ثقافة المقال

فلسفة الكمال الإنساني عند الغزالي (1)

ميثم الجنابي

انطلق الغزالي من أن الإنسان قادر على بلوغ الكمال الأخلاقي كما هو الحال في مثال النبي محمد. لكنه أكد في الوقت نفسه على أن العظيم الكامل (النبي) هو العظيم في أمته. وبالتالي، فإنَّ المثال والمثالي هو النموذج الواقعي المتخلّق بالأخلاق المطلقة. إذ ليست النموذجية هنا سوى الحلقة الجامعة بين المطلق والعابر، والتي تنحلّ فيها حوافز التقديس العمياء، تماماً بالقدر الذي يصبح التقديس مثالاً للحقيقة الكاملة في نموذج الإنسان الحق والواقعي. من هنا تشديده على فكرة عظمة النبي في أمته. إذ كل عظيم، كما يقول الغزالي، ناقص بالإضافة إلى المطلق. أما الهيبة والاحترام والتبجيل وما شابه ذلك من مظاهر العظمة، فإنها تتهاوى وتندثر مقارنة بالمطلق. أما نموذجها الأرقى أو صيغتها الجامعة في الإنسان الكامل فتكون فيمن يوّحد “الآداب الظاهرة في الجوارح، والحقائق الباطنة في القلوب”. أي مبدئية الأخلاق الشاملة، ونموذجها العملي في ما أسماه “بكمال المعرفة وحسن السيرة” ومثالها في “الإنسان الذي لا تطفئ نور معرفته نور ورعه”.
فالغزالي لم يحصر نموذجية مثاله الإنساني في ميدان النفس الأخلاقية، بقدر ما أنه وجد فيها المقدمة الجوهرية للانطلاق صوب العالم الأوسع استناداً إلى الفكرة القائلة بأن الإنسان الكامل، هو الذي تسري صفات كماله في الوجود ككل. مما جعله يشدد على مهمته الإرشادية والإصلاحية، باعتبارها مهمته الكبرى. وكتب بهذا الصدد قائلاً، بأن الإنسان المرشد المصلح هو الذي يصير قدوة يقتبس من أنواره وعلومه، أي أنه لم يفرض هيبة التقليد والاستبداد في مثاله، بقدر ما أظهر منه قدوة المثال الأخلاقي والمعرفي.
إن مأثرة الفكرة الغزالية عن القدوة المثالية للإنسان الكامل تكمن في ربطه إياها بالقيم المطلقة لا بأشخاصها. وهي الصيغة التي نعثر على انعكاسها في موقفه من الحقيقة ورفضه كون الإنسان معيارها. بمعنى رفض فكرة أن يكون الإنسان معياراً لكل شيء ورفض تضييقها الإنساني وتحجيمها التاريخي. لهذا أكد على أنه لا ينبغي قياس الحقيقة بالرجال، بل الرجال بالحقيقة. وحتى حالما تكلم عن مثال الشخصية الكاملة في النبي محمد، باعتباره المثال النموذجي للإنسان الكامل، فإنه لم يفرضه كمثال مطلق. لهذا قيّد الصيغة المطلقة لمثالية الإنسان الكامل بالأسماء الإلهية. من هنا تأكيده حال الحديث عن الاسم الإلهي المؤمن، بأن تجليه الملموس يكون في الفرد الذي يكون سبباً لأمن الخَلق. أما نموذجه الحي فيقوم في ما أسماه “بحرفة الأنبياء والعلماء”، أي كل ما حدد اهتمامه الكبير بالإنسان الكامل في منظومة الأخلاق العملية وروحها الإصلاحي.
إن حياة الإنسان الكامل على قدر حظه من حقيقة الحي (الاسم الإلهي). بمعنى على قدر سلامة قلبه من الغش والحقد والحسد، وسلامة إرادته من الشر، وجوارحه من الآثام، وصفاته من الانتكاس والانعكاس. وألا يكون عقله أسير شهوته وغضبه وسائر صفاته السلبية الأخرى. أو كل ما يجعل من اكتمال صفاته الجميلة قدوة فاعلة حقة. وذلك لأن التخلّق بالأخلاق الإلهية ما هو إلا وسيلة بلوغ المثال الاجتماعي الأخلاقي الأسمى. لهذا رفض الغزالي، تحويل الغاية إلى وسيلة، رغم إدراكه الصلة الدائمة بينهما بما في ذلك تحول مواقعهما، أي تحول الوسيلة إلى غاية والغاية إلى وسيلة. وفي الوقت نفسه شدد على أن الغاية الأسمى لا غاية لها غير السمو والكمال.
لقد حوّل هذا المبدأ إلى شعار الفعل والقول ومثال تجلي الحكمة العملية.. فالأخيرة هي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم. وإذا كانت أجلّ العلوم هو العلم الأزلي (علم الله)، فإن وجوده الواقعي يتجلى في إدراك حقيقة النسبية المطلقة في الأخلاق العملية. وهو لم يبتعد هنا كثيراً عن الحقيقة في حالة تجريد آراءه ومواقفه من الميتافيزيقيا الدينية. إذ ليس العلم الأزلي سوى الحقيقة المطلقة، باعتبارها أرقى وأجلّ العلوم والمعارف. إلا أن التجلي الدائم للحقيقة المطلقة، يقوم في إدراكها الملموس. وبالتالي فإن َّالحقائق الكلية لا يمكن سكبها في قوالب اللغة المعرفية وتأثيرها المعنوي. وقد جعله ذلك يتكلم عن أن ما يميز الحكيم هو سعيه لإظهار الكلي في كلامه وتجنب الجزئي فيه. ولم يربط ذلك بإرادة الحكيم الشخصية، بقدر ما ربطه إياه بالحكمة نفسها وصيرورتها وغاياتها. فهي الحصيلة المعمِّمة للوعي الفعال في وقوفه أمام ذاته الفردية والاجتماعية والثقافية والكونية لتأمل مصيرها في الكلّ. كما أنه الوعي الذي يدفع الحكيم إلى إعادة النظر ومن ثم تجاوز الجزئي في الكلام والتعرّض للكلي، أي فكرة عدم التعرّض للمصالح العاجلة والتعرض لما ينفع في العاقبة. غير أن الغزالي لم يسع من وراء ذلك وضع العاجلة (الحياة الدنيا) بالضد من العاقبة (الحياة الأخرى)، بقدر ما أن يزنهما في كفتي المصلحة العابرة والمنفعة الحقيقية. وهذه بدورها ليست إلا الصيغة الاجتماعية الأخلاقية الدينية لمعرفة الجزئي والكليّ. وإذا كان الكليّ هو السائد في كلام الحكيم، فلأنه النتاج المجرد لتعميمه للجزئيات وتوليفها النظري. وينطبق هذا بالقدر ذاته على ما أسماه بمصلحة العاجلة ومنفعة العاقبة. بمعنى السعي لوضع أولوية المثال الأخلاقي الشامل والكليّ مقابل الأصغر والجزئي.
وحصلت هذه النتيجة على صيغتها النظرية في مواقفه المعارضة لتحويل الله إلى وسيلة بلوغ الجنة. لهذا أيضاً أكد على أن من “طلب شيئاً لغيره لا لذاته، فكأنه لم يطلبه فإنه ليس غاية طلبه”. أما مضمونه الجوهري في منظومته الأخلاقية فقد تحقق في قيمتها التحويلية الممكنة. بمعنى رفضه تحويل الدين وعقائده الكلامية أو أيما شعار أو هدف معلن لأن يكون وسيلة بلوغ المآرب الشخصية. وبالتالي، فإن َّمن الصعب فهم حقيقة مثال الإنسان الكامل إلا على أسس الأخلاق الفردية الصارمة باعتبارها أيضاً المقدمة الضرورية للفعل الاجتماعي الأوسع. لهذا لم يضع في حظ الإنسان من الاسم الإلهي الجبار سوى فكرة الارتفاع عن الإتباع ونيل درجة الاستتباع، والانفراد بعلو المرتبة إلى الدرجة التي “يجبر الخلق بهيئته وصورته على الاقتداء به. ويفيد الخلق ولا يستفيد، ويؤثر ولا يتأثر، ويستتبع ولا يتبع، بل لا يطمع أحد في استدراجه واستتباعه”. ذلك يعني إنه شدد على ضرورة الارتفاع الدائم للذات الكاملة في توجهها صوب المطلق من خلال استجماع إمكانياتها الأخلاقية. إنه حاول رسم الصورة المجردة لإمكانية تجسيد المطلق دون أن يقيدها بغير قيوده. مما أعطى له تاريخياً، فعالية الإشعاع الروحي وخميرة الاحتجاج والإصلاح الاجتماعي والسياسي والأخلاقي.
فالإنسان الكامل، إن أمكن القول، هو أسير المطلق وأداته. لهذا ركّز الغزالي، في معرض تناوله الاسم الإلهي العزيز على صيغة تجليه الإنساني بمثال الشخصية التي يحتاج إليها الآخرين لبلوغ سعادتهم الأبدية. وأكد في الوقت نفسه على أن الكاملين يشاركون الأنبياء كل ٌّ في عصره. حيث أدرج بين هؤلاء الكاملين أيضاً الخلفاء والعلماء، أي رجال السياسة والحكمة العلمية والعملية، وشدد على أن عزة الإنسان الكامل على قدر “عنائه في إرشاد الخلق”.
إنه حاول إظهار قيمة الفعالية الاجتماعية التاريخية في شخصية الإنسان الكامل، انطلاقاً من إدراكه للحقيقة القائلة، باستحالة وجود هذه الفعالية الحقيقية دون وجود الإنسان الحق. من هنا تركيزه على مهمة التطهير الذاتي ببدائل القيم الأخلاقية. ومن هنا أيضا تشديده في مواقفه من حظوظ الإنسان من الأسماء الإلهية على ضرورة الانتقام من النفس باعتبارها أحد أعدائه، وعلى قهرها الدائم باعتباره مقدمة العمل، وعلى الإنصاف منها باعتباره شرطه. إلا أن هذه السلبية الظاهرية، بما في ذلك موقفه المعارض للعنف، ما هو إلا السلم الأخلاقي لا سلبية الممارسة الاجتماعية السياسية. فعندما يتكلم عن الاسم الإلهي المنتقم، فإنه شدد على فكرة المحمود في الانتقام. غير أنه لم يضع في الانتقام بواعث الهمجية وردود الفعل النفسي التبريري، بل فعل الأخلاق الصارمة وضرورة توجيهه ضد النفس، باعتبارها “أعتى أعداء الله”. أنه سعى لتحويل “الانتقام الذاتي” إلى وسيلة الرقي الأخلاقي والفعل السياسي السليم. ولم ينظر إلى الانتقام نظرته إلى ممارسة قائمة بذاتها، بل إلى جزء ضروري من الكلّ الأخلاقي. فهو لم يرد من وراء ذلك سوى إظهار قيمة المثال الفردي في الإنسان الكامل وفعاليته الاجتماعية الممكنة. ووجد في السلم والقدوة الحسنة الروحية أسلوبها الأمثل. فالتخلّق بأخلاق الاسم الإلهي الرحيم يعني أن “يرحم عباده الغافلين بصرفهم عن طريق الغفلة بطريق اللطف دون العنف”. وأن التخلّق بأخلاق الاسم الإلهي اللطيف يعني أن يكون مثاله “الرفق بالناس والتلطف بهم ودعوتهم للحق من غير عنف ومن غير تعصب وخصام”. وبغض النظر عن تباين المضمون السياسي في مفهوم العنف عند الغزالي عما هو عليه الحال في العالم المعاصر، إلا أنه أعطى لمفهوم وفهم العنف واللاعنف أبعاداً جديدة في منظومة البديل القيمي، من خلال تحويرها في قيم التسامح، بما في ذلك السياسي. ومن ثم نبذ التعصب. لهذا أكد على أن الوسيلة الفضلى لإظهار حظ اللطيف الإلهي في الإنسان، أو الدعوة للحق من غير عنف وتعصب وخصام هو “السيرة المرضية للأعمال الصالحة، فإنها أوقع وألطف من الألفاظ المزيفة”.
وحدد هذا الأسلوب العام فعالية الشخصية المتخلّقة بأخلاق الله في مواقفها وأحكامها وحلولها. فالإنسان الكامل هو الذي يتعامل مع معضلات الوجود كما لو أنها قضاياه الخاصة. بمعنى نفيه لعدم المبالاة وتحويل ذاته صوب ميدان الهموم الاجتماعية باعتبارها من صميم همومه، أو ما عبّر عنه بكلمات “أن ينظر إلى كل مصيبة تجري كمصيبة له في نفسه”. مما حدد بدوره استمرار المهمة الفعالة للإنسان الكامل. فالمتخلّق بأخلاق الاسم الإلهي الفتاح، هو “المتعطش لأن يصير بحيث ينفتح بلسانه مغاليق المشكلات الإلهية، وأن يتيسر بمعرفته ما يتعسر على الخلق من الأمور الدينية والدنيوية”. والمتخلّق بأخلاق الاسم الإلهي المعزّ المذّل، هو الذي “يستعمل في تيسير أسباب العز على يده ولسانه”. مما يعني أولوية التيسير في عمله وقوله مقابل التعسير. ولا يعني ذلك في مضمونه الاجتماعي من الناحية التاريخية سوى أولوية المصلحة العامة.

(يتبع…).

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق