قراءات ودراسات

ابن خلدون بين الماضي والحاضر والمستقبل (2)

ميثم الجنابي

الفهم الناقص لحقيقة الفلسفة الخلدونية

لقد توصلت في المقال السابق إلى أنَّ ما كتبه طه حسين عن ابن خلدون وأحكامه النهائية الجازمة هي نتاج موقف منهجي يتسم بقدر كبير من التسطيح. وهذا بدوره هو نتاج ضعف الرؤية الفلسفية او شبه انعدامها. لهذا اتسمت مواقفه الايجابية والسلبية من ابن خلدون بقدر واحد من البهرجة المسطحة المميزة لأغلب ما كتبه في مجال التاريخ الثقافي والفكري. وبغض النظر عن أنَّ كتابه عن ابن خلدون كان رسالته للحصول على شهادة الدكتوراه، بمعنى إنها كتابة أولية في مسار البحث العلمي لكنها كانت تعكس نوعية ذهنيته المتميزة بالأحكام السريعة والنقد الاهوج والمخالفة المتعمدة لسد نقص المعرفة العميقة والقراءة المتأنية للأعمال النظرية الكبيرة. ولا يشذ بهذا الصدد كتابه (فلسفة ابن خلدون الاجتماعية. تحليل ونقد)، الذي هو من حيث اصله رسالة الدكتوراه التي انجزها عام 1917 بالفرنسية. فقد شدد طه حسين على أهمية وعظمة ابن خلدون الذي اعتبره إلى جانب المعري أكثر من جرى الاحتفاظ بذكراهما في كل تاريخ الآداب العربية منذ عصر الجاهلية إلى عصرنا، ممن قام بعمل خارق وعبقري ومبتكر من العرب والمسلمين. المعري بأعماله “اللزوميات” و”رسالة الغفران”، والثاني في “مقدمته”. وإنَّ قيمة هذا العمل بالنسبة له تقوم في “خطته التي خالف بها من سبقه من المؤرخين، حيث لم يتبع الترتيب السنوي كمؤرخ، بل قسّم التاريخ إلى فصول”، والمعلومات المهمة التي قدّمها عن البربر. وهو أيضا حكم متسرع ولا علاقة له بإدراك قيمة ومعنى الكلّ الثقافي الذي كان المعري وابن خلدون شخصيات كبيرة فيه، لكنهما ليس اكثرهم عبقرية وأثراً وقيمة. بل هناك المئات بل الآلاف الذين يرتقون إلى مستواهم ومن أهمَّ وأعلى وأعمق قيمة وأثراً في التاريخ الثقافي العربي والإسلامي ككل. لكن شغف طه حسين بهما بشكل عام وبالمعري بشكل خاص جعله يعتقد بأنَّ اختياره لهما يعني إنهما الذروة التي تستحق أنْ يتسلق لبلوغها كل ذي عقل! وهو حكم لا يخلو من مراهقة فكرية!
لقد لاحظ طه حسين بعض الجوانب التي يمكن تعريضها للنقد، لكنها بقت في اغلبها ضمن اطار “المبالغات” التي وجدها في بعض ما نقله ابن خلدون من وقائع تاريخية، لكنه لم يفهما ضمن سياق الفكرة التي حاول ابن خلدون الكشف عنها أو البرهنة عليها كما هو الحال بالنسبة لزواج الخليفة المأمون العباسي، والبذخ الذي كان فيه. ومع أنها وقائع معقولة جدا لمن يعرف حياة الخلفاء العباسين في أوج تطورها. لقد كانت الدولة آنذاك غنية جداً حتى حالما يجري مقارنتها بالدول الغنية الحديثة. ومع ذلك فإنَّ توجيه الاهتمام صوب هذه الصغائر هو نتاج كونه لأنه لا شيئ جدي عنده كان يمكن نقده بمعايير العقل النظري. أما مقارنة ما وضعه ابن خلدون بمن قبله من مؤرخي اليونان والرومان، فإنها تصب في فضيلة الأوائل عليه. بينما الحقيقة هي بخلاف ذلك تماما سواء ما يتعلق بنقل الاخبار أو تدقيقها وتحقيقها، دع عنك ما وضعه ابن خلدون من مقدمة لا مثيل لها عند من سبقه. وقد بينت وبرهنت على هذه الاحكام في كتابي (بوابة التاريخ الأبدي). فقد أراد ابن خلدون أنْ يجعل من التاريخ علماً وليس رواية وحكاية، إضافة إلى فلسفته التاريخية. أما ما يسمى بالقوانين الضرورية للمؤرخ التي ينبغي أنْ يتبعها فهي أمور تبدو صغيرة مقارنة بما وضعه ابن خلدون، وينطبق هذا على ما اسماه بفكرة الصدفة والمصادفة التي يدخلها ابن خلدون ضمن ما يمكن دعوته بالأسباب الخفية المؤثرة في مجريات الأحداث التاريخية، الأمر الذي يفسر كما يقول طه حسين ما اسماه “بقصور العقل البشري” الذي أسقط ابن خلدون في ضعف أمام نقاد العصر الحديث. وهو استنتاج مبني على جهل برؤية ابن خلدون لفكرة الصدفة والضرورة. فهو لم يقل اطلاقا بأهمية وفاعلية الصدفة في الحياة التاريخية ومسار التاريخ. على العكس انه اعطى لها بعداً يعادل معنى الوجه المجهول للضرورة. وهي فكرة لم يكن بإمكان طه حسين ملاحظتها أو فهمها. أما استنتاجه عن أنَّ معظم أخطاء ابن خلدون تعود لجهله بالعوامل أو إهماله لتقدير النتائج، فهو استنتاج خاطئ أيضا.
فقد نظر ابن خلدون إلى باطن أو حقيقة التاريخ في كونه “نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الواقع وأسبابها عميق”. ذلك يعني، إنَّ حقيقة علم التاريخ تلازم بالضرورة ارتقاءه إلى مصاف العلم النظري،أي اولوية وجوهرية النظر العقلي والتحقيق الفعلي والتفسير السببي لكل ما هو كائن وموجود أو ما هو ثابت ومتغير بالاستناد إلى مبادئ دقيقة فّصلها ابن خلدون في مقدمته. إننا نقف هنا أمام رؤية تستند إلى معرفة ماهية الأشياء وكيفيتها وأسبابها، إي إلى الاسئلة الجوهرية بالنسبة للبحث العلمي. انه يشير بصورة دقيقة إلى ضرورة النظر والتحقيق والتعليل لما هو موجود، ومعرفة المقدمات والأسباب الأولية، وآلية الأسباب الفعلية وفعلها في الوقائع التاريخية. غير أنَّ مشكلة طه حسين تقوم في انه يقرأ النصوص دوما بعيون معتمة! أما الجدل حول ما إذا كان ابن خلدون عالماً اجتماعياً أم لا فهو جدل معاصر لا علاقة له بحقيقة ومضمون نظريته الفلسفية عن التاريخ. أما استنتاجه عن أنَّ إطلاق لقب عالم اجتماع على ابن خلدون هو مبالغة، فإنها إشكالية المصطلح المعاصر ولا علاقة له بابن خلدون. مع انه دون شك يعتبر واضع علم الاجتماع بالمعنى التاريخي. أما أنْ يختلف “علم الاجتماع” بالمعنى الخلدوني والمعاصر اختلافاً كبيراً، فهو امر طبيعي ولا يرتقي حتى إلى مصاف اكشاف صغير. إذ أنَّ الجميع تعرف إنَّ الفرق بين رياضيات العالم القديم والمعاصر شاسع جدا. لكن الرياضيات القديمة هي رياضيات دون شك. أما المقارنات التي يقدمها حول بعض القضايا بين ابن خلدون وبين ارسطو أو مونتسكيو فهي مقارنات فجة ولا قيمة علمية فيها. أما الخاتمة التي وضعها لحصيلة ما كتبه عن ابن خلدون فلا علاقة له بها. فمن حيث مضمونها وليس من حيث ما ورد فيها احيانا من كلمات التبجيل، أقرب ما تكون إلى اعتبار ابن خلدون شخصية عادية. وإن مصر كانت عظيمة على الدوام وعقلية وعقلانية! وأنها كانت “تمّصر” كل من يقدم إليها. والأتراك المماليك أصبحوا مصريين من حيث التربية والشخصية. ولولا انهم لم يعرقلوا تطور العلوم(!؟) لكانت مصر في تطورها أقرب إلى ذهنية الأوربيين(!). وإنَّ نهضة مصر الأخيرة هي “بأثر الحملة البونابارتية المبارك”
، فهي امور واستنتاجات يصعب هضمها ضمن هذا الخليط الغريب والمميز لذهنية طه حسين المتغربة والمغتربة، أي المليئة بعثرات العقل الناشي والمندهش بوجدان المراهقة التاريخية.
بينما كان كتاب محمد عابد الجابري (العصبية والدولة. فكر ابن خلدون. معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي) أرقى وأعمق مما وضعه طه حسين بما لا يقاس، لكنه يبقى في نهاية المطاف ضمن سياق الاستعراض والتحليل الجزئي. كما انه يحتوي على أفكار تتناقض في نتائجها مع الفكرة التاريخية والعلمية حول معالم الخلاف بين عقلانية المغرب وصوفية المشرق. وهذا توسع في التخريف مقارنة بما وضعه طه حسين في خاتمة كتابه. كما انه يجري من حيث صيغته الأولية بقاعدة “خالف تعرف”. وهو امر جلي في ما سيضعه لاحقا حول (نقد العقل العربي). وفيه أيضا نعثر على خلل المنطق العلمي والضعف الفلسفي، رغم انه يبقى من الكتب الفلسفية الجيدة والكبيرة في تاريخ الفكري العربي الحديث.
أما الآراء والأحكام المبنية على اساس العلاقة بين المثقف والسلطة الشائعة الانتشار بين مختلف تيارات اليسار، التي وجدت في ابن خلدون نموذجاً لفارس الخيانة فهي الأخرى أكثر من يخون الفكرة الثقافية الذاتية. من هنا ولعها بالصورة التي جعلت من ابن خلدون الخائن الأكبر زمن تعرّض دمشق من غزوة المغول والتتر والمذابح التي جرت بأثرها. تماما كما اتهمت التيارات السلفية الجبانة نفسها في تاريخ المواجهة العربية الحديثة والمعاصرة تجاه قوى الغزو الكولونيالي الحديث، ابن العلقمي في سقوط بغداد وما قام به شيعة العراق في فتح ابواب العراق للغزو الأمريكي، الذين هم كانوا في مقدمة حصار العراق لسنوات مديدة وتوفير الغطاء المادي والمعنوي والسياسي واللوجستي!! وعموما هذا هو ديدن الخونة الفعليين.
إنَّ القضية أكثر وأكبر تعقيداً من أنْ يجري ارجاعها إلى ابن خلدون الذي لا علاقة له بتاريخ الأحداث في الشام قبل وأثناء وبعد الغزو الهمجي لتيمورلنك. وعموما إنَّ أحداث التاريخ الكبرى والعاصفة، بما في ذلك سقوط دمشق قد أّرخ لها هو نفسه بمعايير الاستشراف المستقبلي الذي وضع أسسه في فلسفته عن التاريخ. فالأحداث التاريخية والمعلومات الدقيقة عنه تكشف عن انَّ القضية أوسع وأعمق ولا علاقة لابن خلدون بها. فهو ليس الوزير الأكبر ولا حاكم أو سلطان دمشق. فأغلب حياته في المغرب والأندلس ومصر. وقد كان وجوده في دمشق من مصادفات الزمن لا غير.
وقد كان تركيز الأديب الكبير سعد الله ونوس في مسرحيته حول هذه الواقعة التاريخية التي صور فيها ابن خلدون أو جعل منه نموذجاً لخلل المثقف واستعداده لبيع الضمير مقابل الحياة والمال ليست في محلها. وضمن هذا السياق سار الروائي العربي الكبير عبد الرحمن منيف، الذي استنبط من مسرحية (منمنمات) لسعد الله ونوس إشكالية المثقف والسلطة ودوره الضروري في حياة الأمم. فقد كتب بهذا الصدد يقول، بأنَّ “العلاقة بين المعرفة والسلوك، ودور الثقافة والمعرفة، وهل يجب أنْ يكونا في خدمة القوة والسلطان أو في زيادة وعي الناس وصقل أرواحهم، العلاقة بين الطموح المشروع للمثقف وإغراءات السلطة والمال، ثم ماذا يعني المثقف…هل هو مجرد تقني أم صاحب وجهة نظر وضمير؟”.
إنَّ إشكالية المثقف والسلطة غاية في التعقيد. وتحتاج إلى حصافة فكرية ورزانة عقلية وفهم تاريخي عميق بالشخصية وملابسات فعلها التاريخي. وقد وضعت أنا أحد أكبر الأعمال الفكرية الفلسفية والتاريخية التراثية بهذا الصد تحت عنوان (الأشباح والأرواح – تجارب المثقف والسلطة). وهو بثلاث مجلدات كبيرة صدر منها المجلد الأول. والبقية في طريقها للنشر. ففي مجرى البحث النقدي والمتعدد الجوانب والمبني على معارف عميقة وواسعة تتعلق بكل ما ابدعه وسلكه المثقفين، يمكن اطلاق الحكم وليس من خلال حادثة طارئة، مهما كان مظهرها مؤثراً ومؤلماً بالنسبة للوجدان.
أما ما جرى ويجري كتابته من جانب ممثلي الأقليات العرقية والإثنية والدينية فلا يعتد به، وذلك لأنها تستظهر ما في باطنها من عقد عادة ما تلازم الأقلية في موقفها من القومية الكبرى. وهي ظاهرة عالمية وتاريخية، لا تخص قومية أو أمة دون أخرى. فالأقلية غير المندمجة بمعايير الروح الثقافي تعاني على الدوام من انفصام تزيده مرارة عدم الاكتمال والتكامل بمعايير التاريخ والفكرة العامة. وهي ظاهرة مرتبطة بما يمكن دعوته بغلبة القوة البدائية للأقلية بمختلف أشكالها. وهذا بدوره أحد مظاهر النتاج السيئ للتاريخ الدرامي للأقوام جميعا. إذ عادة ما ينحصر اهتمام هذه “المقالات” أو بصورة أدق هذه الأقوال على ما يمكنه أنْ يشفي غليل الأحقاد الصغيرة. من هنا التركيز على ما يسمى بإبراز ابن خلدون لبدوية وهمجية العرب وعدم قدرتهم واستعدادهم لبناء الدولة والعلوم والحضارة. ويقابلهم من يسعى لتفسير موقفه على انه قد يكون من أصول ليست عربية! وكلاهما يلتقيان بالغباء والرذيلة. (يتبع….).

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق