ثقافة المقال

عندما نكون بلا رأي

د. نيفين عبد الجواد

كتب الأديب والمفكر المصري أحمد أمين [1886-1954م] في النصف الأول من القرن العشرين في مقاله (الرأي والعقيدة): ” ليس ينقص الشرق لنهوضه الرأي، ولكن تنقصه العقيدة؛ فلو مُنح الشرق عظماء يعتقدون ما يقولون لتغير وجهه وحال حاله، وأصبح شيئًا آخر”.
وهكذا منذ أكثر من سبعين عامًا كان هناك من يُرجِع سبب عدم نهضة بعض البلدان والمجتمعات إلى الافتقاد إلى العقيدة وإلى الاعتقاد الراسخ الذي يترجم المعتقد العقلي والقلبي إلى قول يَصدقه الفعل، وذلك على اعتبار أن تلك المجتمعات لا ينقصها أصحاب الرأي الذين هم كثر ولكنهم ليسوا للأسف أصحاب عقيدة ومن ثم فإنهم يغيرون آراءهم ولا يثبتون على رأي، وإن تبنوا رأيًا ما فهم لا يوقنون به ومن ثم لا يعملون بمقتضاه.
فإذا كان أصحاب الرأي ليسوا أصحاب عمل ويكتفون غالبًا بالقول القائم على المعرفة والمبني على الدليل الذي قد يتغير فيتغير الرأي تبعًا له، فإن هؤلاء بالتالي لن يكونوا على يقين دائم فيما يظنون أنه الحق والصواب، ومن ثم لن يكونوا مناضلين أو مدافعين بما فيه الكفاية عن آرائهم ما دامت لم تصل بعد إلى درجة الاعتقاد اليقيني الراسخ.
فماذا تحتاج المجتمعات بصفة عامة كي تنهض وتتقدم؟ هل تحتاج إلى وجود أصحاب الرأي أم إلى أصحاب العقيدة أم إلى كل منهما معًا؟
إن الرأي والعقيدة كليهما يتطلبان درجة من المعرفة والعلم، بينما تتميز العقيدة على الرأي بضرورة وجود الإيمان الذي إن كان قلبيًّا فقط ولم يكن عقليًّا فلن يكون مصحوبًا بأي دليل أو برهان، ومن ثم سيكون ضعيف الحجة والإثبات وغير قادر على المحاججة وأكثر ميلًا إلى تقبل الخرافات والأقاويل غير العلمية، ومن ثم أكثر مرونة في الاتباع والتقليد وأكثر رفضًا للحرية بكل أنواعها ودرجاتها. فبصيرة الفؤاد أساسها إعمال العقل، واليقين لا يتولد صدقًا في القلب إلا إذا كان العقل قد تفكر وتدبر بعد تأمل.
وإن كان هذا النوع من الإيمان القلبي بدون أي إعمال للعقل والذي يتبناه عوام الناس من قليلي الثقافة ومحدودي العلم يتميز بالثبات والاستقرار إلا إنه لا يتميز بالقوة أو بالتأثير؛ لذلك فإنه لا ينتشر إلا بين صفوف تلك الفئة وحدها ولا يمكنه أن يتخطاها لما هو أرقى وأفضل منها. وأصحابه برغم ثبات عقيدتهم المتوارثة إلا إنهم غير مؤثرين على نطاق واسع وكبير، بل إنهم هم الفئة المهمشة التي يسهل انجذابها لأي تيار وتحريكها تبعًا له حركة لا تختلف كثيرًا على المدى البعيد عن السكون الذي لا يعود بأية فائدة على أفرادها.
وبالرغم من أن أصحاب الرأي هم قلة من البشر في كثير من المجتمعات، إلا إنهم قادرون على التأثير وأحيانًا كثيرة على إحداث التغيير ما دامت تلك المجتمعات تتبنى حرية الرأي، وتؤمن بالعلم، وتربي النشء على حب المعرفة وكيفية تلقي العلم النافع. ومع إن أصحاب الرأي قد لا تتمتع آراؤهم بالرسوخ الذي تتميز به العقائد، بل وإنهم قد لا يلتزمون بفعل ما يتحدثون عنه ويدعون إليه إلا إنهم قد يتصدرون المشهد ما دام أصحاب العقائد من أولي العلم وممن يترجمون أقوالهم إلى أفعال قد تم إقصاؤهم بشكل أو بآخر.
لذلك فإن النهضة الحقيقية لأي مجتمع لا تقوم على كثرة أصحاب الرأي بل تعتمد على قدرة أصحاب العقائد من ذوي العلم على جذب الجماهير من أجل توعيتهم وإرشادهم. فما من مجتمع استطاع أن يتطور إلى الأفضل بدون رغبة حقيقية في المعرفة وفي التعلم، أو بدون مُناخ من الحرية يتيح تعدد الآراء التي يا حبذا لو تحولت إلى عقائد راسخة تحتكم إلى العقل ولا ترفض إعماله فيها كي تظل متجددة الرسوخ ومؤهَلة إلى دوام الاستمرار.
فمثل هذه المجتمعات التي تنشد تحصيل العلم بحرية والتي تسعى إلى العدالة ستحتكم إلى العقل والضمير معًا ولن تقبل الذل والخضوع والتبعية وآنذاك لن يكون هناك مجال للاستبداد أو البطش والطغيان. فكلما كان أصحاب العقائد في أي مجتمع من أولي العلم، وكلما كثر عددهم وكانوا هم في صدارة المشهد كلما كان من الصعب قهر أي مجتمع لأنه آنذاك سيقوده من يقدرون على اقتحام المخاطر والثبات أمام الأهوال صدقًا في الإصلاح فعلًا وقولًا.
أما المجتمعات التي تعاني من القمع والتضييق على كل صاحب رأي والأنظمة التي تنشد شعوبًا مطيعة طاعة عمياء فلا ريب أنها ستسعد برسوخ أية عقائد لدى العامة وسواد الناس ما دامت تلك العقائد متوارثة وغير قابلة لأي تفكير أو تمحيص، وما دامت ستضمن أن يظل أكبر عدد من الناس بلا إرادة وبلا رأي وبلا حركة فعالة، فيسهل توجيههم عن بعد عن طريق رجال الدين، وتخويفهم من أي تغيير، وترهيبهم من فكرة الاختلاف أو الانشقاق عن الصف الذي لابد أن يظل موحدًا تحت رأي واحد مقدس لا ثاني له مثل صاحبه وممليه صاحب القداسة الذي لابد أن يظل دائمًا هو الأوحد في الصورة بلا منافس أو منازع.
لذلك إذا كان الهدف هو تنشئة جيل راسخ العقيدة متفتح الذهن وقوي الإرادة وقادر على التفكير بحرية فلابد أولًا أن يسود المناخ الذي يتيح حرية الرأي وحرية التعبير فبدون ذلك لن يتم التمييز بين أصحاب الرأي وأصحاب العقائد؛ فما دام ليس هناك أصحاب رأي فلن يكون هناك أي وجود لأصحاب العقائد من أولي العلم، فالعقيدة رغم كونها ليست رأيًا متغيرًا ومتبدلًا إلا إنها لا يمكن أن تكون راسخة بدون أن يتمتع صاحبها بحرية الرأي وحرية التفكير. ولو عاش الأديب والمفكر المصري “أحمد أمين” في عصرنا هذا لانتابته الدهشة من أن المجتمعات التي كان يرى منذ عقود أنها تفتقد إلى أصحاب العقيدة قد أصبحت الآن للأسف تخلو من أية مساحة لأي رأي.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق