قراءات ودراسات

مع هواة المعرفة والتعلم

أحمد بابكر حمدان

“إن المعرفة لم تعد قوة في عصر السرعة والإنترنت والكمبيوتر ، إنما تطبيق المعرفة هو القوة”. كفاح فياض

“كنت أبحث عن معيار حقيقي للتقدم الحقيقي، فوجدته في رقي أخلاق النخب، وشغف الناس العاديين بالعلم والاكتشاف”. عبد الكريم بكار

– مقدمة:
(1)
إن درجة ارتباطنا بمختلف الأنشطة اقترابًا أو ابتعادًا، حبًا أو كراهية.. تساعدنا كثيرًا في الوصول إلى مفهوم سهل وفعال للهوايات. وممارستنا لسلة الأنشطة، لا تنفك عن وصفين اثنين غالبًا؛ حيث يمكننا وبكل سهولة تقسيم ما نقوم به من نشاطات إلى:
1- أنشطة نمارسها بدوافع ذاتية ورغبة حقيقية نابعة منا دون اضطرار أو إجبار من طرف آخر، بغض النظر عن أهمية تلك الأنشطة أو ضرورتها أو درجة حاجتنا إليها.
2- أنشطة نمارسها دون رغبة منا وبدوافع غير ذاتية، وتمثل حاجتنا أو اضطرارنا أبرز دوافع قيامنا بها، وقد يكون ذلك بإجبار وإكراه وإن كان إكراها اجتماعيًا كحالات العادات والتقاليد.

(2)
إن الهوايات هي كل ما نقوم به من أنشطة ذات امتدادات في نفوسنا وتهواها أفئدتنا وقلوبنا، ولا تقتصر على الأنشطة الترفيهية، وليست مجرد أنشطة إضافية تمارس في أوقات الفراغ وفي عطلات نهاية الأسبوع.. لكنها مجمل أنشطتنا المرغوبة والمفضلة.. معرفية ورياضية والمهنية وإنسانية. وتمثل الهوايات بمفهومها الجديد، فرصة لاستعادة التوازن وتصحيح المسارات المعرفية والمهنية والاجتماعية لمن هم بحاجة إلى تصحيح، لا سيما ممن استهلكتهم عجلة الحياة في مبتدر الصبا، ولم تمنحهم مساحات كافية للتأمل والاختيار والمفاضلة، سواء كان ذلك في مرحلة الاختيارات الدراسية، أو المهنية فيما بعد، أو الاجتماعية والإنسانية أيضًا. ومن أبرز تصنيفات الأنشطة وأكثرها شمولًا، ما أوردناه في دراسة “نحو مفهوم جديد للهوايات”، حيث قدمنا تصنيفا رباعيًا:
– أولًا: المعرفة، في صدر الأنشطة المفضلة. رأينا أن تكون المعرفة أول أقسام الهوايات.. وينتج الارتباط بين الهواية والمعرفة ما يمكن أن نطلق عليه الهوايات المعرفية، وتشمل حسب النموذج المشار إليه، جميع الأنشطة المعرفية المفضلة من قراءة واستماع ومشاهدة.
– ثانيًا: الرياضة، وتأتي تالية للمعرفة، وتشمل جميع الأنشطة الرياضية المفضلة، بما فيها المشي والركض وركوب الخيل والدراجات.
– ثالثًا: العمل: وتأتي الهوايات العملية/ المهنية ثالثة في الترتيب بعد المعرفة والرياضة، وتشمل جميع ما نهواه من أنشطة مهنية وإنتاجية.. ولعل قسم العمل من أهم ما يميز فكرة النموذج، من حيث توسيع مفهوم الهواية من مجرد الترفية والتسلية لتشمل الأعمال الجادة أيضًا. إن العمل امتداد طبيعي للمعرفة ومرحلة من مراحلها.. ويظهر هنا مدى ترابط تقسيمات الهواية في نموذج آسك.. وإذا كان العمل معرفة، فإن الرياضة نفسها عمل، وقد تكون مرهقة ومكلفة بدنيًا ونفسيًا أيضًا.
– رابعًا: التطوع، يمثل القسم الرابع في تصنيف الهوايات، أبرز حلقات الوصل ما بين الأنشطة والرغبات؛ إذ إن التطوع لا يمارس إلا برغبة بخلاف الأنشطة الثلاث السابقة، بما فيها الرياضة نفسها وإن كانت ترفيهية في معظم الأحوال، إلا أن اللاعب قد يقاد إليها مجبرًا لا بطلًا.. وأكثر ما يربط التطوع بقسم الهوايات العملية، والتطوع عمل وإن كان ثمة تباينًا ففي الدوافع والمقابل المادي.

(3)
تتطلب برامج تعزيز الهوايات، توفر أدوات جيدة لاكتشاف مواهب الطلاب وميولاتهم المعرفية والمنشطية الأخرى. وبمقدار جودة الأدوات وفاعليتها، وحداثتها، يكون تجاوب الطلاب، وتفاعلهم مع البرامج المقدمة واستفادتهم منها. ويرجع الاهتمام الكبير بأنشطة تنمية القدرات إلى نشطاء “التنمية البشرية” وجهودهم المستمرة في التأكيد على أهمية اكتشاف الذات وتنميتها، والتخطيط للأنشطة ووضع الأهداف، إضافة إلى تركيزهم على سلة موضوعات نفسية من قبيل الثقة بالذات والإيجابية والأمل، وربط كل ذلك بالنجاح الشخصي والمؤسسي. وقد مثل نشطاء التدريب في كل بلد على حدة، دور المجسر لعلاقة المدارس والجامعات التقليدية بمؤسسات أخرى ذات تأثير كبير في ساحة الفعل التثقيفي والتربوي، ولم تكن الجهات الإعلامية وحدها من استفاد من عمليات التجسير، بل استفاد منه بدرجة أكبر نشطاء المجتمع وهواة الأعمال الخيرية أيضًا. كتب ناشط في الفضاء التربوي بالسودان: «بغض النظر عن السن والدراسة، كلنا بحاجة إلى تشجيع وتحفيز، لكن الأطفال أكثر حاجة لمن يهتم بهواياتهم ومبادراتهم حتى لو كانت بسيطة في نظرنا». ويضيف: «إن اهتمامنا بهم يعتبر أكبر دافع يصنع الثقة في نفوسهم، ويحفزهم لتحقيق رغباتهم وآمالهم».

(4)
تتنوع الأنشطة التربوية بالمدارس، وتتعدد أساليبها، وإن كانت مشتركة في هدفها العام بتخريج طالب أكثر معرفة بذاته وقدراته، وذي قدرة على المواءمة بينها وبين اتجاهاته المعرفية والمهنية مستقبلًا. يقول الأستاذ إبراهيم يوسف: “للاهتمام المبكر بهوايات الطلاب وميولهم تأثير جيد في اختياراتهم الدراسية والمهنية مستقبلًا، ونحن بحاجة لمثل هذا الاهتمام الذي يساعدنا في اختيار أفضل ما يناسب قدراتنا وميولنا”. ويقول حسن عبدالله حسب الله، طالب التربية بجامعة كردفان السودانية: «إن ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺍﻟﻌﻤﻞ عادة ما يبحثون عن ﺑﻌﺾ ﺍﻟﻤﻬﺎﺭﺍﺕ ﻭﺍلقدرات كاﻟﺘﺨﻄﻴﻂ ﻭﺍﻟﺘﻨﻈﻴﻢ ﻭﺍﻟﺘﻔﻜﻴﺮ، ﺃﻭ ﺣﻞ ﺍﻟﻤﺸﺎﻛﻞ ﻭﺗﺤﻤﻞ ضغوط العمل، ويفترض في الأنشطة التربوية التركيز ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﺪﺭﺍﺕ ﻭﺍﻟﻤﻮﺍﻫﺐ ﻭﺍﻟﻤﻬﺎﺭﺍﺕ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺃﻱ ﺷﻲﺀ آﺧﺮ». وحتى نحقق فاعلية أكبر لأنشطتنا التربوية، لعلنا بحاجة مستمرة إلى:
1- التعرف على ملكات الطلاب وقدراتهم وهواياتهم، وآلية ذلك أن نستخدم أدوات أكثر جودة وحداثة في اكتشافها، ونستفيد من المتاح من الكتابات ذات الصلة، وبرامج التدريب وتنمية القدرات، وإن كانت لنا ملاحظات وتحفظات على بعضها شكلًا ومحتوى.
2- الاهتمام بالتكامل في تنمية مواهب الطلاب (ذهنية، بدنية، نفسية) عبر أنشطة متنوعة ومتوازنة؛ لصياغة شخصيات متكاملة محبة للحياة والخير والجمال، وذات طموحات معرفية متوازنة.
3- الاتجاه إلى تخصص ودائرة منشطية أصغر في إطار الهوايات والاهتمامات نفسها؛ لتحقيق مخرجات ونتائج أكثر جودة. ويتحقق التطور بالتركيز في مجال محدد، ومن ثم توسيع دائرة النشاط والانطلاق إلى فضاءات أكبر.

– خطة الانشطة الأربعة:
في أنشطة تطوير الهوايات، عادة ما نفتقر إلى أدوات وخطط من شأنها تعزيز التعلم وتحقيق قدر عال من الفاعلية والتأثير، فضلا عن عدم توفر أدوات جيدة لقياس النتائج. فيما يلي، سنتعرف على خطة مقترحة لبرامج التنمية الذاتية، في مسعى لتعزيز نجاحات البرامج الجارية، والتمهيد لأفكار جديدة في ذات الميدان. تفترض “خطة الأنشطة الأربعة” أن عامة أنشطتنا الشخصية قابلة للتصنيف تحت أربعة عناوين رئيسية، ويضم كل منها تفاصيل وأمثلة قد تتباين لدى الأشخاص، لكنها متجانسة بدرجة عالية في العناوين الكبيرة. وتعتمد الخطة على مفهوم جديد للهوايات، يعرف الهوايات بأنها جميع الأنشطة المفضلة للشخص، ويصنفها إلى أربعة أنواع هي المعرفة والرياضة والعمل والتطوع. وتأسيسا على التصنيف المشار إليه، فإن المعرفة تمثل العنوان الأول في “رباعية الأنشطة” وتليها الرياضة، فالعمل، ثم التطوع. وأقصد بالمعرفة كل الأنشطة المتصلة بالتعلم والتحصيل المعرفي، بغض النظر عن أدوات التعلم ووسائله، وما إذا كان مؤسسيا نظاميا أم حرا مفتوحا.. أما الرياضة فأقصد بها “كل الأنشطة المتعلقة بالرياضة والترفية والألعاب، بمختلف صورها وأنماطها”. وأعني بمنشط العمل “جميع الأنشطة المهنية والإنتاجية، وكل ما يطلق عليه عملا في العادة”.. ويلي العمل، النشاط التطوعي وإن كان في حقيقته، نوعا من ضروب العمل، إلا أن طبيعته ودوافع الإقبال عليه عادة ما تكون مختلفة عن العمل التقليدي الهادف إلى تحقيق عوائد مادية محددة.

في خطة الأنشطة الأربعة، يهتم (المعلم/ المدرب) بالتعرف على طبيعة وتفاصيل كل من الأنشطة الأربعة لدي كل (متدرب) على حدة، في محاولة من الخطة للتخلص من عادة “الوصفات السحرية” الشائعة في كتب ودورات التنمية الذاتية. إن تطبيق خطة الأنشطة الأربعة من شأنه بناء تواصل أكثر جودة بين المدرب والمتدرب؛ حيث يشعر الأخير بملامسة البرنامج التدريبي لأنشطته الفعلية ومخاطبته لما وراءها من احتياجات. على سبيل المثال، فإن التعرف على الأنشطة المعرفية الجارية للمتدرب يمنحه فرصة لاكتشاف ما يربط بينها من صلات وعلاقات، والتعرف على ما تعبر عنه من قدرات وملكات.. فضلا عن لفته إلى الاهتمام بمدى علاقتها بما يطمح إليه مهنيا واجتماعيا. تهتم الخطة بما يتوفر من علاقات بين الأنشطة الأربعة للمتدرب؛ للتعرف على العلاقات الداخلية بينها، وما يربطها مجتمعة بما يطمح إليه المتدرب من نجاحات في المستقبل. ويعد اكتشاف العلاقات بين المفردات مرحلة متقدمة في التعلم والمعرفة تتطلب تفكيرا وتأملا وجهدا ذهنيا، مما يدفع بقدرات المتعلم وينميها.

إن أنشطتنا الجارية ليست سوى شخصياتنا، بكل ما نملكه من قدرات، وما نمتاز به من خبرات وجدارات، وما نطمح إليه من نجاحات.. ولعل “خطة الأنشطة الأربعة” محاولة مهنية لتقديم (تقنية) سهلة من شأنها تعزيز نجاحات البرامج التدريبية ذات الصلة، وتحفيز شركاء التدريب ودعم جهودهم الهادفة إلى تنمية الإنسان. وقد علمتنا التكنولوجيا أن تغييرا طفيفا في إعدادات الهاتف مثلا، قد يمنحنا نتائج مبهرة، وتغيرا كبيرا في واجهة التلفون ووظائفه.. وقل مثل ذلك في الريسيفر وغيره من أدوات العصر. وفي حقل التعليم والتعلم، نحتاج إلى سلسلة عمليات ﻹعادة ضبط المصطلحات والإجراءات والأنشطة والخطط، بغرض تحريرها من أسر السنين، ومن تراكم المفاهيم الخاطئة أو غير الفعالة. إن كل ما نبذله من جهد في ميدان التعليم، لن يقتصر أثره في نفس الدائرة فحسب، بل سيتعداها إلى جميع الحقول والأنشطة والمجالات.

– تعزيز حب المعرفة:
إن ثمة تغيرًا كبيرًا ينتظر أن يضيفه نموذج “ASC” فيما يتعلق بنظرة الطالب للمعرفة، و”تحسين مستوى الاهتمام بها”، حسب تعبير طالب بالثانوية. ويهدف النموذج من وضع النشاط المعرفي في سلة هوايات الطالب، إلى ترقية المعرفة والتعلم إلى مرتبة الأنشطة المحببة، أسوة بالرياضة والترفيه. إن ما يقوم به “ASC” محاولة لتوظيف العقل الباطن في ربطه بين المفردات والأحداث، وإنتاجه مشاعر متماثلة برابط التزامن. ولك أن تتخيل ما سيجنيه مستخدم النموذج وهو يقبل على المعرفة كنشاط مفضل في سلة هواياته، وما يرسخه من حب المعرفة لدى مستخدميه. يقول الدكتور عبد الكريم بكار في إحدى تغريداته: “كنت أبحث عن معيار حقيقي للتقدم الحقيقي، فوجدته في رقي أخلاق النخب، وشغف الناس العاديين بالعلم والاكتشاف”. قد تكون مهمة المعلم في ترسيخ “حب المعرفة” شاقة بدرجة كبيرة؛ نسبة لما تصنعه البيئات الاجتماعية من معاجم الواقع، وتحديدها لأوزان الأشياء وأدوارها، ومن ذلك المعرفة بالطبع. إن تأكيدنا على صعوبة مهمة المعلم، ليست سوى تنبيه؛ حتى لا تتخطفه أياد اليأس حين يتبنى معظم الطلاب تفسيرات الواقع المزرية بالمعرفة والتعلم، ولا يحطمه الإحباط وهو يشاهد تباين الأوزان بين أهل “العلم والمعرفة” وأهل “الكرة والأوتار”.

– الإتقان وليد الشغف:
“إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه” حديث شريف
إن حب العمل لا ينفصل عن «حب للمعرفة»؛ بالنظر إلى أن «العمل» نفسه ليس إلا ضربًا من ضروب «المعرفة» ودرجة من درجاتها. ولنا أن ننظر إلى العمل بوصفه تطبيقًا للمعرفة، ومنتجًا لها في نفس الوقت. إن إتقان العمل درجة أرفع من مجرد أدائه، ولا تخفى صلة ما بين الإتقان وحب العمل. إن المتقن لعمله المتفاني فيه هو ذلك المتعلق بمهنته ومجاله، الشغوف بهما، لا ذلك المؤدي لمهامه بدافع الواجب في أحسن الأحوال، إن لم يكن مجبرًا عليها ومضطرًا. إن اهتمامنا بترسيخ «حب المعرفة» والشغف بها في نفوس الطلاب مبكرًا وهم في أطوار التشكل والنضوج، يتسق مع رغبتنا في التعامل معهم، فيما بعد- كمهنيين ومختصين أكثر حبًا وشغفًا لأعمالهم بمختلف ضروبها، بغض النظر عما تصنعه معاجم المجتمع ولغة الواقع من تصنيف وتمييز بين الأعمال والمهن. إن من ينشأ في حبٍّ للعلم والاكتشاف، سيكون محبًا لتطبيقات ما تعلمه في المستقبل، بوصفها مجرد خطوات جديدة في مشوار التعلم، وحلقات معرفية جديدة يزين بها صدره، وينير بها ذهنه، وينفع بها الناس.

– تصحيح المفاهيم:
إن تجديد مفهوم «الهوايات» لا تقف إيجابياته عند مرحلة «المعرفة»، لكنها تمتد إلى صويحباتها الأخريات في سلة هوايات الطالب. وبالاطلاع على النموذج تجد العمل work تاليًا للمعرفة والرياضة، ويليه التطوع، وإن كان الأخير عملًا أيضًا، ولا يختلفان إلا في المقابل والدوافع. يقول أحد مستخدمي «ASC» وهو طالب في جامعة غرب كردفان السودانية: «لا يقف النموذج عند مساعدتنا في اكتشاف هواياتنا المعرفية والمهنية، بل يطلب منا معرفة ما بينهما من علاقات أيضًا». ويعمل «ASC» على اكتشاف ما بين هوايات الطالب المعرفية والمهنية من صلات وروابط من شأنها نقل شغفه بالمعرفة إلى شغف مماثل وحب للعمل. ومن المهم أن تنطلق جميع أنشطة الهواة من (فكرة) ورسالة ثقافية. إن جهود ترقية الأنشطة وتطويرها، ينبغي أن توجه أولا إلى ذات الإنسان (الهاوي)، لا إلى انشطته وأدواته؛ وذلك حتى نحصل على أنشطة وإنتاجات متصلة برسالة الفرد في المجتمع. إن تمليك الهواة مفاهيم صحيحة للهوايات وما يتصل بها، يمنحهم إحساساً بمكانتهم في المجتمع، وفي رحلة التنمية والتقدم.. وفي ذلك تكريم عال؛ يحررهم من ثقافة الجوائز، إلى ثقافة الالتزام الذاتي تجاه هواياتهم. بتكامل “أفكار” الهواة، وارتباطها باحتياجات “المجتمع” تنمو الأنشطة نموا مرتكزا على نمو الإنسان نفسه، وهل من نمو دون معرفة؟

في أنشطة التدريب، تستخدم مفردات كثيرة، بمعان غير محددة، لا سيما في ساحات الإعلام وميادين التعليم، دون مراعاة لما قد يرسبه تداولها من مفاهيم خاطئة. يستهلك الإعلاميون مفردات الموهبة والإبداع أكثر من غيرهم، بينما يفرط المدربون في استخدام مفردات التميز والمهارة والنجاح، بنبرات عاطفية من شأنها خلق أجواء جيدة حول المستمع ريثما يعود إلى مناخه الطبيعي خارج قاعات التدريب.

الإبداع: هو الخلق والابتكار والإضافة، وليس تلك الوسائل والأدوات، كالرسم والكتابة والشعر والإلقاء ونحوها من المعبرات التي توحي بأن هناك روحًا خلاقة كامنة خلفها. إن الكتابة والشعر والرسم والإلقاء أدوات ووسائل للتعبير عن قدرات وملكات، وأرصدة ثقافية ومعرفية، يؤدي الشخص على ضوئها أنشطته الحياتية، وقد يعبر عن ذلك ببعض المعبرات، كالرسم والشعر ونحو ذلك. أما المهارة، فإنها ليست نشاطًا مستقلا، وإنما هي درجة إجادة في أداء الأنشطة، وهي أقرب أخواتها وأكثرها صلة بالواقع إن أحسنا التعامل معها ووضعناها في سياقها ودرجتها. إن العلاقة بين الأشياء والروابط الواصلة بينها، أكثر قيمة بطبيعة الحال من معرفتها متفرقة.

يستخدم الإعلاميون صفة “موهوب” و”مبدع” بمعنى “ماهر” ، وتختلط في لغتهم المواهب بالهوايات، ويجري دمج الملكات في الأنشطة، برغم أهمية التفريق بينها في ميدان التعليم. ويستهلك“نشطاء التنمية البشرية” مفردة التميز تسويقيًّا لكسب أعداد أكبر لدورات ومحاضرات يقدمها مدرب (متميز) على حد وصفهم. في عالم التسويق، يستحوذ المروّج على عواطف الجمهور، بمستوى يسمح له بالتعبير عن آرائهم في السلعة المنتجة أو الخدمة المقدمة. وهذا بالضبط ما تقوم به مراكز التدريب حين تبهر المستهدف بصورة المدرب وشخصيته وجوانب من سيرته (الخارقة). في مناسبة ذات صلة بموضوعنا سألت أحد أصدقائي اللامعين في المجال عن عدم تحديدهم للفئات العمرية أو المهنية المستهدفة بمعظم الدورات التدريبية المعلن عنها. فقال لي: بكل أسف، هذه رغبة المراكز ورؤيتها التسويقية.

إن استخدامنا التعليمي والتدريبي لبعض المفردات، يغلب عليه الاستعراض، والعزف بالمصطلحات، دون مراعاة للطرف الآخر، شريك العملية التعليمية، والمستفيد المفترض منها. ولعل التركيز على هوايات المتدربين، والعمل على تنميتها وتعزيزها، أكثر فاعلية في زيادة مستوى الإجادة، ولا قيمة لأنشطة تؤدى بأعلى درجات المهارة، إن لم تكن في دائرة الهوايات.

– المعرفة نشاط مفضل:
في رحلة تعزيز التعلم، عادة من نفتقر إلى أفكار كلية وتصورات ورؤى، قبل احتياجنا إلى أدوات وخطوات التحصيل المعرفي. وبما أن التعلم في مجمله جهد ذهني مضن، وبطيء النتائج في ذات الوقت، فإن توفير مبررات كافية يصبح من الأهمية بمكان، في ظل التنافس الشرس للاستحواذ على أوقات الطلاب على وجه الخصوص وجذب اهتماماتهم إلى ساحات أخرى أكثر بريقا وأوفر إثارة من ميادين التعلم.

بحسب “نموذج ASC لاكتشاف الهوايات” فإن الهوايات Hobbies عبارة عن سلة الأنشطة المفضلة للشخص، وهي في عمومها حسب النموذج، ذات أربعة أقسام تتصدرها “المعرفة” وما يتصل بها من أنشطة التعلم والتحصيل العلمي، بمختلف أدواته وقوالبه وإطاراته. إن ما نطمح إليه من نتائج جيدة وتغير كبير في أداء الطلاب، قد لا يكون بنفس سرعتنا في صياغة الأفكار وإعداد الخطط وتقديم البرامج، لكن المهم قطعا هو نجاحنا في إحداث مستوى من التغيير في مفاهيم المتعلمين، وإعادة رسم الصور الذهنية، في خطوة وصفناها بعملية إعادة “ضبط الإعدادات”. ولعل الاختراق المهم هنا أن يستقر في ذهن الطالب أن المعرفة نشاط مفضل ضمن سلة أنشطته وبرامجه المعتادة، وليست عبئا ثقيلا وجهدا لا يطاق.

عمليا، عندما نطلب من الطلاب تحديد أبرز هواياتهم المعرفية، تتوارد إجاباتهم بسلاسة متسقة مع أعمارهم ومستوياتهم الذهنية، وتتكشف بشكل تلقائي، ميولاتهم الدراسية، ودرجات التفاوت في حبهم لما يتلقونه من مواد ومقررات. إن الكشف عن تفضيلات الطلاب قد يساعدنا في معالجة ما يواجهونه من صعوبات أكاديمية، أو ما يعانونه من صعوبات في التواصل مع مدرسي بعض المواد، فضلا عن توفير ما تتطلبه بعض الدراسات من أدوات، قد يكون توفرها سببا حاسما في ارتباط الطلاب بها وحبهم لها وتفوقهم في تعلمها. وقبل أن نلومهم على الانصراف عن التعلم والمعرفة، يجدر بنا أن نغرس في نفوسهم أن المعرفة نشاط مفضل وهواية ممتعة. إن النقلة الحاسمة في مسار التعلم، قد تكون فكرة أو مفهوما concept فعالا يتبناه المتعلم ويقيم عليه بناءه المعرفي. والملاحظ أن غالب جهودنا في مجال (التعليم والتعلم) إنما تتركز على تكثيف الأنشطة من ناحية، أو التعويل على صور التعلم كإجراءات جوفاء فاقدة للروح والمضامين.

في برامج اكتشاف الهوايات، يقف المدربون على مؤشرات هامة فيما يختص بقدرات المتدربين (الطلاب) واستعداداتهم الذهنية والنفسية.. وذلك من خلال التعرف على مختلف أنشطتهم الجارية، ومنها بطبيعة الحال (الأنشطة المعرفية) وما يتصل بالتعلم والتثقف والمعرفة. يميل الطلاب ذوو النشاط البدني والاجتماعي المحدود إلى أنشطة التعلم بشكل أكبر، بينما تقل مساحات التعلم لدى الأكثر نشاطا، لصالح الأنشطة البدنية والاجتماعية، هذا بصفة عامة وإن كان بعضهم أقدر على التوازن من سواه. من المهم أن نشجع الأكثر رغبة واستعدادا على المضي قدما، وأن نعمل على دعمهم وتزويدهم بما يعزز استعداداتهم تلك ويحفزها باستمرار.. وذلك من خلال المقترحات التالية:
1- إن أول ما يحتاجه المتعلم الراغب في تميز معرفي ذي قيمة، أن نساعده في رسم صورة ذهنية جيدة لمشروعه المعرفي وما ينتج عنه من صفات معرفية محددة، ولا بأس من طرح ذلك في شكل سؤال كبير تمثل الإجابة عنه ملخصا للصفات المراد الوصول إليها وتمثل في ذات الوقت “طموحات معرفية” للمتعلم.
2- يتطلب تحقيق طموحاتنا المعرفية وجودنا في “ميدان ما” أو مجال مهني محدد تتراكم فيه معرفتنا النظرية والتطبيقية باضطراد، حتى نبلغ مستوى يؤهلنا للمساهمة في حل مشكلاته أو تطوير أدواته وتقنياته. ويمثل مجالك المهني ساحة لتعزيز التعلم وميدان للإسهام المعرفي في ذات الوقت.
3- إن اختيارنا للمسارات الدراسية ليس سوى اختيار مهني، وإن كان أوليا وغير حاسم في كثير من الأحوال.. ومما يجدر بالطالب وهو في مراحل دراسية وعمرية مبكرة، أن يعمل على اكتشاف ميولاته وهواياته بشكل مستمر؛ ليمهد لنفسه ويساعدها عند الاختيارات الدراسية والمهنية الحاسمة.

– تحليل شخصية المتعلم:
بحسب مؤشر MBTI الشهير لأنماط الشخصية، فإن سمة (الإنجاز) تعد نمطا شخصيا في مقابل صفة (التشتت) وهما صفتان عبر عنهما المؤشر في محوره الرابع تحت عنوان (الترتيب). وتقدم أنماط الشخصية عموما، صورة حالية للوضع الغالب والاعتيادي في تصرفات الشخص، بحيث يمكننا البناء عليها في تواصلنا معه، وتجنب الاصطدام. وتعبر الثقافة الشعبية عن الأنماط بالعادات، وترى أن “العادة جبل” تأكيدا على رسوخها وتعذر تغييرها في غالب الأحوال..

في برامج التدريب وتنمية القدرات، عادة ما تواجهنا صعوبات كبيرة في الانتقال بالمتدربين من التفاعل التدريبي القصير، إلى تواصل مستمر لفترات أطول، وبالتالي إتاحة فرص أكبر للانتقال من نقطة إلى أخرى، وتحقيق نتائج ذات قيمة أكبر. في الواقع تتوفر رغبة كبيرة لدى معظم المتدربين، لتحقيق نقلات وإنجازات، لكن واقع الحال يؤكد أن الانتقال قدما لا يتحقق بمجرد رغبات صادقة، أو الحصول على دورات احترافية عالية القيمة. وتكتسب دراسة الأنماط الشخصية أهمية كبيرة؛ حيث تعمل على نقلنا من مجرد التركيز على تحصيل كم معلوماتي، إلى نقطة أعمق بالنظر إلى طبيعة ما تتطلبه شخصياتنا من تعديلات في (الإعدادات) أو جهود لتحقيق درجة من التوازن. إن ما يواجهنا من صعوبات في التقدم الشخصي، وإنجاز الأعمال، ذو صلة مباشرة بأنماط شخصياتنا وما يسيطر علينا من (تلقائية) وعدم قدرة على التأني والالتزام والاستمرار في مشروعات طويلة نسبيا. وتعد سمة (الاستعجال) والاندفاع لتحقيق نتائج سريعة، والتحرك بدوافع المنافسة والانتصار، من أبرز ما يحول بيننا وبين تحقيق نتائج ذات قيمة.. وما لم نعمل على معالجة المشكلة الحقيقية بكل وضوح وحزم، فإن الوصول إلى نجاحات حقيقية سيظل أمنية وحلما مهما توفرت لنا من أدوات وفرص. وتهدر كثير من جهودنا في التعلم على وجه الخصوص، والعمل والعلاقات، بسبب عامل جوهري يتصل بعدم معرفتنا وعدم (اهتمامنا) بأنماط شخصياتنا أو شخصيات من نتفاعل معهم، في خضم انشغالنا المستمر بما يحقق أسرع نتائج وأفضل بريق.

– ثلاث أدوات:
ولنقترب من هواة المعرفة؛ لنتعرف على أبرز قدراتهم وملكاتهم، ونكتشف أنماط شخصياتهم، واحتياجاتهم النفسية الدافعة لممارسة الهوايات والشغف بها.. ودورها في تعزيز هواية التعلم لديهم. لتحليل شخصيات “هواة المعرفة”، نستخدم حزمة أدوات وتطبيقات، بحيث تعرفنا كل أداة، على جانب أو أكثر في شخصية “هاوي المعرفة”. سنستخدم كلا من نموذج ASC ومؤشر MBTI وأسلوب الاحتياجات النفسية الستة، حيث يتميز آسك بخاصية اكتشاف العلاقات بين القدرات والأنشطة والميول، بينما يمتاز مؤشر مايرز بريغز بتركيب نمط code الشخصية من دراسة عدة محاور.. أما تحليل الاحتياجات النفسية، فيقدم لنا تفسيرا لدوافع السلوك، ويمنحنا إجابة عن “لماذا نفعل ما نفعله”.

حسب نموذج ASC فإن هواة المعرفة، هم من تسيطر الأنشطة المعرفية وأنشطة التعلم على معظم اهتماماتهم، وتبدو قدراتهم وملكاتهم الذهنية أكثر بروزا، وتظهر طموحاتهم في قوالب غير مهنية، حيث يطمح معظمهم لأن يصبح مخترعا، مكتشفا، مطورا، ونحو ذلك من صفات العلماء والباحثين. ونلاحظ تناغما كبيرا بين كل من نموذج آسك ومؤشر الأنماط، حيث يطلق المؤشر وصف “العالم” على أصحاب النمط INTJ ويعني أن الشخص أكثر ميلا للنشاط الداخلي (التفكير)، وأكثر استخداما للخيال، ويتخذ قراراته بعقلانية، ويتصف بالحسم والإنجاز. في نموذج آسك كان ناتج العلاقة بين القدرات الذهنية والانشطة المعرفية، طموحات “عالم”.. وفي مؤشر الأنماط كان نمط “العالم” نتاجا لتفاعل سلة صفات شخصية، من بينها التفكير، الخيالية والعقلانية. ويأتي استخدام الأداة الثالثة (تحليل الاحتياجات النفسية)، أكثر تناغما مع كل من الأداتين السابقتين (النموذج والمؤشر) ؛ حيث يميل “هواة المعرفة” عادة، للبحث عن أكثر الأماكن هدوءا وأبعدها عن الضجيج والصخب، ويتناسب هذا الميل مع المكون الأول في نمط العالم “النشاط الداخلي” ويتماهى مع طبيعة ميولاتهم البحثية.. ويمثل “اليقين” certainty (الثبات، الأمان، التحكم،…) احتياجا نفسيا عاليا لدى هواة المعرفة والتعلم والبحث، إلى جانب احتياجهم النفسي الأبرز “النمو” growth (التعلم، التطور، التقدم).

إن تحليل شخصيات الهواة، يمنحهم رؤية أوسع مدى، ويحفزهم على الاستمرار بوعي وثقة.. ويتيح أمامهم فرصا أفضل لتعزيز هواياتهم، لا سيما “هواية المعرفة”.. وطريقنا نحو “تعزيز التعلم” عادة ما يبدأ عند اكتشافنا لقدراتنا، وما يتصل بها من أنشطة وهوايات، مرورا بالاختيارات الدراسية والمهنية المرتبطة بميولاتنا واستعداداتنا.. ومن ثم بوجودنا في مجالات مهنية متصالحة مع شخصياتنا، وأخيرا بمدى قدرتنا على الانتقال من صورة المهني التقني أو مجرد الممارس لمهنة ما، إلى خانة المهني الباحث المساهم في تعزيز المعرفة في مجاله، وتقديم حلول لمشكلات المجال وتطوير أساليب العمل.

– خاتمة:
1- كن وفيا لهواياتك:
وفاؤك لهواياتك، يعني أن تحافظ على مستوى سعادتك ورضاك وتوازك النفسي تجاه مختلف ما تقوم به من أنشطة طوال يومك وعامك وحياتك.. وفاؤك لهواياتك يعني أن تستمر في اغتراف مزيد من المعرفة المفضلة لديك وذات الصلة بشخصيتك ورسالتك ومشاريعك، لا تلك الشائعة في الأسواق والمكتبات والقنوات.. ارتباطك بهواياتك ووفاؤك لها يعني أن ترتاض بما يناسبك لا ما تفرضه المجموعة والرفقة أو المؤسسة.. وبنفس القدر والارتباط في أنشطتك المهنية والاجتماعية. إن وفاءك للهوايات، ليس سوى أسلوب سهل وفعال للالتزام تجاه ذاتك وعملك ومجتمعك.. التزام تجاه نجاحك.

2- نحو تميز معرفي:
للتعرف على خطوات بناء “المشروع المعرفي الشخصي”، أحيل هواة المعرفة إلى مقال سابق، بالمجلة الثقافية الجزائرية، بعنوان “أسرار التميز المعرفي”، أجبت فيه عن أسئلة (لماذا نتعلم، كيف نتعلم، وعلاقة المعرفة بالأنشطة المجتمعية)، وقدمت مقترحات لتحقيق التميز المعرفي.
———————–
* معلم سوداني

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق