ثقافة السرد

صحن الجن

عادل الأمين

يا مصطفى يا كتاب من كل قلب تألف
ويا زمان سيأتي يمحو الزمان المزيف

الاهداء / إلى شاعر اليمن (البالستي ) الراحل عبد الله البردوني

أسوأ مكان في الجحيم محجوز لهؤلاء الذين يبقون على قيد الحياد في أوقات المعارك الأخلاقية العظيمة
مارتن لوثر كنج*

الفصل الأول
بـلاد كـوش

وقف على قمة جبل البركل في شمال السودان , فارداً يهديه إلى عنان السماء , متأملاً المدينة التي دمرها فيضان 1988 “كريمة” مردداً قصيدة الشاعر النوبي “امل دنقل “التي تسكنه منذ أمد بعيد .
جاء طوفانُ نوحْ
المدينةُ تغْرقُ شيئاً.. فشيئاً
تفرُّ العصافيرُ,
والماءُ يعلو.
على دَرَجاتِ البيوتِ
– الحوانيتِ –
– مَبْنى البريدِ –
– البنوكِ –
– التماثيلِ (أجدادِنا الخالدين) –
– المعابدِ –
– أجْوِلةِ القَمْح –
– مستشفياتِ الولادةِ –
– بوابةِ السِّجنِ –
– دارِ الولايةِ –
أروقةِ الثّكناتِ الحصينة.
العصافيرُ تجلو….
رويداً….
رويدا….
ويطفو الإوز على الماء,
يطفو الأثاثُ….
ولُعبةُ طفل….
وشَهقةُ أمٍ حزينة
الصَّبايا يُلوّحن فوقَ السُطوحْ
جاءَ طوفانُ نوحْ*.

– لابد أني احتضر!!
ظل يهذي وجسده ينتفض من الحمى , بعد أن أصابته حمى المستنقعات “الملاريا الخبيثة” , جلبتها الفيضانات التي غمرت وأغرقت جل مدن الشمال , تم تجميع النازحين من مدينة نوري ومروى في مدرسة المدينة , التي يعمل بها مدرساً لمادة العلوم .
كانت أصوات المدرسين الذين يلعبون الورق في الغرفة البعيدة تترامى إلى إذنيه مع ذلك الطنين المزعج الذي يشق دماغه , ظل يحدق في الظلام ولا يرى شيئاً , العرق البارد اللزج يغمر جسده المكدود الهزيل , وأحيانا ينفصل عن العالم للحظات يرى مروج خضراء لا نهائية ويسمع رفيف أجنحة ويظن انه لازال يجلس على قمة جبل البركل , ذلك المعلم الأثري العتيد عند أطراف المدينة , لطالما سرى إليه عصراً مع صديقه الأستاذ خليفة , معلم اللغة الانجليزية في المدرسة وأنفقا الساعات الطوال بين أضرحة الأجداد الخالدين وتماثيلهم التي بقيت تتحدى الرمال والإهمال وصروف الدهر والأنظمة السياسية المركزية الفاشلة والبغيضة الذين لا يعرفون شيئا عن “حضارة كوش العظيمة”* .
– أنت لا تحتضر … أنت فقط تهذي من الحمى يا زين العابدين الركابي .
صوت معدني أخاذ , لا يشبه صوت صديقه خليفة ولا أي مدرس في المدرسة ولا احد من يعرفهم في حياته الحاضرة , فتح عينيه وأدارهما حوله في ذهول , حدق في الظلام المعتم وصرير المروحة يشبه طنين مليون نحلة تدور حول رأسه , لمح الرأس المرعبة والعينان الحمراوان اللتان تشعان في الظلام , يحدق بهما هذا الوحش الغريب , جسد إنسان برأس ذئب ..
– من أنت ؟!
– أنا أنوبيس , حارس بوابة العبور إلى العالم الأخر ..
اقشعر بدنه , نظر إلى الكائن الأسود برأس ذئب الذي جلس جواره على حافة الفراش .
– إذا .. انه الموت !!
– لا .. ليس بعد لم احضر معي الريشة والميزان
ظل الشبح يتحدث بلهجة ودودة لا تشبه شكله المرعب أبدا .
– جئت فقط .. أحمل إليك رسالة هامة جداً .
– رسالة من من ؟!
– دعك من الأسئلة , انهض أولا وأشرب اللبن الذي وضعه صديقك بجوارك منذ المغرب ثم تناول معه قطعة الخبز التي جواره .
نهض بصعوبة و استوى جالساً , تناول كوب الحليب وقطعة الخبز , شكلها غريب مكورة كالكرة لا تشبه أبدا الخبز الذي ألفه في المدينة , و لا في كل السودان , قضم منها قطعة وصرخ من الألم , علق جسم معدني بين أسنانه وأدمى لثته , وضع كوب اللبن جانباً ونزعه من بين أسنانه , كان خاتماً من الذهب الخالص , نظر إلى انوبيس في دهشة .
– هذا خبز جاء من اليمن , تبرعت به نساء اليمن الماجدات من حفيدات الملكة بلقيس و أروى الذاكيات , جاءت به الطائرات اليمنية إلى مطار الخرطوم وتم نقله إلى مدينة كريمة ومدن الشمال الغارقة في البلل بطائرات هيروكليز العسكرية , إنهن وضعن قطع من مصاغهن داخل قطعة الخبز لضمان الوصول للنازحين وحتى لا تنهبها الأيدي القذرة في المركز , كما اعتادوا عبر الزمن على نهب وسرقة كل أشكال الإغاثة التي تقدم للشعب السوداني المنكوب .
– اليمن جاءتني بخبزها إلى هنا؟!! .
– نعم , وهناك ما هو قادم , لكل نبأ مستقر .
تنهد زين , وضع الخاتم الذهبي جانباً , حمل كوب اللبن وقضم من قطعة الخبز المستديرة بحذر
– لم يعد هناك قطع ذهبية في الخبز , يمكنك أن تأكل باطمئنان .
اخذ انوبيس الخاتم الذهبي ووضع بدله خاتم اثري غريب عليه جعران ازرق مقدس , كالذي رآه زين وصديقه خليفة على جدران معبد البركل وحمله وقلبه أمامه.
– الجعران المقدس ؟!
تذكر جدته الراحلة ” الحرم”* عندما كان يمضي معها إلى المزارع على ضفاف النيل, تتركه يرتع بين أشجار النخيل والمانجو والليمون ويتتبع الكائنات الغربية والحشرات والطيور والزواحف في البساتين وبين حقول البرسيم في ذلك الماضي البعيد , ظل يدهشه هذا الجعران الغريب , المهندس الأسود الذي يقوم بصيانة كرة كاملة الاستدارة وبديعة من روث البهائم ومخلفات الطيور والطين فيثير فضوله الطفولي
– لماذا يفعل ذلك الجعران هذا يا جدتي ؟
كانت تبتسم وتروي له قصة هذا الكائن “السيزيفي” النشط ومهمته الشاقة في الحياة” لقد أحب القمر و أراد الزواج منها ,عندما راءها تخطر بوجهها الصافي في صفحة السماء ليلاً , قالت له : لا يمكن أن اهبط من عليائي وأتزوجك والأرض بهذه القذارة , عليك أن تنظف لي كل الأرض , حتى لا تتسخ أثوابي البيضاء المرصعة بالنجوم ومن يومها ظل يقوم بعمله الشاق بهمة ونشاط وبدافع الحب المستحيل “, قطع حبل ذكرياته ضيفه الغامض .
– ليس الأمر كما ترويه الجدات هنا , أن صورة الجعران المقدس على جدران معبد البركل , ترمز إلى مقطع عرضي في دماغ الإنسان ,الجناحان هما : عقل المعاش الذي يتحكم في الغرائز وعقل المعاد المسئول عن العلم وما وراء العلم .
أصيب زين بالدهشة العميقة لهذا التفسير الجديد ونظرية “المعرفة الكوشية”* التي لم يسمع بها احد في العالمين.
فعلا أنها تشبه مقطع عرضي في الدماغ , الذي درسه في العلوم ودرسه للطلاب في المدارس في مادة الإحياء , دون أن يلحظ هذا التشابه , أردف أنوبيس
– أن الجعران أيضا يقدم درسا أخر في الحياة , نظافة الروح من الكدر والعودة إلى حياة الفكر والشعور التي عاشها اجداداك الخالدين قبل نزول الأديان السماوية .
– وماذا بعد أيها الحكيم ؟
– لا شي بعد, تعود إلى مهمتك التي جئت بصددها ..
– ما هي مهمتي ؟
– ستسافر الخرطوم وستتلقى علاج جيد ثم تهاجر إلى اليمن ,هناك ستقيم طويلاً وقد تأتي أحداث جسام تشهدها وتكون شاهدا عليها وسوف تتأرجح بين “الحقيقة” وبين “الشريعة” وبين الواجب المباشر وغير المباشر بين عملك كمدرس (التعليم الجيد) وعملك كجعران مقدس (العدالة).
– وماذا بعد ؟!..
– ستكون جعران المقدس ينظف الأرواح من الكدر ويجلي القلوب من الغدر ويصقل النفوس من الضجر وسترد الجميل لأهل اليمن , هل تذكر قبة الشيخ “ود بليل” في بلدك مورا ؟!
– نعم اذكرها تنتصب وسط المقابر أهلي الراحلين كعمتي سكينة*…
سبح زين في بحر الذكريات “سكينة فتاةً هادئة ، مُتصالحة مع نفسِها، ينعكسُ ذلك في محيطها الأُُسرى، والمجتمع من حولها ،كأن الله قد أرسلها لتخدم الناس بلا مقابل، فأحبها الناس بلا حدود، كانت كالملاك تمشى على الأرض.
تحفها هيبةً الطيبةً. لم يعبس جبينها في وجه أحد يوماً فكانت طَلَقة المحيا , جلّ وقتها في القراءة، توفى والدها الذي كان يعمل حارسا أمام بوابة السكك الحديد في مدينة الحديد والنار”عطبرة” , رجعت مع والدتها للقرية ولم تكمل تعليمها الأوسط في المدرسة الإنجيلية التي تعلمت فيها العلم والأخلاق.
افتقدت مَدرسَتها ومُعلماتها وصُويحباتها، وبدأت حياة القرية الشاقة, تنهض من نومها مبكرة عند آذان الفجر، لتأتى بالماء من البئر الكائنة في وسط القرية, وعند شروق الشمس تمتطى حمار أختها الكبرى سِعدة ،التي كانت تعتني بشئون المنزل، ومساعدة الجَدّات المُسِنات القاطنات في الحوش الكبير ، الذي ورثت ابنته المحبة والتفاني في مساعدة الناس , تذهب عند شاطئ النيل،حيث أشجار النخيل الباسقة، والحدائق الغنّاء والخضرة الممتدة وصوت هدير وأبور رفع المياه تك…تك…تك,وتندفع المياه تشق طريقها عبر الجداول لتروى الحقول, تجتمع فتيات القرية في تلك الساعة المبكرة يحتطِبن ويحصدن ويسقيّن الزرع ويمضى الصباح وهن مسرورات بالمزارع والأشجار وصوت القمارى. يمرحن ويضحكن دون ضجر من الأعمال الشاقة التي يقمن بها، رغم صغر أعمارهن وفقدهن للأبجدية,عندما ينتهي العمل في الزراعية ينطلقن إلى بيوتهن، يقتلن الوقت بالأعمال المنزلية الأخرى,هكذا كنّ صغيرات وأحلامهن صغيرة, ومطالبهن قليلة، كل ما يبحثن عنه هو إرضاء الأسرة والعمل على راحة أفرادها وخاصة الذكور,
كانت سكينة تشعر بالحزن، لأن الفتيات لم يتلقين تعليما ولا يقرأن ولا يكتبن مثل الأولاد في أعمارهن، الذين يذهبون إلى شيخ في الخلوة ليتعلموا الكتابة وحفظ القران,كانت سكينة لا تتخيل أن يحرم إنسان من نعمة التعليم فطرحت عليهن فكرة” أن يأتين لها في المنزل لتمحو ُأُميّتهن ما استطاعت لذلك سبيلاً,لم تكن في القرية أوراق أو أقلام أو أي وسيلة من وسائل التعليم تساعد في محو الأمية الأبجدية.
في حجرة خالية من الأثاث، في منزل الجد ، جلسن على الأرض مُصطفّات وقد فرشن رملاً ناعماً أمامهن , كانت تكتب لكل واحدة الحرف على الأرض وتنطقه لهن وتجعلهن يمررن أصابعهن على الحرف، حتى أكملت الحروف الأبجدية، وبعدها بدأت بكتابة الكلمة، والجملة، على صفحة الرمل المفروش على الأرض.
نقبت في حاوية كتبها التي أتت بها من المدينة. فوجدت كتاب يسمى “مفتاح المعرفة”، يصلح للمطالعة الابتدائية في محو الأمية فصارت تقرأ لهن منه ثم تداولنه حتى حفظنه .
تعليم الفتيات في القرية في منزل سكينة ، كان فتحا مبينا لأهلهن، إذ صرّن يكتبن الرسائل لذويهن ويقرأن الوارد من المدينة دون اللجوء لشيخ الخلوة أو تلاميذه وبذلك حفظن أسرار أُسرهن.
كانت الفتيات يطلقن على تلك الحجرة ـ المنتبذة ركنا قصيًا في حوش الجد ، مدرسة سكينة وكنّ في غاية السعادة والفرح ،عندما تخرجن باحتفال بسيط دعت فيه سكينة أهالي القرية لتشرح لهم أهمية تعليم الفتيات، وإن صفحة الأرض يمكن أن تكون كراسة ،وإن الأصبع يمكن أن يكون قلمًا لا عذر لشخص أمي ينتظر أن يأتيه التعليم عند داره.
تناقل أهل القرية خبر مدرسة سكينة، سمعت بها إدارة التعليم في المدينة فأرسلت في طلبها, وبالرغم من إنها لم تكمل تعليمها فقد أزالت أمية فتيات القرية ,نالت بذلك تدريبا في المدينة من إدارة التعليم حتى تعود للتدريس في المدرسة الصُغرى للفتيات في قريتها, بعد أن رأت الإدارة مدى إقبال فتيات القرية على التعليم.
عادت تحمل شهادة المعلمة وانتشر الخبر في القرية وانتظر الأهالي البدء في بناء المدرسة..أجتاح القرية وباء الكوليرا وكانت المعلمة سكينة ضحيته، فقد أغمضت عينيها وأسلمت روحها الطاهرة في أثناء نومها وكان رحيلها الهادئ مصدر تعجب وترحم من أهل القرية، حدث ذلك قبل تنفيذ بناء المدرسة وعندما زار وفد التعليم القرية ليسلمها المدرسة، فوجئ بخبر رحيلها المفاجئ, لقد بكت عليها القرية والفتيات والأرض التي صيّرتها كتابا.
أنطفا أمل الفتيات في مواصلة مسيرة تعليمهن ولم تكتمل المدرسة الصُغرى ،وانتهى عهد مدرسة سكينة التي حملت شعلة تعليم الفتيات عمرًا قصيرًا، وظلت مدرستها مفتوحة في قلوب الجميع، وفى قلب كل فتاة علمتها حرفًا، هكذا الخالدون المجهولون يأتون إلى الحياة خِلسة، ويزيّنوها بفضائل أعمالهم، ويرحلون في صمت دون ضجيج، لا أعلام ترفرف لهم ولا أضواء تُسلط عليهم هكذا يرقدون في هدوء وسلام، لقد أكملت سكينة رسالتها في عمرٍ قصيٍر. وظلت حاضرة حتى في غيابها.
عبرت الحياة كالطيف ودفنت في مقابر ود بليل…ومازالت مدرسة سكينة نغم عزفه الزمن الجميل”…

– عمتك مبدعة ..الإنسان العبقري يستطيع أن يصنع أشياء من لا شيء ونريد أن تقوم أنت بنفس الدور الذي قامت به عمتك في بلاد جد هذا الرجل ..”حفيد الشيخ غلام الله بن عايض الحضرمي اليمني ,الذي قام بنشر الإسلام الحقيقي في شمال السودان .. وهذه رسالة اليمن حضارية* .
– نعم اعلم إن الإسلام الحقيقي والجيد جاءنا من اليمن كقطعة الخبر التي أعادتني للحياة .
– لأنهم موعودين بعودة الإسلام الغريبة ستأتيهم نوائب وأهوال تفوق طاقة البشر وبلاء عظيم .
– (بدا الإسلام غريباً سيعود غربيا كما بدأ , فطوبا للغرباء قيل من هم الغرباء , قال : الذين يصلحون ما أفسده الناس)* .
– وهو كذلك , عندما تصل إلى بلاد السعيدة وتعيش بين أهلها ومن قدر لك معرفتهم , عليك بأمرين , التعليم الجيد كواجب المباشر وحياة الفكر والشعور وهي الواجب غير مباشر .
– هذا أمر بسيط , معرفتي بأهل اليمن ليست جديدة زاملتهم في سنوات الدراسة العامة والجامعية
– ماذا عن الجانب الأخر المفتوح المطلق ؟!
– الجانب الأخر “الحقيقة” وعقل المعاد .. هذا يصعب شرحه هنا , لأنك ستعيشه عياناً بياناً ولكن سوف يرسلوا لك من يساعدك .
– من يساعدني .. من ؟!!
– آصف , سونيا , نون , ذو القرنين وهذا الخاتم على الطاولة أيضاً ..
– يساعدوني على ماذا ؟
– على أن تفهم ما يحدث تماما وتكتب شهادة حقيقية غير مجروحة في مقبل السنوات ولكل نبا مستقر.
قبل أن يستدرك زين الأمر , فتح خليفة باب الغرفة المظلمة فجأة ودخل يتفقد صديقه المريض , بدأ له انه يهذي , أضاء الغرفة وحدق فيه ووجده يردد “أصف” , “سونيا” , “نون” “لكل نبأ مستقر”
وعلى فمه ابتسامة عريضة وقد انتظمت أنفاسه وانحسرت الحمى , حمل الكوب ولمح الخاتم العجيب جواره ,حمله وقلبه في دهشة ثم رده إلى مكانه ثم عاد وأطفأ النور وأغلق الباب خلفه وغرقت الغرفة في الظلام الدامس مرة أخرى , ورحل انوبيس المرعب أيضاً.
*****
أسوا المشاعر تنتاب بعض الناس عند جلوسهم الممل في صالة المغادرة في مطار الخرطوم ,وهذا ما كان يحسه زين بعد رحلته الطويلة مع المرض ثم تعافي بعد أن جاء إلى الخرطوم وعمل مدرساً لمدة عام واحد فقط ,ثم وجد نفسه مع قوافل الهاربين من البلد الذي خبث , متعاقدا كمدرس علوم في اليمن السعيد , الآن في صالة المغادرة في انتظار الطائرة اليمنية التي تقل الفوج الثاني من المدرسين ,جلس منزوياً واخرج دفتر مذكراته وطفق يكتب تداعياته الكثيرة التي واكبت حضوره الى الخرطوم في 1991 ” ها أنا الآن في الخرطوم…. بعد غيبة طويلة قضيتها مدفونا في رمال الشمال في مدرسة كريمة الصناعية…نزحت أسرتنا من عطبرة نزوح فاخر وأقامت في التخوم الشمالية للخرطوم بحري …تحديدا في الدروشاب التي لا يعترف بها اليساري السابق سبدرات في برنامج حسين خوجلي التلفزيوني ” أيام لها إيقاع “..كنت اعمل في مدرسة أم درمان الفنية , ادرس الفيزياء التي ألغاها الوزير المخضرم عبد الله محمد احمد كبداية لعبقريات العهد الإنقاذي الميمون..وما جدوى الفيزياء ونحن قد بدأنا زمن الكوليرا والمظاهرات اليومية التي تخرج تؤيد صقر الخليج صدام* ومعركته الكبرى ضد دولة الكويت الشقيقة”ام المعارك” و فعلا “تزوجت كل النساء إلا أم المعارك” كما قال الشاعر المرهف نزار قباني…
*****
كانت معاناتي الكبرى هي عند العودة إلى موقف باصات الدروشاب ظهراً…بحكم تكرر المشهد اليومي تعرفت على الأخوان الطيب من أبناء الجزيرة الخضراء وله كشك يبيع أشرطة الكاسيت والى جواره صديقي الآخر من غرب السودان محمدان وهو صاحب كشك للمشروبات الباردة..كانا ودودين للغاية بل بلغ الكرم بمحمدان ان يتحفني بكوب ليمون زيادة ويعطيني كرسي من الداخل لأجلس بين الكشكين ويحكيا لي طموحاتهم الصغيرة وأحلامهما الغضة..كنت انظر عن كثب إلى سرب حمايم …الموظفات في دار الوثائق القومية مع زميلي “بكور”* وهن يقفن تحت شجرة في انتظار الباص بأثوابهن البيضاء الجميلة وليس هناك في الدنيا أجمل من الموظفة السودانية والمرأة السودانية العاملة..وعبر الإسفلت الممتد امامى في ظل البعيد ..كانت ..غابة الأبنوس الجميلة …..سرب من بنات الدينكا بملابسهن الغنية التلون ..يقفن مع شباب من أبناء الدينكا يتحدثون وتنبعث أصواتهن وأصواتهم لتعزف سيمفونية المكان ومدرسة الغابة والصحراء …عن كثب موظفين يتصببون عرقا ويتحدثون في سخط …وامرأة تبيع الشاي الأنيق تحت شجرة في الركن أمام مركز شباب بحري*…
*****
كانت أحاديث صديقاي البسيطة الطيبة تنساب على أذني وأنا اتامل هذه البوتقة من ناس الخرطوم..والتي كان يعكرها مرور عربة عسكرية مجروس محملة بالجنود..لتعيد وتذكرني إننا في زمن الكوليرا..إن هؤلاء الناس الطيبون وأحاديثهم البسيطة التي استمع لها يوميا وأنا اجلس على الكرسي بين الكشكين وتنساب دائما الأغنية التي اطلبها من صديقي الطيب”يا زمن” للفنان الذرى إبراهيم عوض* والتي أضحت الموسيقى التصويرية للمكان..

*****
كنت اجلس على الكرسي وأتأمل هذا الخليط المتجانس من البشر وكنت أيضا أرى شجراً يسير!!…لانى اعرف الكثير الذي لا يعرفه هؤلاء..صديقاي وأحلامهما الصغيرة..أسراب الحمائم…غابة الأبنوس..ست الشاي الأنيق..الموظفين الساخطين الذين يتصببون عرقا..”
أعلن ميكرفون صالة المغادرة عن أن موعد إقلاع الطائرة اليمنية قد أزف..طوى زين كراسته ووضعها في حقيبته الصغيرة ووضع الخاتم العجيب والقلم في جيبها أيضا ونهض يجد نحو باب الخروج من الجحيم إلى الطائرة الايرباص الرابضة عن كثب كنورس ابيض جميل …

يتبع

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق