ثقافة السرد

ضيفة عزيزة غالية

ناجي ظاهر

سمعت طرقا قويا على باب شقتي الوحيدة، في الحي الوحيد، في المدينة الوحيدة، في الليل الوحيد. استيقظت من نومي، ارسلت نظرة من نافذة بيتي الوحيد.. كانت العتمة تسترخي في كل مكان يعلوه السديم المنتشر في كل ناحية وصوب.
” من الطارق؟”. هتفت.
فجاءني صوت انثوي طال اشتياقي اليه في الفترة الاخيرة:” انا افتح الباب”.
“من انت؟”، عدت اسالها، فردت” افتح الباب اولا”.
حملني حب الاستطلاع الى الباب بسرعة برقية. فتحت الباب، واذا بي اقف قبالة فاتنة ما ان رأيتها حتى اهتزت فرائسي فرحا.
“اهلا بك في هذا الليل البهيم”، قلت لها ودعوتها للدخول بإشارة راقصة مرحبة.
دخلت الغرفة، استلقت على سريري وكأنما هي تدخل الى بيتها الدافئ الحنون. ارسلت نظرة مستغربة نحوي:
“الم تعرفني بعد؟”. سالت، فرددت:” عرّفيني..”.
قالت بغنج انثوي ودلال فاتن: “أنا قصتك.. اعتقدت انك ستعرفني من النظرة الاولى”.
غرست عيني فيها اريد ان اتعرف عليها اكثر.. انا لم ارها في السابق ولا مرة واحدة، رغم انني كنت طوال الوقت اشعر بها تسير الى جانبي، تأكل معي وتشرب معي واكاد اقول تنام معي، لقد طرد طيفُها النوراني كل من حوالي، مقنعا اياي انها هي الاجدر برفقتي، وبان صداقتنا ستكون الاجمل في الحياة. تمكنت بقوة المحبة بيننا، هي وانا، من ان تطرد الجميع، ام علاء، البنات ريما، سندس، رماح وعلاء. طردتهم جميعا، تاركة لي امر اللقاء بهم متى اشاء وفي اي مكان اخر. هكذا مضت الايام الشهور والسنين تترى واحدة وراء الاخرى، وانا لا انكر ان شوقي اليها كان كل يوم يزيد، وكان طيفها كثيرا ما يطل من بوابات خيالي، يلقي علي التحية، فأطير محلقا معه في اجواء دافئة حميمة ملأي بالمحبة والحنان.
“لكن ما الذي اتى بك انثى كاملة الآن؟” سألتها فردت بغنج يطير اللب:” اذا كان وجودي يثقل عليك.. فإنني سأذهب ولن اعود”. امسكت بطرف ثوبها كما دأبت ايام كنت غرا صغيرا على الامساك بطرف ثوب امي، راجيا اياها ان تبقى. فهمت ما اردته فعادت الى سريري واستلقت الى جانبي. سرى بيننا دفء قرب ما بيننا، فاغمض كل منا عينيه، ورأيتني اجلس قبالتها واستمع منها الى قصة طويلة، يمكنني اختزالها بالكلمات التالية: اذا كنت تريد ان تعرف لماذا اتيت الان، فإنني اقول لك انني انا ايضا، مللت الوحدة وان شوقي اليك غلبني، بالضبط كما غلبك شوقك الي. باختصار لم يعد بإمكاني العيش وحيدة، فقد قارب عمري عمرك، ووخزتني في خاصرتي: “لقد حان الوقت ان نجمع شملنا يا شيخي المسن.. فلا افارقك ولا تفارقني”.
ارتحت لكلماتها وفهمت انها اتت في اواسط هذا الليل، لتكون لي واكون لها. احتضنتها بقوة فرجتني الا اكون متسرعا، واضافت تقول ان الليل بيننا طويل. خشيت ان تغادر فتلطفت بها واحتضنتها برموشي.
لا ادري كم مضى من الوقت.. وكل منا يحتضن الاخر، على سريرنا الرائع البهي، كل منا يتشبث بخدينه وكأنما هو عثر اخيرا على ضالته التائهة في قفر الحياة، فقرر الا يكون فراق بعد اليوم. الطريف اللطيف انني كلما كنت انطق بكلمة، كانت ضيفتي تنطق بمثلها، فاذا ما قلت لها انت جميلة رددت انت جميل، واذا ما قلت لها احبك، رددت احبك.. وهكذا بقينا على هذه الحال نرتشف من ماء الهوى الزلال، حتى افقنا على ضجة في الخارج، صراخ وعويل، وطرق قوي على بابنا.
الصوت في الخارج لم يكن غريبا عني، لقد تبينت فيه صوت ام علاء، تساءلت ما الذي اتى بها في هذه اللحظة المصيرية في حياتي؟ وانكمشت على ذاتي. لاحظت الانثى النائمة الى جانبي على سريري الضيق ما انا فيه من قلق وخوف، فسارعت الى الباب وفتحته.
اندفعت ام علاء الى داخل الشقة مثل عاصفة قاصفة، لتتبعها ضيفتي الغالية، توقفت الاثنتان متواجهتين كل منهما تغرس عينيها في عيني الاخرى، نسيت الاثنتان العالم كله، نسيتاني ونسيتا الكتب التي تملا الشقة الوحيدة ليمضي الوقت ثقيلا بطيئا، ولتندفع كل منهما نحو الاخرى، ممسكة بجدائلها، وشادة بها.. تريد ان تقتلعها من امامها وان تودي بها الى متاهات العدم، اما انا فقد تجمدت في مكاني، عقدت المفاجأة لساني، فانحبس صوتي ولم يعد بإمكاني ان اطلقه، كنت اصرخ دون صوت. وكنت اقترب منهما، خلال عراكهما المصيري، دون ان اقترب. مددت يدي احاول ان افصل بينهما الا ان يدي لم تصل اليهما. بقيت ضيفتي تضرب ام علاء على راسها حتى افقدتها الوعي. عندها دخل ابنائي واحدا تلو الآخر، دون ان ينظروا الي، سحبوا امهم من على الارض، وطاروا بها الى المستشفى، ووراءهم طرت انا وضيفتي، طرنا لنتوقف هناك خلف زجاج غرفة الانعاش، رأيت الاطباء وهم يتراكضون في ردهات المستشفى واحدا وراء الآخر، بعدها ادخلوها الى غرفة العمليات، واعملوا في جسدها مباضعهم. دفعت ابنتي الكبرى ريما باب غرفة العمليات، رات امها ممزقة بين ايدي الاطباء، شاهري المباضع، همت دموعها من عينيها مثل شلالين. توقف الطبيب الرئيسي عن مواصلة العملية. ارسل نظرة حنونة نحو ابنتي، ربت على كتفها لا تخافي لقد نجحت العملية.
هناك في الخارج.. حيث نقف، طلبت من ضيفتي المرافقة لي ان تعود الى شقتنا الوحيدة، ووعدتها ان اتبعها فور اطمئنان قلبي على ام الاولاد،.. قلت لها بصوت هامس يليق بقصة حبيبة على القلب قريبة من النفس: كفانا اليوم معارك وخسائر، ورجوتها.. اذهبي الآن، قبل ان تأتي ريما وقبل ان تمزق احداكما الاخرى. رفضت ضيفتي الانصراف كما طلبت منها، الا انها عندما رات دموعي تنهمر من عيني سخية مدرارة، انصرفت من حيث نحن هي وانا. بعد لحظة واحدة عادت وعلى شفتيها سؤال:
“هل تريدني حقا؟.
“هل عندك شك؟”
“اذا كنت تريدني.. لماذا جُننت عليها”، واشارت الى ام علاء داخل غرفة العمليات.
خيم على المكان صمت ثقيل، قد يكون الاثقل في الحياة وفي لياليها القاسيات ايضا، فوجدتها تنفر بي:
“اذا اصررت على سكوتك فإنني سأضطر لتخييرك بيني وبينها..”، واضافت وهي تشد على ناجذيها:” اما انا.. واما هي؟”
انتابني شعور قاتل بالفقد والخسارة. وهمت دموعي بسخاء. فدنا مني كل ما حولي من شجر وبشر عطفا، رقة ورأفه.. فادنيت فمي.. وهمست في اذنها بصوت محب مُدنف: اريدكما معا..”. ابتسمت ضيفتي العزيزة الغالية.. وما ان ابتسمت حتى لمحت العالم حولي.. يبتسم.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق