ثقافة السرد

قبل الوداع

بقلم: هشام بن الشاوي

إهداء : إليها (…) حتى تعود !!

سأكتب إليك لوعة قلبي، وكما طلبت مني.. سأكتب دون أن أرتكب أخطاء مطبعية  كالمعتاد، وسأحاول – أيضا- أن أتفادى  تلك الأخطاء اللغوية التي تتسرب من بين النقرات على  الكيبورد، ولن أتحسّر -هذه المرة- إن تفوّق عليّ النحو .. فأكثر ما يؤلمني أني أرتكب أخطاء فظيعة في حق أقرب الناس، سرعان ما أندم عليها.. لأني لست شريرا بطبعي، كما تعلمين. لا أتخيل أن ليلتنا  هاته ستكون الأخيرة، وأنك ستغيبين…

كيف سيكون طعم هذا الصيف من دونك.. من دون سماع صوتك حلو النبرات وهو يدغدغ ما تبقى فيّ من  نبض وحياة؟

حتما سيكون صيفا حزينا، وستبدو كل الأشياء غائمة، غارقة في شجن  وخواء موحش لا  يدركه أحد سواي…

كيف أتحمل كل هذا الحزن في مدينة تعد مرتاديها بالبهجة وأشياء أخرى؟

هل سينقذني تشردي في اللا مكان من اللا مبالاة بأفراح الآخرين واستمتاعهم بالحياة،  وقلبي ينوح مثل حمامة فقدت أنيس عشها؟

وهذا الليل الجنائزي كيف أتعايش مع ثوانيه ودقائقه؟ من يجفف دموع أنيني؟

إن مجرد التفكير في غيابك يقتلني كمدا..

أيمكن أن أستيقظ صباح  الغد دون أن تكوني إلى جانبي، وأهمس لك: “صباح الخير يا عطر أيامي وربيع قلبي”؟

تعوّدت ألا أوّدع أحدا، (فكيف أتحمل قسوة وداعك؟).. تعوّدت أن أتغيّب – ومنذ زمن سحيق- أن أهرب من  خناجر لحظات الوداع، مثلما كنا نفعل -ونحن أطفال-، ننشغل باللعب عن موت قريب مسنّ، بعيدا عن المأتم وأجوائه المتجهمة…

قد يقولون أني غير مهذب، وربما ينعتونني بصفات غير حميدة..

لكني  لا أتحمل الفراق…

قلبي الهشّ لا يستوعب كل هذا الألم..

ربما سترتاحين من مراقبتي اليومية لك، وحدها دموعي المنهمرة الآن تعبر عمّا يخالج قلبي الضعيف.. ربما تكونين صبيحة الغد سعيدة بلقاء أميرتك الصغيرة، والتي أحببتها وأنت تحدثينني عنها دوما بفرح، فيئن قلبي في صمتٍ غيرةً..  ستعودين -غدا- إلى مدينتك، كما السفن إلى مرافئها.. ستسعدين بلقائها واحتضانها، وأنا لا أجد غير أصوات أوراش البناء المجاورة توقظني على الساعة العاشرة صباحا، ومازلت في حاجة إلى النوم..

هل أحتمل ضياعا آخر ؟؟

هل أغار من ملاكك و أحقد عليها؟

بالتأكيد لا…

كنت أخفي  عنك دموعي، وأنت تتحدثين بابتهاج عمّا اشتريت لها من هدايا  وألعاب… أشياء ستسعد طفلة في مثل سنها.. مقبلة على الحياة والفرح، وأستعيد طفولتي التي كان فيها أعزّ ما يمكن أن يهدى إليّ : ابتسامة.

أتكفيني صورك المتناثرة على رصيف أيامي لتعوضني عن غيابك الفادح الذابح؟

لا أعتقد..!

حتى النوم صار عصيا… يبدو أنني أصبت بعدوى الأرق منك.

سأتأمل هاتفي الخلوي، وسأتذكر حين كنت أوقظك من النوم، وعيناي مثل لص تجوبان الأسطح القاحلة.. فأستعيد بعض هدوئي الباطني، بعد كل مكالمة.

كنت أركب رقم هاتفك الثابت…

سيتوارى هذا الهاتف وحيدا  منسيا في غرفة موصدة، كنا نعبث فيها ليلا.. ستصير  الغرفة وحيدة…  وحيدة مثلي، لا يؤنسها غير الحزن.

ولو رنّ هاتفها فلن يرد أحد، وسيبقى الجهاز صامتا غارقا في شحوب اللحظة القاسية.

رأفة بقلبي الذبيح من زغردات رنين سيعوي في  بيداء روحي، قد تزرع بعض الأمل الكاذب بين جوانحي.. لا تنسي حبيبتي أن تنزعي خط هاتفك الثابت.. قبل أن تحملي حقائبك، وتوصدين باب غرفتنا…!!

******

أيتها الحياة : امنحيني بعض الفرح

أستعيره لخراب دواخلي

حتى أحبك وأعدك بقصائد غزل لم تكتب بعد!.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق