قراءات ودراسات

رمزية الواقع في قصص علي القاسمي

قصة "الكومة" أنموذجا

بقلم: عبد السميع بنصابر*

على سبيل التقديم:

عندما تجالس مبدعا ما، فإنك لا بد أن تتلمس هوسه بالمجال الذي يبدع فيه. تستشف هذا من خلال حديثه أو حركاته.. وربما بِصمته أحيانا، أليس للصمت بلاغة أيضا؟! فالفنان التشكيلي قد لا يكبح جماح ذائقته عندما يصرح بها مبديا رأيه في لون هذا الشيء أو ذاك، والملحن يزن الأنغام بأذنه وينوه بجمال مقطع ويشير إلى نشاز آخر إن وجد، والقاص تحكي له القصة أو النكتة، وقبل أن تستجلي أثرها على ملامحه، فقد يفاجئك بتصويب أسلوبي منه، بل قد يدفع به الهوس الحكائي الذي يعشش داخله، إلى اقتراح تغييرات في أحداث حكايتك.. لأنه يرى في القصة قبل كل شيء هدفا أسمى هو الإمتاع…

ولكن، كيف إن كان جليسك متعدد المواهب والتخصصات؟ وأي لذة ستعادل لذة محادثته ومجالسته؟

عندما اطلعت على بعض مؤلفات الكاتب العراقي الدكتور علي القاسمي القصصية، أعجبت بها غاية الإعجاب، وذهلت بطرائقه في السرد الذي يحمل في سيله مضامين ومعان عميقة، محتفيا في ذلك بلغة أنيقة جذابة وسلسة. بذلك صرت أترصد أعماله في المكتبات، فإذا بي أجدني أمام قامة أدبية رفيعة تتسم بموسوعية الاطلاع وغزارة العطاء في الآن ذاته، فالاسم الذي كلل المجاميع القصصية، كلل أيضا روايات ودراسات في اللسانيات والتاريخ والترجمة… آنذاك وقفت على الأركان المتينة التي تقوم عليها أعمال الدكتور علي القاسمي القصصية، من لغة ومعارف ورموز ثقافية واجتماعية وحضارية، استوت وتقوت بكثرة أسفاره وتنقلاته أيضا.

في الورقة التالية نحاول رصد رمزية الواقع في قصص الدكتور علي القاسمي من خلال قصته الموسومة ب” الكومة” ضمن أضمومته القصصية ” أوان الرحيل” الصادرة في طبعة ثانية ضمن منشورات دار الثقافة – 2010. (الطبعة الأولى: دار ميريت، القاهرة، 2007)

البعد السير- ذاتي في قصص علي القاسمي:

لا أذكر كيف تشعب بنا الحديث ذات يوم، حتى أخذ الدكتور علي القاسمي يحكي لي عن قصة فريدة حدثت له بمنزل الأديبة والفنانة التشكيلية زهرة زيراوي… وعندما أنهى الحكي بابتسامته الصافية، رأيته يسارع إلى سحب قلمه وتدوين شيء ما على ورقة ثم يعيدها إلى جيب قميصه بملامح سرور، توحي لك أن الرجل قبض على جوهرة نادرة كادت أن تضيع. ولأنه قرأ – بسهولة- علامات الدهشة على وجهي فقد بادر إلى شرح ذلك قائلا:

– أحيانا تفر مثل هذه الأحداث من ذاكرتي.. وأنسى الكتابة عنها!

وعجبت لهذا الالتزام الذي يتحلى به القاص علي القاسمي في حياته كما في نصوصه. ونحن نصافح أعماله فإننا نستشف هذه الخاصية من خلال مؤشرات عديدة، بين نصوص تفصح عن نفسها كقصص سيرية(1)، من نفس المجموعة مثلا: [ الحمامة- الساعة- الظمأ- القارب…] وقصص أخرى تحتاج أكثر للتدليل عليها كالمكان والدقة في تحديده (العقاب-المجابهة…(2))، أو إحالته أحيانا إلى عناوين بعض أعماله: (رسالة إلى حبيبتي(3)) في قصة الآنسة راجية(4)، وهناك أيضا معالم أخرى محيلة إلى السمة السير- ذاتية في قصص علي القاسمي، قد تكون ذات طابع سوسيو- ثقافي (قصة: لقد سقاني القهوة (5))، أو فكري ( الغزالة(6))…

دلالة الواقع وعمق الترميز في قصة الكومة:

تبدأ الواقعية في قصة الكومة من خلال الوصف الدقيق الذي خص به الكاتب فضاءات القصة:

1- الفضاء الزمني: [ العتمة- في فجر اليوم الثاني- قبل السابعة صباحا… ]

2- الفضاء المكاني: [ كانت العتمة تلف أشجار الحديقة…- سياج الحديقة العامة- على جانب الممر-…]

بعد الوصف الواقعي والدقيق للفضاء الزمكاني، يأتي وصف شخصيات القصة، ونرصد ذلك من خلال جانبين أساسيين:

1- الجانب العرَضي/الخارجي: [ القلنسوة التي يعتمرها- عجوز متلفعة بعباءة سوداء- تحيلها (شفتيه) حمراء قانية كعرف الديك]

3- الجانب السيكولوجي/الداخلي: [ حسبها مجرد كومة- اكتفى بافتراض أن…- أشاعت في جسده توجسا]

2- الجانب الحركي: [ أنفاسه اللاهثة المتلاحقة- اصطكاك أسنانه- ارتجاف أوصاله- يجري مسرعا مكدودا- انطلق … يمارس رياضة العدو- لمح – اقترب- ندت منها حركة مريبة- يركض مقتربا- توقف عن الجري- يعود القهقرى- يحدق فيها- دس يده في جيبه- أخرج بعض النقود- وضعها في اليد الممدودة- التقط النقود- حطها مرة أخرى- نبهها- لمس كفها- حركها- مال جسم المرأة- تسقط على الأرض جثة هامدة]

بفحصنا للمؤشرات التي ذكرناها فإننا نسجل ملاحظات هامة:

1 – الطابع الدرامي للفضائين الزماني: ( الظلام الذي يحجب الرؤية الصحيحة للأشياء)، والفضاء المكاني أيضا ( العتمة تلف أشجار الحديقة العامة ونباتاتها، فتخيل إليه كأشباح سود.. ذوات أذرع متعددة.. مثل أخطبوط هائل¬> الارتعاب وقلة الأمن النفسي أو انعدامه أحيانا- سياج الحديقة¬> إحالة على السجن بأنواعه والحواجز التي تطوق الأشجار/الطبيعة/ الإنسان/ الحرية… )
2 – غلبة ألفاظ وعبارات معجم الجانب الحركي في الشخصيات (البطل تحديدا) على ألفاظ معجم الجانبين الآخرين ونقصد هنا الجانب السيكولوجي تحديدا باعتبار التقابل العلمي والفلسفي للمفهومين : السلوكات أو ردود الأفعال / الوعي واللاشعور (علم النفس).
انطلاقا من ملاحظتنا الأخيرة، سنكون قد اقتربنا من امتلاك مفاتيح قصة الكومة، من خلال وضع اليد على أبعاد ودلالات الحدث أو الأحداث الواردة فالقصة، والتي تحكي عن شخص اعتاد أن يقوم قبل كل فجر بممارسة رياضة العدو في الحديقة العامة المجاورة لمنزله، فإذا بكومة قاتمة تلوح له على جانب الممر. ونظرا لقلة الوقت وتراكم المشاغل فقد كان البطل يكفتي بافتراض ماهيتها، تارة (كومة أحجار جلبت لترميم سياج الحديقة العامة أو ركام أغصان تجمع من جراء تشذيب الأشجار) وتارة يحسبها (عندما… ندت منها حركة مريبة) كلبا أو قطا سائبا اتخذ من الحديقة ملجأ. ولكنه عندما أبصر (في اليوم الثالث) يدا ممدودة من الكومة، (توقف عن الجري ليعود القهقرى إليها ويحدق فيها)، فيكتشف أخيرا أن الكومة ما هي إلا عجوز تلفعت بعباءة سوداء، وحينما دس في يدها الباردة بعض القطع النقدية؛ ظلت – هي – صامتة جامدة الحركة، ثم ما لبثت – بحركة طفيفة – أن.. سقطت على الأرض جثة هامدة.

وفيما يلي، يمكن أن نعطي لبعض الرموز دلالتها:

1- البطل: الإنسان في زمننا الحاضر وفي كل مكان، لأن قصص علي القاسمي تتناول الظاهر غالبا بشكل إنساني كوني، لا تضيقه أية حدود جغرافية أو ثقافية.

2- الحركة / رياضة العدو: غالبا ما يعمد ممارس هذه الرياضة إلى الركض في اتجاه دائري، ومن هنا نستخلص أن الأمر يتعلق بدورة الحياة، التي تبتلع الإنسان، دون أن يجد (متسعا من الوقت) لـ ( يدقق النظر أو يطيل التأمل)، ولأنه يجد نفسه تحت ضغط عدة مشاغل شخصية ( تناول طعام الفطور- التوجه إلى مقر العمل) ولأنه أيضا مطارد بهاجس الوقت ( قبل السابعة صباحا)، و هذا ما يجعلنا نفسر قلة ألفاظ المعجم النفسي/الداخلي، فلا تظهر سوى في عبارات التردد والافتراض [ حسبها مجرد كومة- اكتفى بافتراض أن.. ] وأحيانا تعلن عن حالة الارتباك وعدم الاستقرار [ أشاعت في جسده توجسا].

3- الكومة/العجوز: تختفي وراء ( عباءة السواد) مشاعر وأحاسيس لا نراها بوضوح، وسط عتمة الواقع وكثرة انشغالاتنا، لذلك فإننا لا نسعى إلى تفسير المظاهر وفق منظور إنساني، بل نكتفي بالافتراض [ كومة أحجار- ركام أغصان]، وأحيانا نفسرها بشكل نمطي قاس وفج، فنقول إن الحركة [صادرة من واحد من الكلاب أو القطط السائبة التي تتخذ من الحديقة ملجأ ]. وهكذا فيمكن أن نعطي للكومة دلالة ( الآخر)، الذي تنظر إليه الأنا بنظرة أنطولوجية سارترية صرفة، مفادها تشييء ذوات الآخرين ، ويمكن أن تكون أيضا ديكارتية، حيث إن الأنا/الذات لا تعترف سوى بوجود نفسها، لأنها حققته بواسطة الشك [ حَسِبَها…- بافتراض أن… ] و التفكير ¬> “أنا أفكر، إذن أنا موجود”، ومن تم لا يمكنها أن تؤكد وجود الآخر، لأن الوجود يتحدد بعملية فردية وذاتية هي التفكير.

4- البرودة/ الموت: ويشار إلى أن تيمة الموت/الفناء/ الرحيل… هي القاسم المشترك بين قصص المجموعة التي أخذت منها قصة “الكومة” [ موت الإنسان / موت المشاعر / موت الطبيعة / موت الحضارة.. ]، وفي هذه القصة، نرصد برودة الأحاسيس وموتها من خلال توالي كلمة [لا يهم]، فالذات – كما أسلفنا- لا تعترف سوى بنفسها، ولا يهمها ما يحيط بها، فالكل منغمس في عالمه في صمت وجفاف، لتموت الأفعال الإنسانية مثل (التوقف – التأمل- التحديق…)

على سبيل الختم:

كثيرة هي القصص التي تتكئ على الواقع إما في طرائق سردها أو في مضامينها، لتبث رسائلها الإنسانية إلى القارئ، لكننا قلما نجد نصوصا برع أصحابها في ملاءمة الشكل للمضمون، وموازاة الأسلوب للفكرة، وهنا نقرأ نصا قصصيا التزم صاحبه – بشكل ينم عن تمرس وحرفية عاليين – برسم لوحة قصصية واقعية، بريشة اللغة المعبرة والجذابة، دون غبش أو نشاز في الألوان السردية التي استعملها. فقد سعى القاص الدكتور علي القاسمي إلى تبيان جفاف المشاعر الإنسانية، من خلال أسلوب لم تطغ عليه اللغة الشعرية الحالمة، بل كانت مقتضبة وسلسة وموحية.. وصادمة في الأخير. وقصة “الكومة”، تستحق أكثر من (وقفة، وتأمل) أيضا لأن “كومة” علي القاسمي تخفي أيضا مشاعر إنسانية لا حدود لها، والقارئ طبعا هو البطل، وما عليه إلا الاقتراب منها وتحسس ما تحمله من رسائل عميقة، بتنا لا نحفل بها في عصر السرعة والدوران الذي لا ننتهي منه حتى (نسقط) في يوم من الأيام (جثة هامدة).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* عبد السميع بنصابر، قاص روائي ناقد مغربي
* هوامش:

1- إدريس الكريوي. جماليات القصة القصيرة- دار الثقافة- الدار البيضاء- الطبعة الأولى – 2010
2- علي القاسمي.حياة سابقة- دار الثقافة- الدار البيضاء- الطبعة الأولى
3- المرجع السابق
4-المرجع السابق
5-المرجع السابق
6- علي القاسمي. أوان الرحيل- قصص قصيرة- دار الثقافة- الطبعة الثالثة- 2010

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق