قراءات ودراسات

نعوم تشومسكي واللسانيات الديكارتية (3/3)*

ترجمة: سعيد بوخليط

*تقديم:
يتجه سعي هذه الدراسة نحو هدفين: الحديث ثانية عن النحو التوليدي لتشومسكي في إطار اللسانيات الديكارتية التي مثَّل لسان حالها، وتسليط الضوء على بعض الأشكال الأساسية وكذا التيمات المهمة لهذا التيار اللساني. حتما،تعتبر الفكرة الأكثر دلالة وإلحاحية للسانيات الديكارتية تلك المتعلقة بإبداعية اللغة.
اهتم أساسا جوزيف فوس Voss صاحب هذه الدراسة بتحليل مشروع فيلهلم فون همبولت Humboldt حيث قابل مفهومه الشكل اللغوي”sprachform ”مع مختلف التصورات المتعلقة بهذا المفهوم مثلما راكمها زيليغ هاريس، كولريدج، غوته، شليغل، في حين جعله أقرب إلى مفاهيم الكفاءة الفطرية، والإبداعية والنحو التوليدي عند تشومسكي.
يكشف تقريب من هذا القبيل تناولا للغة كقوة إبداعية. لكنها أيضا رؤية للعالم بحسب همبولت. بناء عليه، لن تكون الإحالة فقط بحثا من جانب الديكارتية بل الرومانسية.
اللغة قوة فردية إبداعية فعالة على الأقل بالنسبة لثلاث وضعيات مميزة:
* التشكل الأصلي للغة؛
*اكتساب الطفل للغة؛
*الاستعمال اليومي للكلام.
لن نلج الإشكالية المتعلقة بكل وضعية من تلك الوضعيات. فيما يتعلق بالنقطة الأولى، التي طرحت أصل اللغة، يعتقد اليوم كثير من المختصين بأن الأمر هنا ببساطة مجرد قضية خاطئة، أو على الأقل ليست لسانية، بل ميتا- لسانية غير ذات هوية محض لسانية، لاتتوافق بالمطلق مع”موضوعية العلم” (جوزيف فندريس). إنه مشروع وهمي، يستدل متوخيا تفسير طبيعة اللغة بالعودة إلى أصولها التاريخية. إشكالية ”يتعذر حلها”(أنطونيو توفار) أو ”فرضية ميتافيزيقية” (جورج مونان)؟. هكذا يبدو بأن الباحثين المعاصرين غادروا نهائيا حقل ”الأركيولوجيا” أو ”علم حفريات” اللغة، بينما استمر غاية القرن التاسع عشر، سؤال الأصول هاجسا مركزيا بخصوص دراسة اللغة. إذا تغيرت بعض الإشكاليات تبعا للفترات الزمانية، سنلاحظ في المقابل، بأن أخرى، اقتحمت دون اكتراث حاجز القرون.
نعتقد دائما، بأن مسارا لسانيا يريد في الوقت نفسه أن يكون فلسفيا، يلزمه طرح إشكالية بداية اللغة. لايحق للفيلسوف التملص من إشكالية الأصل، والنشأة وكذا المرتكزات التاريخية، بدعوى صعوبة توضيحها.بهذا الخصوص، طرح همبولت السؤال، سواء كان صائبا أو خاطئا(1).
فيما يتعلق باكتساب اللغة (النقطة الثانية)، فقد اتخذت بالأحرى القضية،حاليا، منحى سيكولوجيا. وإن كان احتمال ذلك جزئيا.
أما بخصوص النقطة الثالثة، أقصد: الخطاب، الفعل الكلامي المبدع، ثم المعطى اللساني الأولي، الرافض لأيِّ تحكم فيه، صامدا حيال كل محاولة اختزالية، قدر كون موضوع اللسانيات ليس سوى الإبداع ”اللغوي” للذات المتكلِّمة. الحوار المتجلي بشكل أفضل عبر طاقة الكلام الإبداعية. يفترض الحوار،سواء لدى المتكلم (الذات المتكلمة؛ الإنتاج؛التعبير) وعند المخاطَب (المستمع؛ التلقي؛الإدراك) وجود وكذا فاعلية نظام ضمني للقواعد التوليدية، بمعنى خطاطات أو نماذج للتمثيل الداخلي. ينصب هذا التصور المفهومي من خلال تصور فطري على الإشارة (الدال) ثم في نفس الوقت المحتوى الدلالي مرتبطا بالعلامة (المعنى).
على أيّ شيء ترتكز معادلة همبولت بخصوص”النسق الضمني للقواعد التوليدية”، باعتباره ”القوة الداخلية للغة”؟ ثم ماوظيفتها؟ يوضح همبولت: ”لاشيء يعتمل داخل نفسيتنا سوى جراء نشاط ذاتي. الفهم والكلام مجرد تجليات مختلفة لنفس القوة اللسانية. لاشأن للحوار بأيِّ تحويل لمحتوى مكتمل تماما. مادام الأخير يبدعه المستمع والمتكلم،تحت تأثير قوة داخلية نوعية؛ وما يتلقاه الأول أساسا تلك الدعوة إلى الكلام،الملازمة لخطاب الثاني”.
سلبية المستمع فقط مظهريا. ليس الحوار تعاقبا زمنيا أو سلسلة مونولوغات؛ بل لوغوس متزامن، إيقاعي، سمفوني: “يتشكل الفهم،لأن الأفراد ينتهجون ذات حلقات السلسلة الداخلية لتصوراتهم الحسية أو المجردة، بحيث يقرعون نفس زرِّ آلتهم الذهنية؛ مما يوقظ لدى كل واحد منهم تصورات متناظرة،وغير متماثلة، وليس نتيجة إدمانهم الفعلي علامات الأشياء، أو قرروا اتفاقا مشتركا قصد إنتاج مفهوم مماثل لذاته على الوجه الأكمل”.
مثلما أشرنا إلى ذلك، يستند جانب كبير من مشروع تشومسكي التحويلي والتوليدي، على فكرة استحضار اللغة انطلاقا من قوتها الإبداعية. لكن، يبدو أن مفهوم تشومسكي بخصوص الكفاءة والانجاز أكثر خصوبة (ذات مرونة إجرائية كبيرة) من مسلمة ”اللغة الفطرية”، بتعدد أغراضها، الثقيلة والغامضة إلى حد ما. عموما،لاتتطابق تماما ثنائية الكفاءة/الإنجاز مع تصور همبولت، وبعدها،معطى اللغة /الكلام مثلما أرست معالمه اللسانيات المستلهمة لفرديناند دي سوسور.
الكفاءة مفهوم سلبي(حسب مفاهيم هيغل)، يكتسيه طابع الممكن أو المحتمل، يحدد تقريبا جوهر أو ”محتمل” العبارات التي يمتلكها المتكلم.
الانجاز إيجابي نتيجة مستوى الفعلية (بالمعنى الأرسطي) يتوخى الدلالة على مجموع التراكيب اللغوية التي تلفظتها فعلا أو – أحدثتها- الذات المتكلِّمة.
بوسعنا القول، بأن النحو التوليدي والتحويلي انطوى على حلٍّ أصلي وأنيق بالنسبة لمفارقة الآنية/التطورية، وفق معنى امتثال الأول للثاني، ثم اللسانيات البنيوية، التصنيفية والتجريبية (مع إجراءاتها القائمة على التجزئة والتصنيف) إلى اللسانيات التاريخية، التحويلية والتوليدية. هكذا،تسمو الخطاطة التأويلية للنحو التوليدي، دون التملص من الأطروحة النقيض، فوق الوضعية النزاعية للاتجاهين من خلال التسليم بأولوية “السيرورة” على “النسق”. والحال،هي أولوية،أوضحها قبل ذلك همبولت، بتأكيده على أولوية المقدرة قياسا للغة/المشروع (ergon). يظهر لنا صواب بول ريكور حينما اعتقد بأن: “تشومسكي يربط مفهومه عن القاعدة التوليدية بتصورات همبولت حول تبعية البنية إلى التشكل”.

*اللغة باعتبارها رؤية إلى العالم
ستظل هذه الرؤية المقتضبة لتصورات همبولت غير تامة إذا أسقطنا من حسابنا أطروحة اللغة ك”رؤية للعالم”. إذن، انطلاقا من كونها تعبيرا عن الفكر، تعكس اللغة وضعا إيديولوجيا أو فلسفيا معينا بخصوص الحقيقة،مفهوم معين عن العالم يتغير حسب تغير تعبير الفكر(من شخص إلى آخر أو من لغة إلى أخرى). إذا أمكن ديكارت،بور رويال، شليغل وآخرين كثيرين قبل همبولت، ملاحظة علاقة اللغة/المنطق، فإن فرضية اللغة/رؤية العالم (نتيجة طبيعية) تبقى جديدة بالنسبة لإطار اللسانيات الديكارتية.
يعني أولا، تفاعل اللغة/الفكر(لاتوجد لغة دون فكر، ولافكر بغير لغة) ارتكاز الوظيفة الأساسية للغة- أشرنا إلى ذلك سابقا- ليس التعبير أو الكشف عن فكر قائم سلفا تماما، بل الانسياب في قالب أفكار مادة العالم الحسي. تجعل طبيعة اللغة ممكنا الوعي التأملي بالعالم. بيد أنه لاتوجد لغة واحدة، مما يدعو إلى القول، ليست اللغات وسيلة قصد إبراز حقيقة معروفة سلفا(تفهم مثلما هي)لكن، أكثر من ذلك، اللغات بمثابة اكتشاف حقيقة غير معلومة سابقا.
لاتترجم فقط تعددية اللغة تعددية الأصوات والعلامات، بل يضاف إلى ذلك، تعددية منظورات العالم، مادامت اللغة، هي الفكر. تتم كل رؤية إلى العالم عبر لغة معينة؛فالأخيرة مرهونة بالأولى. علما بأن اللغة لاتحيل قط مباشرة على الواقع.
يبدو بأن همبولت يدعم فعلا، إلى حد ما، تصور اعتبار اللغة شرطا لإمكانية الواقع، بمعنى الحقيقة كبنية واضحة. الذات تتقدم على الموضوع ويستبق المفهوم مرجعيته. لقد غادرنا الإشكالية الديكارتية، ثم مضينا بيسر نحو المثالية. تعكس كل لغة عالما في ذاته، وجهة نظر خاصة حول حقيقة الشيء، قدر كونها فريدة رغم السمات العامة المشتركة بين جل اللغات.
متجاوران تعدد منظورات العالم (weltanschauung) وكذا طبيعة الكلام (sprachcharakter) :يتسمان معا ببعدهما الشخصي والفردي، بينما يظل الشكل اللغوي (sprachform )عاما وشاملا. هكذا تخفي اللغة، مايلي :باعتبارها كلِّية تنظمها تطورات إدراكية، فقد تأتى لها التموقع بين الإنسان والعالم، ثم الذات والموضوع.بالتالي، تُطرح قضية إبستمولوجية: تلك المتعلقة بشروط صحة المعرفة، وميتالغة أو تلك الأبجديات العامة للأفكار. قضية كبيرة لانعمل في هذا المقام سوى التلميح إلى بعض وجودها.
إذا وجب تصديق تشومسكي، لاتمثل فقط الفرضية الأصلية للرؤى الكونية، تجاوزا لإطار اللسانيات الديكارتية، لكنها تقطع جذريا مع إرشاد الديكارتيين بالإحالة على رؤية للغة رومانسية أساسا. خلافا، لمثالية ”الإنسان المستقيم” الكلاسيكية على مستوى التعميم والموضوعية، يعتبر الفكر الرومانسي تمركزا على الذات، بل أنانية: ينهض على الاختلاف، الذاتي، عبادة الذات، السمات المميزة، الفرد، الوطن، يعني على كل معطيات التباين:”حينما عزا همبولت– أمر بديهي- دورا من هذا القبيل إلى اللغة في إطار العمليات الذهنية التي تحدد اللغات الفردية (بمعنى تعيِّن كل لغة ”عالما مفهوميا” ووجهة نظر وحيدة من نوعها) فقد ابتعد بطريقة جذرية عن سياق اللسانيات الديكارتية قصد تبنيه تماما منظورا رومانسيا”.
بخصوص هذه النقطة، يبدو أن تشومسكي لم يقتف خطى همبولت، بحيث بقي متحفظا ومترددا. فهل يلزم القول بعدم ضرورة تصنيف صاحب كتاب اللسانيات الديكارتية ضمن من أشار إليهم أندري مارتني: “الذين يعتبرون بأن البنية اللسانية التي يتلقاها الفرد من محيطه تعتبر أساسا مسؤولة عن الطريقة التي ينتظم وفقها مفهومه للعالم”. يظهر، بأن الجواب سيكون بالإيجاب في نظر”البنية العميقة” وكذا ”فطرية” اللغة.
علاوة على ذلك، يجدر بنا ملاحظة كيف اشتغل بتنوع ضمن إطار الدراسات المعاصرة، هذا الإلحاح حول الارتباط بين البنيات اللسانية والحقائق غير اللسانية. تبقى بعض الأصداء ملائمة لهذه الفرضية. يضيف مارتني: “نرصد، إلى أيِّ درجة تحدد اللغة التي نتكلمها رؤية كل واحد منا عن العالم”. ثم،يوضح فون فارتبورغ، من جهته قائلا: ”حين الحديث بكيفية انتقائية عن أتباع همبولت الجدد، فاللغة تعكس التعبير عن الشكل الذي وفقه يرى الشخص العالم بل ويطويه داخله”.
بجانب إدوارد سابير وكذا مدرسة همبولت الجديدة، نصادف بالتأكيد اللساني الأمريكي بنيامين لي وورف، الذي جعل بشكل أكثر أصالة، فرضية همبولت عن”ميتافيزيقا خفية”للغة، ممتدة غاية حقبتنا المعاصرة. حسب وورف، لايكتفي النظام اللساني لأيِّ لغة عند مستوى إعادة إبداع الأفكار، والتعبير عنها؛ بل صياغتها بكيفية نوعية.
تقدم كل لغة طبيعية ”تقطيعا” أصليا بخصوص التجربة التي نعيشها: إنها تهيكل الواقع إلى مناطق لسانية توافق شبكات مفهومية (مادامت – هل ينبغي التذكير بذلك؟- تكمن بواكير أطروحة رؤية العالم في تلك المتعلقة بالهوية بين اللغة والفكر). إذن، إضافة إلى أن لغات الأمومة ”تفحص” حرفيا مرجعها(العالم غير اللساني، الواقع،معطى التجربة)، فإنها تميز ضمنه بين مستويات أو مناطق وجود لاتتطابق بالضرورة ولابشكل عام من لغة إلى أخرى.
تستثمر اللغة الوجود وتمنحه معنى، وبحسب تعبير هيدغر الشهير: ”اللغة مسكن الوجود”.

*خلاصة :
في النهاية نحب أن نخلص بسرعة صوب إبراز الميزتين الأساسيتين للسانيات تشومسكي الديكارتية:
من وجهة نظر تعاقبية أو تطورية، اتجه مسعى تشومسكي وجهة بعث وكذا رد الاعتبار لمبحث مهم بالنسبة لتاريخ نظريات اللغة: هناك تجاهل للسانيات الديكارتية، أو عانت الأخيرة إهمالا مجحفا. لذلك سيوضح انطلاقا من المرجعية الديكارتية، بأن اللسانيات لم تولد خلال القرن التاسع عشر مع أعمال فرانز بوب Bopp، بحيث سبق جزء كبير من أطروحات وكذا خلاصات اللسانيات الديكارتية، حقبة بوب أو القرن التاسع عشر. ثم اكتسبت تميزا خاصا جدا خلال حقبتنا الحالية، في خضم عودة إلى اللسانيات العامة.
على أيِّ شيء ترتكز، من وجهة نظر آنية، الحمولة الأصلية للسانيات الديكارتية (منذ أصولها الديكارتية غاية تشومسكي) فلا يمكن الارتياب بخصوص القاسم المشترك المتمثل في مايسمى بإبداعية اللغة.إبداعية شكلت ولازالت تشكل سلعة رخيصة عند اللسانيين البنيويين والتجريبيين.
كنا في حاجة إلى سلطة تشومسكي، من أجل انتقاد هذه الحقائق الأولى، بمعنى من جهة، تعتبر اللغة نظاما تواصليا ونسقا تمثيليا، تنتج وتعيد إنتاج تعبير الأفكار،ثم من جهة ثانية، فالكلام لايتصور دون إعادة تحيين أو اكتشاف جديد دائم لعناصر النسق اللغوي.

مرجع المقالة :
*Josef Voss :Chomsky et la linguistique cartésienne ; Revue Philosophique de Louvain ; Année 1973 . pp. 512-538
(1) نقر بلا جدوى التقييم الصارم لجورج مونان(تاريخ اللسانيات)في حق شخصية همبولت بحيث :”توارى تأثيره الكبير…بعد موته(ص 188)،ويستمر الاستحقاق الوحيد في نظر المؤرخ،حسب مايبدو،كونه أبان عن نبوغ جعله”محركا للأفكار العامة”(ص 187)و”رائدا عظيما،نذكر اسمه ونمتدحه،لكننا لانرتاد إليه قط”(ص 188).نقد جائر،بحسبنا لأنه يتجاهل أو يخفي تجاهله لإحدى التطورات الفكرية البارزة التي تحققت خلال النصف الثاني من القرن العشرين :العودة إلى اللسانيات العامة،لكن بشكل خاص،استعادة لراهن نظريات همبولت بفضل اقتران صنيع تشومسكي،بنيامين وورف وكذا أتباع همبولت الجدد.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق