ثقافة المقال

فلسفة الكمال الإنساني عند الغزالي (2)

ميثم الجنابي

إن مأثرة الغزالي هنا تقوم في أنه لم يترك التيسير والمصلحة العامة سائبة الأطراف، بل حاول ربطهما بما أسماه بالرؤية الصادقة والحل السليم. وبغض النظر عما إذا كانت حلوله ومقترحاته صائبة أم لا، فإن قيمتها الفكرية المجردة تقوم في تأسيسه لضرورة العمل الأخلاقي والرؤية السليمة. وبالتالي بلورة قيمتها وقيمها الاجتماعية السياسية والفكرية. فقد نظر هو إلى كل ما هو موجود، باعتباره داخلاً في الوجوب، أي لزومه وضرورته ونسبته في الوحدة والكلّ، بما في ذلك في الاجتماع. وهو ما حاول إظهاره بصدد مختلف القضايا والمشكلات والمسائل الاجتماعية والسياسية والأخلاقية، مثل رؤية الخير في الشر، وعرضية الشر في الوجود الاجتماعي، تماماً بالقدر الذي يفترض مثالية الحقيقة المجردة والمبدأ الأخلاقي المطلق. لهذا لم يجد، على سبيل المثال، حقيقة العدل في المنفعة، بل في وضع كل شيء في نصابه. ولم يعن ذلك تبريراً لما هو موجود، وذلك لأنه انطلق من أن الوجود هو أفضل ما في الإمكان إبداعه. لكنه أقرّ في الوقت نفسه، بأن كل شيء عرضة للزوال، وأن الوجود هو الأفضل. وبالتالي فسح المجال أمام الفعالية الممكنة في ميادين الحياة وقيمة المصلح الأخلاقي، وذلك لأنه ينظر إلى الحركة الدائمة في الوجود ويعيها ويحكم عليها باسم المبدأ الأخلاقي. مما حدد بدوره خصوصية الفكرة الإصلاحية في تآلفه الصوفي وتأسيس المثال لإمكانيات البدائل الشاملة ومثال الإنسان الكامل.
لم يحصر الغزالي ميدان فعل الإنسان الكامل في مجال دون آخر. وبهذا يكون قد فسح المجال أمام ضرورته العملية الاجتماعية السياسية الرفيعة، باعتباره خليفة الله في الأرض، أي ما سبق وأن وضعه في معنى حقيقة الخلافة بوصفها الاستمرار الحق للإلهي في الإنساني. لهذا جمع في كلّ واحد قيمة المثال المطلق للإنسان، باعتباره هدفاً لمساعيه العملية، وربطه في الوقت نفسه بتلقائية التأييد الإنساني الحقيقي. من هنا عدم تقييده بزمان دون آخر. فعندما يتكلم عن الاسم الإلهي البديع، فإنه يشير إلى أن مثاله في الإنسان هو من “يختص بخاصية النبوة أو الولاية أو العلم لم يعهد مثلها. إما في سائر الأزمان وإما في عصره، فهو البديع بالإضافة إلى ما انفرد به، وفي الوقت الذي هو منفرد به”. مما يعني تضمنه إمكانية ظهوره الدائم.
لقد أبدع الغزالي المثال المجرد للإنسان الكامل وقيّده في الوقت نفسه بالميتافيزيقية الصارمة. وقد كانت هذه المفارقة نتاج التوليف الذي سبق وأن بلورته اتجاهات الثقافة الإسلامية في منظومات الكلام عن الخليفة، والشيعة عن الإمام، والمتصوفة عن القطب. ولهذا لم يكن مثاله عن الإنسان الكامل خليفة بالصيغة التاريخية لها، ولا إماماً بمقاييس الحكمة الإلهية الشيعية وباطنيتها، ولا قطباً صوفياً في فردانيته الروحية الخالصة. لقد وحّدها عبر توليف المبادئ العملية للإصلاحية الشاملة ومثالها في التخلّق بأخلاق الله.
مما سبق يبدو واضحاً المضمون الاجتماعي لفكرة التخلق بأخلاق الله. فعلى الرغم من تركيزه على هذه النتيجة في ميدان صنع الإرادة الذاتية، إلا أنها شكلت في منظومته العملية والعلمية أسلوب الخروج إلى الآفاق الأبعد للوجود الاجتماعي. لقد ثوّر، إن أمكن القول، السياسة في حركة السموّ الأخلاقي وكشف عن محدودية السلطة السياسية من خلال إظهار سلطة المطلق الأخلاقي في الذات واستبدال واقعية الهيمنة واستبداد السلطة بالحرية الأخلاقية المعرفية للإنسان. وبهذا يكون قد حاول الكشف عن معالم السمو الأخلاقي والهوة الفاصلة بينها وبين الواقع والمثال. بحيث نراه يظهر في كل اسم إلهي يوحي بعناصر السلطة والقوة، هشاشة السلطة الظاهرية مثل سلطة القوة والمال والجاه وما شابه ذلك. فليس الملك الحقيقي سوى المستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود. أما الملك الحقيقي من الأنس فهو المستغني عن كل موجود سوى الله. ولا حكم حقيقي في مملكة الإنسان أكثر من التحكم، كما يقول الغزالي، بجنوده (شهوته وهواه) ورعاية أعضاء جسده. وبالتالي ليس الملك الحق في الأسماء سوى من “انضمّ إليه استغناؤه عن كل الناس واحتياج الناس كلهم إليه في حياتهم العاجلة والآجلة. فهو الملك في عالم الأرض”. وليس المهيمن (الاسم الإلهي) الحقيقي سوى المراقب والمشرف على أنوار أسرار الذات الإنسانية ومن تشمل سعة سلطته واتساع إشراقه واستيلائه على حفظ عباد الله. وعلى الرغم من تشديده على إمكانية الملك الحق في الأرض، إلا أنه لم يعط له أكثر من وظيفة المرشد الحق. واستند بذلك إلى أن حق السيطرة الفعلية مرتهن بعمق ذاتها الأخلاقية. فجلال الإنسان على قدر جلال همته. وبالتالي فإن قيمة الإنسان الفعلية على قدر ما فيه من مطلقها.
وقد حددت هذه النتيجة بدورها تأسيسه لاستمداد ما أسماه بمملكة الوجود الواحدة كامل مثالها من وحدة المطلق. فالموجودات كلها مملكة واحدة “لأنها مرتبطة بعضها ببعض. فإنها وإن كانت كثيرة من وجه، فلها وحدة من وجه. ومثاله بدن الإنسان. فكذلك العالم كله كشخص واحد، وأجزاء العالم كأعضائه. وهي متعاونة على مقصود واحد. وهو إتمام غاية الخير الممكن وجوده، على ما اقتضاه الجود الإلهي ولأجل انتظامها على ترتيب متسق، وارتباطها برابطة واحدة، كانت مملكة واحدة”. فمملكته الواحدة هي غاية الخير الممكن وجوده في الأفراد والجماعة، أي رفع شأن حقيقة المملكة من خلال صنع مملكة الذات الواحدة. ومن ثم بلوغ رتبة العزة والتكبّر والجبروت في الذات الإنسانية. أما شأنها الكامل، فإنه يقوم في سيادة الحرية الفاعلة في الإنسان واستقلالية المنزع والغاية، أي بلوغ الخير الممكن وجوده في الوجود “الكوني والاجتماعي التاريخي”، والذي تكف فيه قدوة العزة والتكبر والجبروت المستبد عن أن تكون تمثيلاً لحقيقته.
فقد شدد الغزالي على أن العزيز هو الذي يقلّ وجوده ومثله. وهو الذي تشتد الحاجة إليه ويصعب الوصول إليه. والجبار هو الذي تنفذ مشيئته على سبيل الإجبار في كل واحد ولا تنفذ فيه مشيئة أحد. وإن المتكبر هو الذي يرى الكلّ صغيراً بالإضافة إلى ذاته، ولا يرى العظم والكبرياء إلا لنفسه. ولا يمكن إغفال ما في هذه الأحكام من انعكاس للوجود الاجتماعي التاريخي السياسي لهرمية السلطة وإدانتها في الوقت نفسه، ونفيها فيتجانس المملكة الوحدانية لمبادئ (أسماء) الخير المطلق. وبهذا يكون قد انتزع أيضاً وهم القوة التاريخية من خلال الكشف عن أنه لا جبار ولا متكبر ولا عزيز حق مطلق إلا الله، تماماً بالقدر الذي أبقى عليه في متناول المساعي الدءوبة لبلوغ الخير الممكن وجوده. وبهذا يكون قد أسس أيضاً للفكرة القائلة، بأن حقيقة السلطة تقوم في قدرتها الرفيعة على الاصلاح، باعتبارها تمثّلا للتخلّق بأخلاق الله. إذ ليس العزيز من الناس سوى من يحتاج إليه الناس في أهم أمورهم، ألا وهي السعادة الدنيوية والأبدية. وليس الجبار من الناس سوى من ارتفع عن الإتباع ونال درجة الاستتباع وتفرد بعلو رتبته، بحيث يجبر الخلق بهيئته وصورته على الاقتداء به ومتابعته في سمته وسيرته. وليس المتكبر من الناس سوى الزاهد العارف، المتنزه سرّه عما سوى الحق، والمتكبر على كل شيء سوى الحق، والمستحقر للدنيا والآخرة.
لقد أراد الغزالي وسعى لإبداع أطر السلطة الحقيقية في النفس الأخلاقية. وبحث في الوحدة الأخلاقية المعرفية للإنسان عن مثال وحدة المجتمع والدولة، والفرد والجماعة. بمعنى إزالة الوسائط من مؤسسات وأحزاب وسلطات، دون أن يلغي ضرورتها. وبذلك يكون قد أّسس لنظرية عن الإنسان خارج إطار الفقه الرسمي والتقليدي، ولكنه صاغ فكرتها المجردة والعامة، وأبقاها في الوقت نفسه أسيرة الروح الفردي. ولعل قيمتها الكبرى تقوم في تناقضها هذا.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “فلسفة الكمال الإنساني عند الغزالي (2)”

  1. يقول ميثم الجنابي في مقاله عن الغزالي :
    (وبغض النظر عما إذا كانت حلوله ومقترحاته صائبة أم لا، فإن قيمتها الفكرية المجردة تقوم في تأسيسه لضرورة العمل الأخلاقي والرؤية السليمة.)
    ما هذا التناقض السافر ؟؟
    كيف تعرف بأن قيمتها الفكرية المجردة قائمة على العمل الأخلاقي والرؤية السليمة، إذا كنت قد غضضت النطر عن كونها صائبة أم لا ؟؟!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق