ثقافة السرد

يُسْرايَ

جيهان سامي أبوخلف

عادةً عندما تتهاوى دموع العينِ مني فهي تتساقط بخفـّةِ وتؤدة ٍكقطرةِ ندىً تسْترِقُ خطواتها لتُقبـّل خدّا متوردًا دافئـًا … على غرار هذا النهار ،فقد تهاوتْ من علوّ بكل ثقلها لتنْخـر خـدًًّّا شاحبًا مُترهـِّلًا باردًا!
هكذا أصبحتْ دموعي .. خارِقةً حارِقةً!
تخرِقُ الحدودَ فلا مدىً يتـَّسِعُ اختراقَها
وتحرِقُ الخدودُ تاركةً قيحَ القُبحِ الذي سبَّبَ أهـْدارَها!
يديَ اليسرى؛ تلك الهزيلةُ التي أصيبتْ في صغرها برجّةِ العجوزِ المُنهكة، وارتعاشةِ عروسٍ في خِدْرها لحظةَ إقبالِ ذاك الغريبُ لهتكِ ستْـرها!
في لحظةٍ يخذلكَ فيها الكلّ البشري، بل ولعله الكلّ الجسدي أيضا، هي فقط التي تأتيني برعشتها ولطافتها لتمسح عن وجنتيَّ دموعَ الوَحْشةِ والتـّوهان!
يديَ اليسرى؛ تلك التي خذلتُها في لحظةِ ضعفها وانكسارها، أنا التي خذلتُها مرارًا وتكرارًا وما استطعتُ جبر كسرها!
يا لسخرية القدر، خلُقْتُ لتكونَ اليسرى مكمنّا لقوتي، فأنا عسراءٌ منذ طفولتي، مَأكلي ومَشربي والقلمُ الأعسرُ وكلُّ أعمالي بها، هي السيدة المسيّطرة على انجازاتي، فاعِلة وقويةٌ على معنى الحقيقة، الضربة منها بألف، لها أن تصدّ وتردّ
وذكيةٌ بديهتُها سريعةٌ في الكرّ والفرّ !
إنما ولأن جدّي رحمه الله كان يؤمن بأنّ الأكل باليسرى فألٌ سيء، وبأنـّه حرام ومكروه، كان يشتمها بضربة توبيخيـّة بشيء من الخفـّة والغلظة معا..
كلما امتدّتْ أصابعي لتقطف حبة عنب، أو لتغمس زعترّا بزيتٍ كان يمدُّ يسَــارَهُ ليضربها !
شجرةُ الجوز الخضراء تلك التي اجتمع تحتها كل الأحفاد صباحًا في ذات نهارٍ صيفي تشهد على الوجع!
تشهد على الخذلان!
وتشهدُ على الجبن!
حيث تناولنا الفطور واستظلينا بجمالها، لقطة ٌ التقطتها عينيّ وحفظتها ذاكرتي بقوة، ابدًا لن تزول من مخيلتي، اجتمع تحت أغصانها الجمالُ والقُبحُ معًا، ولعبا بهواجسي لعبة الصّبيان فانْـحفرَ النقيضان، وما زلتُ ابنةَ العاشرة!
وبّـخني، كسرَ في داخلي ذاك المهزوزُ مني، الكلّ يشرح ويُبرّر بأنه أراد مصلحتي، أما أنا فأقول:
“تبًا لمصلحتي، أيّ مصلحة هذه التي تهشّمني من الداخل لتُصلحني من الخارج” !!
بدأتْ يسرايَ تمتعض، وتتوقع الضربة قبل وقوعها، فبكت كثيرًا ولامتني أكثر..
طلبتْ مني أن أردّ عليه بقوة:
“يا جدّي كفاك، أنتَ تؤلمها”!
فما فعلتُ!
لماذا لم أفعل؟
في طفولتي كنتُ جبانةً جدًا، مهزوزةً، هشّـةَ، حروبي كلها صامته، لا يكاد يسمعني أحد، إنما في الداخل الوطيسُ حامٍ ومشتعل!
دعني أقول كنتُ خجولة بطريقة غبية ساذجة، أو لعلها أحكام سن العاشرة!
لم أكن أقوى حتى على وضع عينيّ مباشرة في عينيه، فطأطأتُ الرأسَ مني كعادتنا، هم يرون ذاك أدبـًا، وأنا أراهُ ذلًا وقهرًا إنْ كان يلازمه رفضٌ وقهرٌ في الباطن!
حينها سكتتُ، وانْصعتُ له ولهم !
وبدأتُ أمنعها من التـّقدم والتّزاحم، وفسحتُ المجال لليمنى أن تقودني في هذه الحياة، خنتها، نعم لقد خنتها عجزًا مني لا إقرارًا ..
لقد خنتُ يُسْراي وخذلتها، ولم أحرِّكُ ساكنًا لنصرتها! ولكن يا لـ وفائها بقيتْ هي التي تسارعُ لتمسحَ دمعةً سقطت من عيني!
هل تدركُ كونكَ غريبًا وحيدًا ملفوظًا، وينقذكَ مِن شعثكَ ذاك الذي خـذلته!
الأمرُ قاسٍ ومُخجلٍ ومُربِك !
إليكِ ولأخواتكِ أيتها اليسرى أقول:
” لا خذلانَ بعدَ اليوم! “

فلسطين/ إسطانبول

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق