حوارات المجلة

حوار مع الباحث الأكاديمي المغربي الدكتور إسماعيل شكري

محاور الحوار:

1_ كيف كان مسارك العلمي ؟
• 2_ما هي الإشكاليات التي عالجتها في أبحاثك وكتبك بالنظر إلى علاقاتها بالحداثة وما بعد الحداثة ؟
• 3_ ما موقع الناقد العربي من كل هذه الاستبدالات المعرفية التي ذكرتها؟

المجلة الثقافية الجزائرية: في البداية نرحب بك دكتور، ونسألكم:  كيف كان مسارك العلمي دكتور إسماعيل شكري ؟

• أولا، تحية طيبة لكم، وشكرا لمنبركم الرصين: المجلة الثقافية الجزائرية الرصينة، ولشخصك الكريم على الاستضافة.. سؤالك يعود بي إلى مدينة الدار البيضاء الكبرى حيث ولدت وتابعت دراساتي الابتدائية والثانوية والجامعية إلى حدود حصولي على الإجازة في تخصص اللسانيات والأدب..
 هنا في هذه المدينة الصاخبة والجميلة كان حدث لقائي بمجموعة من الأصدقاء للمراجعة والبحث الجماعيين محفزا لي على البحث العلمي منذ السنوات الجامعية الأولى؛ حيث إن المنافسة بيننا في قراء الكتب ونقدها ميز علاقة الصداقة هذه…ثم كان حدث افتتاح مؤسسة آل سعود، وهي بالمناسبة من ارقى مراكز البحث العلمي في العالم لتوفرها على بيبليوغرافيا حداثية في كافة مجالات العلوم الإنسانية وباللغات الحية تتجدد كل شهر، نقلة نوعية في حياتي العلمية إذ بدأت أباشر اللقاء ومنذ وقت مبكر، بالمراجع العالمية الجديدة في الدرس اللساني والسيميائي والبلاغي الجديد….هنا تعلمت قراءة جريماص وكورتيس وتشومسكي وبيرلمان ورولان بارت وريفاتير ولوتمان وغيرهم منذ بداية الثمانينيات وفي لغتهم الأصل….
 كان لكل هذه العوامل الأثر البارز على تفوقي في دراستي الجامعية وحصلت على ميزة حسن جدااا في شهادة الإجازة، وكذلك على منحة لمتابعة الدراسة في أي بلد أرغب فيه… فكان اختياري متابعة دراساتي العليا ببلدي المغرب بمثابة حدس بأن هذا البلد المغاربي يتحول ثقافيا وينفتح على الدرس الأدبي واللساني العالمي بكل تأن وجدية… هكذا سأتابع دراساتي العليا بمدينة الرباط، حيث كان لقاؤنا هناك مع جهابدة الفكر العربي واللسانيات والدرس السيميائي مثل الفاسي الفهري وأحمد المتوكل ومحمد مفتاح وعبد الله العروي ومحمد عابد الجابري… فكان لهذا اللقاء الأثر البالغ على مساري العلمي ….. حيث توجت دراستي العليا، ماستر النقد والبلاغة الحديثين، بالمرتبة الأولى مما خول لي تسجيل بحث الدكتوراه مع العلامة محمد مفتاح في موضوع: بلاغة الزمان في الخطاب الشعري؛ نحو نموذج للجهة البلاغية.. هنا سيحصل التحول الكبير، إذ بعد اطلاعي على متون الأدب العربي والبلاغة والنقد العربيين القديمين بحثا واستقصاء ودراسة، من قبيل دراسة الثراث الشعري الجاهلي والموشحات المغربية، ناهيك عن تتبع المنجز البلاغي والنقدي لابن سلام الجمحي وابن طباطبا وقدامة ابن جعفر والجرجاني وابن البناء العددي.. بعد هذا التكوين الهام اتجهت نحو القراءة باللغة الأنجليزية التي يسرت لي معرفة الجديد في الذكاء الاصطناعي والعلوم المعرفية بوجه عام مثل دراستي للأنثربولوجيا النسبية مع فابين، ولنظرية الذكاء المتعدد لدى جاردنر وللدلالة المعرفية مع روش ولا يكوف وميلر وجونسون وفيلمور وغيرهم.. 
 ومن هنا، برز تركيزي على المعرفيات بشكل عام، وعلى البلاغة الجديدة المعرفية بوجه خاص بعد حصولي على درجة الدكتوراه من جامعة محمد الخامس بميزة مشرف جدا وبتنويه خاص من اللجنة….

برزت الحاجة الملحة معرفيا واجتماعيا لتجاوز هيمنة هذا النسق الممثل لاستعارات القطب الوحيد لكونه انشغل بالبحث في الجواهر والثابث واليقيني

المجلة الثقافية الجزائرية:إذن، ما هي الإشكاليات التي عالجتها في أبحاثك وكتبك بالنظر إلى علاقاتها بالحداثة وما بعد الحداثة ؟
 
• لقد طرحت في كتاباتي وأبحاثي سؤالا جوهريا وهو: كيف يمكن للدرس اللغوي والأدبي العربيين الدخول إلى رهانات العصر(الحداثة وما بعدها) والمساهمة في الصيرورة الفكرية العالمية ؟ ذلك أن الركون إلى اجتهادات الأجداد هو بمثابة خروج عن أسئلة العصر، بل هو تحنيط لدورهم الريادي ذاته.. من هنا جاء كتابي: في معرفة الخطاب الشعري؛ دلالة الزمان وبلاغة الجهة، والحاصل على جائزة المغرب للكتاب، ليعيد بناء البلاغة العربية على أساس معرفي؛ فننتقل من ثنائيات أرسطية من قبيل: حقيقة/ مجاز، جوهري/ عرضي…..إلى مصنف بلاغي جهي تنافذي بين قوالب فضائية وصوتية ودلالية تقوم بوظيفة التأويل والتشييد لانسجام العالم عوض تقديم وصف معياري لتلك الصور البلاغية….وهنا كان لابد من نقد العقل الأرسطي الذي هيمن على نسق الحداثة…


لقد سجل المفكرون المنتقدون للوضعية الأرسطية أمثال ميريل:1985، إيكو: 1985، مفتاح: 1990، و سورل: 2004، وغيرهم.. أن معظم التصورات الشائعة في نسق الحداثة ومنذ ديكارت، حول الظواهر الذهنية والدلالية والبلاغية ترتبط بمقولات أرسطية موروثة تضع حدودا فاصلة وقطعية بين عالمي الفكر والجسد، ناهيك عن كونها تتجاهل أهمية السياق والمساق والموسوعة، والعرضي والإيحائي لأن اللغة البشرية ليست مجرد تقسيمات وتحديدات جاهزة صارمة..  وقد نتج عن هيمنة النسق الأرسطي تجاهل مفاهيم مثل الدينامية والتفاعل والمقصدية والعوالم الممكنة، والتي تعتبر وفق العلوم المعرفية المعاصرة، تمثلات معرفية تتداخل فيها عوامل الوراثة البيولوجية والمحيط على السواء، بل إن المعرفة بدورها عوالم أو وقائع متعددة .
 هكذا، فتأثير تلك المقولات الأرسطية الخاصة بالجسد والفكر بلغ مداه في التأثير على الإرث اللغوي والبلاغي والنقدي العالمي، أي على معظم الاستبدالات المعرفية الحداثية بما في ذلك أنساق الثنائيات البنيوية، والدلالة_المركز، وتشريح المقومات إلى عامة وخاصة الخ….، بل تسرب هذا التأثير قبل ذلك إلى فلسفة العقل عند ديكارت ذاته؛ حيث إن العالم، في نظره، نوعان من الجواهر؛ جواهر ذهنية/جواهر مادية، وبالتالي تستلزم ثنائية الجوهر هذه، وهو تصور أرسطي في الأصل، أن يكون لكل جوهر سمات أو خصائص تميزه بوصفه جوهرا . وبذلك، يتميز الذهن بالفكر، أما الجسد فماهيته هي الامتداد Extension، وإذا كان الجزء المادي من العالم قابلا للتلاشي بخلاف الفكر، يصبح الوجود نفسه مرهونا بالوعي الإنساني .
 انطلاقا من هذا التصور القائم على نقاء الهويات، تم القفز على علاقات التفاعل والتنافذ بين الجسد والذهن من جهة، و بين كل منهما والعالم الخارجي من جهة ثانية. وهكذا مثلت صياغتنا لمفهوم الجهة البلاغية
Rhetorical Aspect مدخلا ابستمولوجيا لنقد العقل الأرسطي القائم على الاستبدالية، ونواة لإعادة بناء المصنف البلاغي العربي القديم على أساس تشييدي وتشييداني حيث ينظر إلى الاستعارة مثلا، وهي توسم بزمن الانكماش في الجهة المطاطية، انطلاقا من وظائفها المعرفية، وفي علاقتها التفاعلية المرأوية بالدلالة والتداول والتركيب…
 إذن، بقدر ما هيمن النسق الفلسفي الأرسطي، بشكل مضمر أو معلن، على فكر الأنوار وما تلاه من ثورات في نظريات الأدب الاجتماعية والبنيوية والسيميائية، بقدر ما برزت الحاجة الملحة معرفيا واجتماعيا لتجاوز هيمنة هذا النسق الممثل لاستعارات القطب الوحيد لكونه انشغل بالبحث في الجواهر والثابث واليقيني .

التفكيكية تعزز مبدأ الشك الكامل وهدم المعرفة اليقينية

المجلة الثقافية الجزائرية: فكيف تمت الثورة على النسق الأرسطي؟ وما مدى علاقة هذه الثورة على أنساق ما بعد الحداثة؟
 هنا نتحدث عن التفكيك والتشييد الذين يسمان أنساق ما بعد الحداثة؛  فإذا كانت دراسة الدلالة جوهر استراتيجية التفكيك، فهي الدخل المناسب للقضايا التي تناولتها، كما أن التفكيكية تعزز مبدأ الشك الكامل وهدم المعرفة اليقينية، وفي هذا، كما نلاحظ، ثورة على النظر العقلاني لعصر الأنوار، بل ثورة على الثنائيات الأرسطية نفسها وعلى فكرة الجواهر..، وهذا ما يفسر لنا دعوة التفكيكية إلى الانطلاق في تحليل النصوص من لا نهائية الدلالة واستحالة المرجع La référence، أي أن النص الخاضع للتحليل لا يحيل على أي شيء خارج عنه، وهو ما ينفي وجود التفسيرات الموثوقة. والنتيجة هي البحث اللامتناهي عن المؤولات Interprétants؛ أي يمكن أن نستخلص من نص ما، ما لا يعد من الدلالات التي يمكن أن تتناقض فيما بينها مما يسمح بتجاوز أطروحة هوية النص، وذلك لأن لفظة هوية هي من مكونات الميتافيزيقا التي لا يؤمن بها التفكيك، فالهوية هنا نوع من القيد الذي يجب تحطيمه لأنها تفترض وجود مركز وأصل وتفترض حضور المعنى في النص.
 إن الاستبدال التفكيكي يقوم على أساس موت المؤلف وانتفاء المقصدية، وغياب مركز ثابث، كما أن اللعب الحر بالمدلولات والتفسيرات اللانهائية والتشضي والتناص اللامحدود وسقوط السياق…هي من أهم قيود التفكيك .
 وعلى هذا الأساس، نلاحظ أن هناك ترادفاً بين التفكيك وما بعد الحداثة Postmodernisme، بوصفهما فكرا مناقضا للعقلانية وللكليات سواء أكانت معنوية أم مادية.
 غير أن النسق التشييدي النسبي والمتحول لاحقا إلى نسق تشييداني والذي تبنيناه في أبحاثنا ( المتمثل في العلوم المعرفية التوزيعية، والبلاغة العامة الدينامية والسيميائيات الثقافية وغيرها) يخالف هذه الاستراتيجية التفكيكية العدمية كما أنه يتجاوز الخلفيات الفلسفية الأرسطية ونتائجها المعرفية التي هيمنت على الفكر البلاغي والنقدي سواء أتعلق الأمر باستبدال نظرية الانعكاس، أم بالاستبدال البنيوي والسيميائي، أم بالاستبدال الظاهراتي والوجودي….  من ثم، نعتبر العلوم المعرفية النسبية التي اشتغلنا عليها في كتابنا: إمبراطورية التنافذ؛ نظرية في النسبية التأويلية، أفقا جديدا لتجاوز الفكر الموضوعياني الذي حصر تأويل الكلمات في تحليل ذري يقصي الأبعاد التداولية والإيحائية والمعرفية .  ذلك أن هذا الأفق المعرفي الجديد يسمح بتصور تشييدي يجعل من الحقيقة مؤولات، ومن الواقع واقعا ذهنيا للمتكلم، ومن الوحدات الدلالية نماذج معرفية أو موسوعية، وليست مجرد مقومات مرجعية، ناهيك عن كونه يعترف بدور الجسد والتجربة في بناء الأطر المعرفية للإنسان مما يؤكد أن الحقائق نسبية، والحوار من أجلها في شكل ديمقراطية بلاغية هو المدخل الوحيد للتسامح والتعايش.
 هكذا نخلص إلى أن مشروعنا البلاغي المعرفي الجديد انطلق من مفهوم الجهة البلاغية الذي أعاد بناء البلاغة العربية وفق قوالب وجهات وأزمنة، إلى البحث في ظاهرة التنافذ المعرفي الذي يميز علاقة تلك القوالب والصور البلاغية بعضها ببعض، لنصل إلى أفق توظيف هذه البلاغة المعرفية في تأويل وتنشيط آليات الحوار السياسي والتربوي والعلمي…أي في سياق ما بات يعرف بالديمقراطية البلاغية ضمن منظور تشييداني توزيعي ورد في كتابنا: أنساق للخطاب المركب؛ نحو شعرية موزعة2020….فالبلاغة لم تعد هي علم المحسنات بقدر ما أضحت اليوم تلك البلاغة التي نحيا بها في التعلم وفي الحرب والسلم وفي بناء الديمقراطيات الناشئة….

كل ما شهده العالم العربي من تطورات هامة منذ عصر النهضة على المستوى الفكري والإبداعي لا يعدو أن يكون مجرد اجتهادات شخصية ولا يعبر عن تحول عميق في المجتمع والفكر العربيين

المجلة الثقافية الجزائرية: انطلاقا مما سبق نسألك دكتور: ما موقع الباحث العربي اليوم من كل هذه الاستبدالات المعرفية التي ذكرتها ؟
 اسمح لي السيد محمد نجيب أن أعترف لك بالحقيقة المحزنة الآتية:

 كل ما شهده العالم العربي من تطورات هامة منذ عصر النهضة على المستوى الفكري والإبداعي؛ أي منذ طه حسين وسلامة موسى ونجيب محفوظ مرورا بأطروحات عبد الرحمن الحاج صالح وحمادي صمود وعبد السلام المسدي ومحمد عابد الجابري والعروي وكيليطو ومحمد مفتاح وسعيد يقطين ومحمد مشبال والغذامي… وغيرهم لا يعدو أن يكون مجرد اجتهادات شخصية ولا يعبر عن تحول عميق في المجتمع والفكر العربيين..ذلك أن النزوع إلى التقليدانية كما يقول المفكر العروي هو السمة المميزة لمؤسساتنا التعليمية والفكرية والأدبية….بل أكثر من هذا يمكن أن نجزم بأن البحث النقدي والفكري في العالم العربي هو صورة صارخة لخروجنا عن نسقي الحداثة وما بعد الحداثة…..مازلنا في النسق الأرسطي نجتر سماته ومنطقه: فهل ظهر نحو عربي جديد بناء على إنجازات اللسانيات العالمية ؟ الفرنسية، مثلا، لها اليوم نحو جديد ولغة واصفة مستمدة من اللسانيات….وهل يواكب نقادنا، وفي اللغات الأصل، ما ينجز في العلوم المعرفية والبلاغية الجديدة من أبحاث مذهلة ؟ هل تخلينا عن تطبيقات البلاغة الواضحة في المدارس العربية؟ … هل فهم العرب ما يكتبه العرب ؟ هل وصل فكر أركون والجابري وإدوارد سعيد والغذامي إلى المجتمع وتمفصلاته التربوية والأخلاقية والعلمية؟
 كل هذه الأسئلة هي أسئلة إنكارية تثبت أن محاولاتنا الفكرية والأدبية والنقدية هي محاولات فردية معزولة ولا تعني أننا عشنا الحداثة، كما أنها لا تؤشر على دخولنا المحتمل اليوم في منظومة ما بعد الحداثة…..
 إن الأنساق الثقافية والفلسفية تغزوا المجتمعات الحية مثل مطر غامر؛ الحداثة مثلا لا تميز في المجتمعات المتحضرة الدينامية بين فلاح وأديب أومصمم أزياء….كما أن عصر ما بعد الحداثة غمر البيولوجيا التوزيعية والموسيقى والذكاء الاصطناعي الموزع وطريقة تصفيف الشعر والموضا والسينما وغيرها…فأين العرب من كل هذا…؟
فما زلنا بكل أسف، ومنذ عصور الازدهار الأولى، في النسق الأرسطي التقليداني………
 وفي ختام هذا الحوار أقدم جميل الشكر لكم ولمجلتكم الجزائرية الرصينة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته…

المجلة الثقافية الجزائرية: شكرا استاذنا ونتمنى أن يتجدد اللقاء معكم في فرصة قادمة إن شاء الله….

*أستاذ باحث في المعرفيات (Cognitivist) جامعة جازان، المملكة العربية السعودية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق