ثقافة السرد

ارحل ايها الزمن ما أقبحك!

أعراب احمد 

ضوء خافت يترنح بين جنبات الغرفة ، ينعكس كسولا متثاقلا على الوان جدرانها الرمادية ، يحيك خيوط تراجيديا اجتماعية من هذا الزمن الأغبر . ستارة باللون الاصفر كوجه الموت ، تخفي زجاج نافذة شفاف يطل على باحة تكدست فيها تجهيزات متلاشية ومهملة ، اعتراها الصدأ تماما كما اعترى كثيرا من القيم الأصيلة التي كانت ذات زمن ولى ، القلب النابض في نسيج العلاقات الاجتماعية. كانت ذات زمن صالحة للاستعمال ، تسهم في توفير الخدمات الاساسية للمرضى نزلاء المستشفى ومن يقومون على خدمتهم من أطباء وممرضين واداريين … اشياء لم يعد احد يفكر في وجودها ليبعدها عن انظار المرضى حتى لا تذكرهم بالموت وهم يطاردون آخر بصيص أمل في الحياة . مثلها مثل كل الأشياء التي تنتهي وتؤول الى الزوال بعد عمر قد يطول او يقصر حسب الاستعمال وقوة التحمل الملقاة فيه من يوم وجوده على يد صانعه .
فوق طاولة تتوسط الغرفة ، مزهرية زرقاء لامعة ، فيها باقة ورد ذابلة ، لا احد يتذكر متى وضعت هناك تماما كما ذبلت ايام مريضنا الممدد على السرير ، ينتظر رصاصة الرحمة ، تلك الرصاصة التي قد تأتيه على حين غرة ، من طعنة في الظهر ، ان امتدت يد احدهم ممن سيذرفون الدمع الغزير كالتماسيح لفقدانه ، الى زر الاجهزة الاصطناعية التي حلت محل الاجهزة الطبيعية ، لضمان استمرار الوظائف الحيوية الاساسية في محاولة لشده زمنا أكثر الى الحياة رغما عنه وعن كثير ممن ينتظرون اعلان مفارقته الحياة، تاركا وراءه ارثا ثقيلا وكثيرا من علامات الاستفهام.
كيف انهار هذا الكيان الشامخ الذي كان إلى عهد قريب مفعما بالحياة ؟ وحده نحيب تلك الأجهزة التي تبقيه حيا لى حين ، كان يعلو فوق صمت الغرفة يرافقه أنين احلام تحترق على عتبات الجرح الغائر في روح الممدد على السرير ، في انتظار معجزة تنزل عليه من السماء الطرد شبح الموت المحلي في سماء الغرفة مثلما تحلق الكواسر فوق فريسته قبل ان تنقض عليها .
كان هناك من يبكي، تاركا دمعه ينساب شلالا حارقا داخله ، لا يسمع له هدير، وكان هناك من يبكي كالتمساح وفي داخله فرحة مكبوتة ينتظر إطلاقها بمجرد توقف تلك الاجهزة الاصطناعية عن الانين والنحيب ، إيذانا بالنهاية المحتومة التي تضع حدا لكل امل كانت بوادره غامضة ، غير واضحة منذ البداية.
نهاية طال انتظارها لأزيد من ثلاثة اسابيع ، مرت كأنها زمن لا يخضع لمقاييس الزمن المادي المشار اليه بالأيام والشهور ، فبين امل تغذيه ثقة واهية في التقدم العلمي والتكنولوجي ، وايمان عميق بقضاء الله وقدره من جهة ، ورغبة في استعجال المكتوب المقدر تبطن تفاصيل جريمة لم تكتمل عناصرها بعد من جهة اخرى ، كان الزمن يتخذ بعدا اسطوريا اختلفت تفاصيله بين المترقبين المتناوبين على الوقوف بجانب سرير المريض ، او غير بعيد من هناك ، في قاعة الانتظار ، متى اقتضى الامر اشعال سيجارة او اجراء مكالمة هاتفية استعدادا لما بعد موت الأب.
ماذا حدث ؟ كان الحاج الطاهر، شهما قويا ، صقلته الحياة واذاقته من حلوها ومرها صنوفا والوانا ، مر بأزمات متتالية ، كان يخرج منها دائما اكثر قوة واصرارا على التضحية بكل غال نفيس من أجل حياة اجمل وابهى ، كان ذا رأي حصيف وكلمة مسموعة وصاحب مشورة ، يسدي النصح لكل من قصده يستشيره في امر من امور الدنيا ،مستعينا في ذلك بإلمامه الواسع بخبايا المال والاعمال والاقتصاد .
كبر ابناؤه من زوجته الاولى ، واصبحوا رجالا ونساء ، لكل منهم بيت وعائلة ، واصبحوا راغبين ومصرين على تدبير شؤونهم وفق منظور خاص يحيل عقلية الحاج التقليدية على التقاعد . ازدادت رغبتهم في كسر فروض الولاء والطاعة الواجبة للشيخ الكبير ، الذي يكبل طموحاتهم ويقلم اظافر الوحش الذي بدأ ينمو بين احشائهم تحذوه الرغبة في التهام كل شيء . تنازل الحاج لأبنائه عن بعض اعماله يديرونها وفق ما تقتضيه حاجتهم لاشباع نهمهم وجشعهم، رغم ان الحاج لم يقصر يوما في تلبية حاجياتهم وحاجيات زوجاتهم واولادهم . انعم عليهم واغدق عليهم من ملذات الحياة ونعيمها ، ما لم يكن متوفرا لغيرهم .
اطلقوا العنان لنزواتهم ، غيروا سياراتهم بسيارات فارهة باهظة الثمن ، انتقلوا للسكن في الاحياء الراقية ، لمجاورة أمثالهم من ناهبي ثروات غيرهم . تنكروا للقيم الدينية، الأخلاقية والاجتماعية ، استهوتهم حياة البذخ والترف ، يقيمون الحفلات الماجنة ، يسافرون لقضاء عطلهم خارج البلاد يتسترون خلف نظارات سوداء تخفي عيونهم الوقحة عمن قد يتعرف عليهم في بلاد الاعاجم ، بهيئاتهم التي تشبه هيئات اليهود والنصارى .
لم تكن عين الحاج غافلة عنهم ، خصوصا بعد ان اصبحت لهم سحنات غيرتها المساحيق واجسام ممتلئة كأجسام العاهرات ، كلما طالبوه بالمزيد اقتطع لهم من ملكيات العائلة الممتدة على مختلف القطاعات الاقتصادية . كان ينظر اليهم وهم يخرجون من تحت عباءته ، وعن دائرة نفوذه وسلطته التقليدية ، وهو يدرك انهم كالذئاب الضارية إن خرجوا من تحت سقف بيته الذي تربوا فيه ، لا شيء يوقف زحفهم على الملك العام للعائلة يلتهمونه كالنار في الهشيم ، وانهم متى خلوا الى بعضهم البعض يضحكون ويسخرون منه وهو يلوح بعصاه في الهواء متى اجتمعوا حوله يأمر وينهى . كانوا واثقين من ضعفه ومن قوتهم وينتظرون الفرصة المواتية للانقضاض عليه وتجريده من مسؤوليات تسيير املاك العائلة التي افنى عمره في حمايتها وتنميتها . فكروا ودبروا وخططوا لكل شيء ، خاصة وانهم اندمجوا بسرعة في عالم المال والاعمال ، معتمدين على اسمه وسمعته ودائرة معارفه ، وامتدت علاقاتهم لمختلف دوائر القرار السياسي والاقتصادي ،يحصنون انفسهم ضد تقلبات السوق وتغيرات الاوضاع العائلية التي قد تنقلب ضد مصالحهم مستقبلا .
استغلوا فترة تواجده بالديار المقدسة لقضاء شهر رمضان واداء العمرة جريا على عادة اهل الجاه والثروة ، واعتمادا على التوكيل الذي وضعه بين ايديهم لإدارة اعماله اثناء غيابه ، صادروا كل شيء ، فصار ملكا محفظا بأسمائهم ، لا يحق لاحد ان يقربه وان كان الحاج نفسه . بتراض وتوافق ،ووفقا للقاعدة الفقهية القاضية بان يكون للذكر مثل حظ الانثيين ، تقاسموا الميراث بينهم وصاحبه ما زال حيا يرزق . انكروا حق اخوتهم الصغار ولم يعترفوا لهم الا بحق الصدقة والزكاة التي اوصى بها الشرع الاسلامي كحق معلوم للفقراء والمساكين والايتام ، وهم طبعا احرص الناس على الإسلام وأكثرهم غيرة على تعاليمه وشرائعه.
عاد الحاج من سفره ، ولم يكن احد في انتظاره في المطار . اشتاق لرؤية الاولاد الكبار قبل الصغار ، ليطمئن على ودائعه التي وضعها بين ايدي ابنائه الذئاب المتخفين وراء اقنعتهم التي أبدعوا كثيرا في نسجها وحياكتها واختيار الوانها حتى تتناسب مع اي وضع من الاوضاع المستجدة في حياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية والمهنية وغيرها .
مر اسبوع كامل عن رجوعه من الديار المقدسة ، ولم يأت أحد من ابنائه الكبار جدا لرؤيته والاطمئنان عليه بعد غياب دام اكثر من شهر ، كلمهم عبر الهاتف يسأل عنهم وعن احوالهم ، كانوا منشغلين جدا بأعمالهم ومسؤولياتهم ، ويفكرون في زيارته في اقرب فرصة . لكنهم في قرارة انفسهم كانوا يتهربون من ملاقاته والنظر الى عينيه التي قد تكشف السر الذي يريدون اخفاءه وهم يعلمون انه السر الذي قد ينهي حياته .
ارتاح الحاج من وعثاء سفره ، فخرج من بيته ، يجوب شوارع المدينة في سيارته الرولز رويس التقليدية ، التي لم تطلها ايدي ابنائه ، يتفقد الامكنة والفضاءات العمومية وبداخله احساس غريب . كان كل شيء يبدو له غريبا وكأن تلك الاماكن ليست هي ذاتها التي نشأ وترعرع فيها وساهم في صنع ملامحها منذ سنوات الاستعمار الفرنسي للبلاد . عاد الى البيت منهكا ، صامتا ، شاردا ، لا يرغب في الكلام ، جاءت الحاجة تسأله ، رد عليها على غير عادته ، بجملة واحدة مقتضبة : لا شيء . هواجس غريبة تمزق داخلي . سألها ، ان اتصل احد من ابنائه ، جاءه جوابها بالنفي يذكي نار هواجسه وهو يلتمس لهم الاعذار . في اليوم الموالي ، لم يعد لنومه بعد صلاة الفجر ، دخل مكتبه ، ليراجع بعض اوراقه في انتظار المناداة عليه لوجبة الفطور . لم يلاحظ اي تغيير في ترتيب المكتب ومحتوياته ، كل شيء في مكانه . الخزانة التي يودع فيها وثائقه واسراره ، التي لم يفكر يوما في تشغيل نظام فتحها واغلاقها بشفرة خاصة بحيث لا يعرف ارقامها الا هو ، كانت في مكانها ولم يخطر بباله الاطمئنان على مكنوناتها . وما كان يظن ان يد احد من اهل البيت قد تمتد اليها .
قبل ان يلقي بجسده المتعب ، على الاريكة قرب النافذة المطلة على الحديقة ، استوقفته صورة الملك المغفور له محمد الخامس في زيه الوطني، محاطا بأفراد عائلته . نظر اليها بإمعان ، وسيل من الاسئلة ينهال على ذهنه ،ينعش ذاكرة الاحلام التي رافقت عودة الملك من منفاه واعلان استقلال البلاد وبداية مرحلة بناء الوطن . افلت صدره تنهيدة عميقة ، أتبعها بغمغمة لا يفهم منها شيء . ربما كانت تدل على حسرة على شيء ضيعه الزمن في غفلة منه .
استسلم لنداء جسده الذي لم يتخلص بعد من آثار السفر . على الاريكة ، اخذته غفوة على غير عادته في مثل هذا الوقت ، افاق منها مذعورا على صوت الحاجة زوجته تدعوه للإفطار . هالها منظر وجهه ، كان شاحبا يتصبب عرقا . ساورتها الشكوك والمخاوف وهو على عتبة عقده الثامن ، لا تفصله عنه الا سنة او سنتين . ما بك ، أأنت مريض ؟ سالته وهي تمسك بيده تحاول مساعدته على الوقوف . دعاها للجلوس الى جانبه ، امسك بيدها ، نظر اليها محدقا في جمال عينيها الذي زادته سنواتها الخمسون بريقا ينفذ كقبس من نور الى اعماق قلبه كلما نظر اليها . قال لها والكلمات تخرج من بين شفتيه منهكة متهدجة :
رأيت وانا نائم ، كأن ثعبانا يتسلل من خلف الباب ، ينقض على رقبتي يعتصرها والشرر يتطاير من فمه كالتنين . استغيث ، ولا احد يغيثني ، ولم ينقذني منه الا صوتك جاءني ، خافتا يكاد لا يسمع.
خيرا ان شاء ، سآتيك بكأس من الماء .
لا ، اجلسي ، لا حاجة لي بالماء . قال لها وكأنه ادرك خطأ التوكيل الذي وضعه بين يدي ابنائه ، اسمعيني جيدا . هناك اوراق مهمة احتفظ بها في الخزانة التي في غرفة النوم ، هذا مفتاحها ، خذيه واحتفظي به ، ستجدين فيه ما يعينك على ويلات الزمن ، فلم يبق شيء كما كان في السابق . اوصيك خيرا بالأولاد ، اولادك ، احذري ان تعصف بهم الايام من بعدي ، لا أمان لهذا الزمن ولا لأهله .
سالت الدموع من عينيها الجميلتين ، وزاد احمرار خديها ، تنظر اليه غير مصدقة ، لم يسبق لها ان رات زوجها منكسرا مهزوما كما كان ذلك اليوم . احست بقشعريرة قاهرة تجتاح جسدها، تسرق منها قدرتها على الكلام ، وسمعت دوي صمت بارد يشبه الموت ، يتردد في اعماقها . نكست رأسها كراية بيد جندي عاد من الخرب مهزوما ، فقالت له بكلمات يلوكها الخوف ، لا تقل ذلك ، ما هو الا ارهاق ، سيزول ان شاء الله . ماذا عساني افعل من بعدك . أطال الله في عمرك . لماذا كل هذا الكلام ، وهذه الهواجس . انهض لنتناول افطارنا.
بدا الحاج الطاهر منهكا متعبا ، غير راغب في الوقوف والنهوض .أصابه وهن مفاجئ اثقل ركبتيه وافقدهما القدرة على حمل جسده والسير به نحو مائدة الإفطار. القى ببصره ثانية على صورة المغفور له الملك محمد الخامس ، يلتهمها بنظرات متسائلة حائرة ، كانه لم يسبق له ان رآها من قبل . تراءت له سنوات عمره تنساب كخيط دخان صاعد في السماء ليتلاشى ويختفي وراء السحاب الكثيف الذي تختفي وراءه زرقة السماء والشمس .
ساعدته الحاجة على النهوض ، استوى واقفا ، خطا خطوات ، كجندي انهكته الحرب قبل ان تقذف به بعيدا يتجرأ مرارة الهزيمة ، غير قادر على قرع الارض بعكازه ، ولا قادرعلى الوقوف شامخا كما كان في ريعان الشباب . لمعت في ذاكرته صورة ابنائه الكبار وهم يتهافتون على نهش جسده وهو حي ، يخططون لمستقبلهم بعيدا عن بيت العائلة الكبير الذي كان يريده بيتا عامرا ، واسعا يسع جميع ابنائه ، يجمعهم تحت سقف واحد ، فيه يحتمي الصغير بالكبير والضعيف بالقوي ، يشد بعضهم أزر بعض كالبنيان المرصوص. كمن ادرك سذاجة ما كان يحلم به ، انفلتت منه ابتسامة صفراء بطعم الحنظل .
توجه نحو الخزانة خلف المكتب ، والحاجة صفية تتبعه ، اراد ان يخرج الأوراق المدفونة فيها والمودعة في حفظ الله ورعايته . مد يده قبل بصره ، في جوف الخزانة ، فإذا بها خاوية ، الا من بعض ما لا قيمة له من اوراق عبث بها الزمن وطواها النسيان على ادراج الخزانة . أدرك صحة هواجسه ولم يسعفه الوقت لفهم ما جرى . هوى على الارض ، جثة هامدة غير قادر على الحركة ، كذلك الجندي الذي اخطأته رصاصة العدو لتصيبه طعنة في الظهر ولم تمهله لحظة للنظر في عيني من طعنه.
صرخت الحاجة صفية مذعورة ، خائفة مشلولة الحركة . أدركتها الشغالة . نادت على سيارة الاسعاف . نقلته على وجه السرعة الى المستشفى فاقدا الوعي ، مستسلما لهزيمته . ادخل غرفة الانعاش . وكانت حياته رهن الالات المربوطة بجسده عبر انابيب ترصد رمق الحياة المختبئ في اعماق جسد ميت .
للاسبوع الثالث والاطباء يحيطونه بالعناية اللازمة استجابة لاوامر السي عبد الله ، ابنه البكر ، الذي ينتظر ان يفيق من غيبوبته لياخذه للعلاج في امريكا او في المانيا . وهذا ما كان يردده على اسماع الحاجة صفية وإخوته الصغار الذين لم تفارق الدموع عيونهم ، وهم يفكرون في احتمال فقدهم الحضن الدافىء الذي كان ياويهم ويصد عنهم ويلات غدر الزمن ، وهم اطفال صغار، اكبرهم سنا ، أختهم فدوى ، لم تنه بعد دراستها الثانوية .
في يوم جمعة من الأسبوع الثالث بعد دخوله غرفة الانعاش ، وفي حضور جميع ابنائه وزوجته صفية ، وبعض معارفه ، خرج الحاج الطاهر من غيبوبته دون ان يتأكد للفريق الطبي المتابع لحالته تجاوزه مرحلة الخطر . فتح عينيه ،ولكن رؤيته كانت غير واضحة لا يميز الوجوه الا بصعوبة بالغة ، توقف بصره على وجه ابنه الاصغر، بدر ، حدق فيه باحثا عن ابتسامته التي كانت لا تفارقه فلم يجده ، اختفت وراء خيط الدمع المنتدى على خديه ، نظر الى الحاجة صفية من خلال دمعة لمعت في عينيه ، كانه يوصيها وصيته الاخيرة على الصغار . اغمض عينيه ثانية ، حتى ظن الجميع انه مات ولم ينطق بكلمته الاخيرة ، لكنه عاد ليفتح عينيه من جديد ، يجول ببصره في وجوه الحاضرين . تعرف على السي عبد الله ، والسي عبد الرزاق ، والاستاذة زبيدة ، ابناؤه الكبار ، رأى في وجوههم ما لم يكن يراه من قبل ، تعرف على هوية قاتله ، فقال قولته والجميع ينظرون اليه غير مصدقين عودة الروح لتدب في جسده ، قال رحمه الله قبل ان يسلم روحه لبارئها ، ما سمعه الجميع وادركوا معناه : “ارحل ايها الزمن ما اقبحك” . انطفأت عيناه ، وعلى شاشة جهاز رصد نبضات القلب كان الخط يسير مستقيما ، لا يعلو ولا ينخفض . تدخل الفريق الطبي على عجل محاولين انعاش جسد لم يكن في حاجة الا للموت . بكى الاولاد والحاجة امهم ، كما لم يبك احد من قبلهم .
شيع جثمان الحاج الطاهر الى مثواه الاخير ، محفوفا بعدد غفير من علية القوم من الاهل والأقارب والأصدقاء وعامة الناس ، أهيل عليه التراب والشمس تميل إلى الغروب ، وغير بعيد من قبره وقف الاخوة الكبار يتلقون العزاء وعيونهم خلف نظاراتهم السوداء تلمع كعيون ذئاب انفردت بفريستها في زاوية قصية من الغابة. تفرق المعزون ونزل الليل بسدوله الثقيلة السوداء وكان بيت الحاج الطاهر يغرق في سواد الحداد .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “ارحل ايها الزمن ما أقبحك!”

  1. أجمل ما استحسن عقلي هذا الصباح وهو يتنقل بين النوافذ الثقافية المفتوحة على هذا الفضاء الأزرق ، هو سرد الأستاذ” أعراب أحمد” الذي وضع له اسما فسماه ب : ارحل أيها الزمن ما أقبحك” ذلك لأن شيئا ما خفيا شدني إليه ،ربما قد يكون زمان ومكان و شخصيات السرد التي قد علقت في ذهني أنا أيضا، بحكم تواجدنا في نفس المحيط ” الطائفي” الذي استطاع هو بحنكته وحبكته أن يصنع منها تمثالا جميلا كان بودي أن اتوسطه باحة “فلوريدو” بمدينتنا التي نتقاسم حبها معا ، هذه المدينة التي لا تبخل عن كل أبنائها بمدهم بقبس من إشعاعها الحضاري والفني والذوق الراقي كلما طلب منها ذلك. فتحياتي لك أيها المبدع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق