الماء (الثاني) وانعكاسه منه على جدار. ووضع هذه المقدمة في تفسير الرؤية الفلسفية العقلية و”تبرير” استنتاجاتها المتعلقة بتعدد وتنوع واختلاف الآراء والمواقف والعقائد. من هنا قول الجيلي، بأن العقل الكلي يأخذ علمه من “اللوح المحفوظ” أما بقانون الحكمة أو بمعيار القدرة على قانون وغير قانون. ووضع هذه المقدمة النظرية في موقفه مما اسماه بانتكاس الاستقراء واستدراج العقل الكلي لأهل الشقاوة. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن “العقل الكلي يستدرج أهل الشقاوة فيفتح به عليهم في مجال أهوائهم لا في غيرها. فيظفرون على أسرار القدرة من تحت سجف الأكوان كالطبائع والأفلاك فيذهبون إلى عبادة هذه الأشياء وذلك بمكر الله بهم. والنكتة فيه أن الله يتجلى لهم في لباس هذه الأشياء التي يعبدونها فيدركها هؤلاء بالعقل الكلي”.
ذلك يعني أن الجيلي يفسح المجال أمام إمكانية التسامح بما في ذلك من “أهل الشقاوة” انطلاقا من أن العقل الكلي “قد يستدرج” البعض في عبادة الأجزاء. وهي “شقاوة” فكرية ومعرفية مع ما يترتب عليها من مواقف عملية. لاسيما وأن الجيلي يدرج تحت هذه الأجزاء كل من الأوهام وكذلك ما يبدو للمرء قدرة (مادية أو معنوية) يقف عندها بحيث يجعلها يقينه التام مستندا بذلك إلى قوة العقل المجرد (الكلى). لكنها معرفة وعقل ناقصين بسبب انعكاسهما المحدود في العقل التجريبي الجزئي المحدد بالعادة (عقل المعاش). وهو عقل يصعب عليه تجاوز حدود الأشياء فيظل أسيرا لها. لقد أراد الجيلي القول، بأنه ليس الإيمان التقليدي فقط، بل والعقل التقليدي يمكنه أن يؤدي إلى “عبادة ناقصة”، ولكنها مع ذلك مقبولة ومعقولة بالنسبة للإنسان الكامل، الذي يرى فيها مظاهرا ومستويات مختلفة ومتنوعة لإدراك الحق.
وقد حقق الجيلي نظرته هذه بصورة نموذجية في موقفه من الأديان. فهو ينطلق من الفكرة التي وضعها ابن عربي عن “الاستعداد الذاتي” للإنسان والفطرة وعن مطابقتهما. من هنا قوله إن العبادة فطرة. والمقصود بالعبادة هنا هو الطاعة. والطاعة هي انجذاب الأشياء لذاتها. وبما أنه لا ذات حقيقة في الوجود غير الله، لهذا كان الانجذاب نحوها هو انجذاب تجاه النفس. وهو المعنى المقصود من العبادة بوصفها فطرة. من هنا عبادة الموجودات كلها له، بمعنى طاعتها إياه، لأنه من صلب فطرتها. من هنا قوله “ما في الوجود شيء إلا وهو يعبد الله بحاله ومقاله وأفعاله، بل بذاته وصفاته. فكل شيء في الوجود مطيع لله”. لقد وجد الجيلي في كل موجود حياة هي قوته الدافعة في أحواله وأقواله وأفعاله في طاعة الله. إذ لكل شيء حال وقول وفعل وذات وصفات. وهو موقف يشمل الموجودات جميعا من إنسان وحيوان ونبات وجماد. فكل شيء يعبد الله، بمعنى يطيعه، لأن في ذلك مصدر وجوده.
وبما أن الوجود متنوع متبدل متغير، لهذا تنوعت وتبدلت وتغيرت أحوال الناس وأقوالهم وأفعالهم في العبادة. من هنا أيضا تنوع الديانات والله واحد. وذلك لأن كل دين وفرد وجماعة وأمة في مراحل وجودهم التاريخي يرى ما لا يراه الآخرين. وهي خصوصية تستجيب وتستمد وجودها من استعدادهم الذاتي. لهذا اختلفت الأمم والأقوام بعد أن كانت مجبولة بالفطرة على عبادة الله، كما يقول الجيلي. وهو تنوع مرتبط بتنوع تجليات الله. لهذا ذهبت كل طائفة إلى ما علمته انه صواب ولو كان ذلك العلم عند غيرها خطأ. بعبارة أخرى، إن اختلاف الأمم في علمها عن الله هو اجتهادها الذاتي فيما تراه صوابا مع انه قد يبدو عند غيرها خطأ. وهو اجتهاد “يحّسنه” الله في عينها، باعتباره جزءا من جهادها في معرفة المثال المطلق، أي أن الله يتجلى لها بمقدار ما تسعى إليه. من هنا فكرة الجيلي عن أن الأمم تسعى كلها لمعرفة الله، وهو “يحسنه عندها ليعبدوه من الجهة التي تقتضيها تلك الصفة المؤثرة من ذلك الأمر”. ذلك يعني أن الله يحّسن ما يعتقدوه صوابا عنه ليعبدوا ما شاهدوه فيه، باعتباره تجل لرؤيتهم عن المطلق. وبالتالي، فإن الله هو المطلق في الديانات المتنوعة.
وهو تنوع يعكس المسار التاريخي للجهاد والاجتهاد الإنساني في بلوغ تطابق الأنا مع المطلق. وذلك لأن عبادة الله هي عبادة الأنا. والأنا في ارتقاء دائم يتمظهر من الناحية التاريخية في أفعال العبادة وأشكالها المتنوعة من عبادة الأوثان إلى عبادة الطبيعة ومنها إلى عبادة الكواكب ومنها إلى عبادة النور والظلمة ومنها إلى النار الواحدة والدهر ومنهما إلى الله الواحد.
لقد أراد الجيلي القول، بأن تطور العبادة هي طاعة متزايدة للأنا في إدراك حقيقتها بوصفها ذاتا واحدة لا تجزئة فيها. وحقيقة الإنسان في وحدته. وكل تعمق في إدراكها يوصله إلى إدراك حقيقة الله الواحدة. فمن الأوثان إلى الطبيعة بمختلف عناصرها، ومن الكواكب المتعددة إلى ثنائية النور والظلمة، ومنها إلى واحدية النار والدهر، ومنها إلى الله الواحد وواحديته المتنوعة عند أهل الكتاب، ومن واحدية الله المتجزئة إلى وحدته الصمدية المجردة. وفي كل مرحلة وعند كل طائفة وأمة “ناس للجنة وناس للنار”، أي لا توجد طائفة خالصة في طاعتها، والطاعة على مقدار الاقتراب من حقيقة الحق ضمن هذا الدين أو ذاك. لأنهم جميعا يسعون للحق ويصلون إليه ويسعون للسعادة ويصلون إليها.
ذلك يعني انه لا أفضلية لدين على آخر من حيث الانتماء المباشر، مع أن الأفضلية قائمة في تمثل الدين لحقيقة الوحدة الصمدية المجردة. وذلك لاحتوائها على كل درجات الطاعة السابقة لها، بعد تذويبها فقط في مساعي التوحيد الخالص.
فقد ظهر عبدة الأوثان بعد ظهور الإنسان، كما يقول الجيلي. وتعبد الإنسان الأوثان تقربا بها إلى الله. ذلك يعني أنهم لم يعبدوا الأوثان كأوثان، بل عبدوا فيها الله. وبما أن الله موجود في كل ذرات الوجود، لهذا عبدوه من حيث ما تقتضيه ذواتهم، التي هو عينها، بعد أن شهدت لهم قلوبهم بأن الخير في ذلك الأمر. والطبيعيون عبدوا الأصل دون الفرع بعد تحكيم العقل. لهذا قالوا بالعناصر الطبيعية من ماء وتراب وهواء ونار. لقد وجدوا فيها أصل الوجود لهذا عبدوا الطبائع. لكنهم ما عبدوا فيها إلا الحق من حيث الصفات. أما الفلاسفة فقد قالوا بعبادة الكواكب، وكل كوكب يؤثر دوره في الوجود سلبا وإيجابا، لأنهم اعتقدوها جواهر فعالة في حياة الإنسان ومصيره. بينما ذهب الثنوية إلى عبادة النور والظلمة المطلقة. ووجدوا فيهما الله من حيث نفسه، لأنه جمع الأضداد بنفسه. وعبد المجوس النار لأن الحياة مبنية على الحرارة الغريزية، وهي أصل الوجود. بهذا يكونوا قد عبدوا الله من حيث الاحدية. وهي الدرجة التي تفنى فيها جميع المراتب والأسماء والأوصاف كما تفني النار كل شيء. وفي عبادتهم للنار ما عبدوا إلا الواحد القهار، كما يقول الجيلي. بينما ترك الدهريون العبادة رأسا انطلاقا من عدم فائدتها، واعتقدوا بأن الدهر بما يقتضيه مجبول من حيث الفطرة الإلهية على ما هو واقع فيه. واعتبر الجيلي موقفهم هذا عبادة لله “من حيث الهوية”، لأن الدهر هو الله.
أما من اسماهم بأهل الكتاب، الذين أدرج فيهم البراهمة واليهود والنصارى والمسلمين، فإنه وجد فيهم تجليات متنوعة لعبادة الله. فمنهم من يتعبده مطلقا لهذا ينكر النبوة والرسل معتقدا بأن كل ما في الوجود مخلوق لله، كما هو الحال عند البراهمة. ومنهم من يتعبده بتوحيد الله ثم بالصلاة مرتين والصوم في عاشوراء كما هو الحال عند اليهود. ومنهم من شهده في الإنسان كما هو الحال عند النصارى. واعتبر توحيدهم الأقرب إلى الحق من دون المسلمين، وذلك لأن النصارى طلبوا الله فقيدوه في عيسى ومريم والروح القدس. فهم الأقرب إلى المحمديين وذلك “لأن من شهد الله في الإنسان كان شهوده أكمل من جميع من شهد الله من أنواع المخلوقات”. أما المسلون فهم أهل التوحيد الخالص. لأن جميع الأمم عبدت الله من خلال عبادتها شيئا من العالم، أما المسلمون “فإنهم عبدوه من حيث الإطلاق”. لهذا اعتبرهم خير أمة وما عداهم مشركون سواء فيه أهل الأوثان وعبدة الكواكب والطبيعة والدهريين والمجوس وأهل الكتاب.
بهذا يكون التصوف قد تجاوز “ضيق المذاهب” خروجا إلى فضاء الإنسانية المجردة ومعالم المطلق فيها. لكنه لم يكن خروجا بالمعنى المألوف، لأن جوهر التصوف الإسلامي يقوم في تذليل العادة، أي الطبيعة المصطنعة والمتكلسة في مجرى الصيرورة التاريخية للثقافة نفسها. وهو فعل يستلزم إرجاع الذات الإنسانية إلى “فطرتها” عبر توحيد عقلها النظري والعملي في وجدان الحقيقة. مما يؤدي بالضرورة إلى تذليل مختلف مظاهر ومستويات التجزئة المفتعلة للأنا البشرية.
حينذاك يصبح الرجوع إلى النفس رجوعا إلى معالمها المطلقة. وفي هذا تكمن ماهية الخروج على عادة “الأنا” و”الآخر”، وذلك لأن معيار التصوف وغايته النهائية تقوم في إبداع “أنا الحق”. وهذه بدورها تجعل من تجارب الأفراد والأمم درجات في سلّم الحق والحقيقة، التي شكلت نظرية “وحدة الأديان” تجليها النموذجي في الموقف من الدين. وبما أن الوحدة هي غاية التصوف الإسلامي، فإن الخروج من مضيق المذاهب إلى معالم المطلق يعني أيضا تذليل جزئية الأديان أيا كانت. لكنه تذليل حققه التصوف على أساس انتمائه العميق لإشكاليات الثقافة الإسلامية ومرجعياتها. لهذا كان أشد قربا إلى حقائق الوحدة الإسلامية حتى في اشد “شطحاته” خروجا عن المألوف. وبالتالي الأغزر توليدا للأبعاد الروحية في روح الاعتدال واليقين الثقافي الإسلامي.
*** ***

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق