قراءات ودراسات

السارد الارشادي في رواية” اورلندو” لفرجينيا وولف

د. نادية هناوي

الحديث عن القارئ والقارئة واحد في اللغة الانجليزية إذ لا فرق في مفردة Reader بين المذكر والمؤنث بعكس اللغة العربية التي تفرق بينهما، وهذا ما يستدعي الوقوف النقدي المستفيض بازاء اختفاء الدلالية الضمنية (القارئة) في الدلالة العلنية( القارئ) من قبيل ما الذي يكمن وراء هذه الضمنية أهي مصادرة قرائية تجعل الذكر غالبا الانثى أم هي اختزال للتعدد وابتعاد عن التطويل ؟
لعل الاجابة عن هذه التساؤل وغيره لا تخرج عن الاطار النفساني الذي يرتبط بالتداعي الحر وما يرتهن به من أحاسيس شعورية ولا شعورية، حتى إذا ما كشفنا عنها بانت الأسباب وتوضحت النتائج. ولعل أقرب دليل يؤيد صواب هذا الافتراض هو التحول الذي طرأ على الكتابة الروائية في مطلع القرن الماضي فنقلها من جمود التعاطي التاريخي إلى مرونة الكتابة النفسية بتيار الوعي الذي أهم سماته الاعتراف والإبانة اللتان هما مقصد القارئ الذي هو مبتغى الكاتب.
ومعروف أن هذا اللون من الكتابة السردية كان قد برع فيه كتّاب غربيون مثل دورثي ريتشاردسون وجميس جويس ووليم فوكنر لكن فرجينيا وولف الروائية والناقدة الانكليزية تقف في مقدمتهم. فلقد بدت الأكثر شغفا بهذا التيار والأقدر على جعل بنية القارئ فعالة، مولية إياها عناية خاصة، كاشفة عن خفايا انسانية، ومعبرة باحترافية عن الخلجات النفسية الداخلية، ولعل هذا الشغف بالتداعي النفسي كان وراء اهتمامها بالقارئ من جهة وسببا في تمردها في الكتابة السردية من جهة اخرى حتى جربت انماطا مستحدثة وانتهجت مسارات جديدة استطاعت عبرها تخطي القوالب القصصية التي كانت معروفة آنذاك، راكبة تيار الوعي متخذة منه عالما داخليا تستبطن فيه أصواتا داخلية تنبع من بواطن لا شعورية تجمع الداخل بالخارج والظاهر بالباطن وقد يكون لهذا الشغف صلة بانتحارها في الاغلب.
وفرجينيا وولف لم تكن مجرد كاتبة وإنما كانت فيلسوفة عالمة وناقدة سيكولوجية وامرأة استقراطية عاشت في كنف جمهور هو في الأغلب جمهور أنثوي قارئ أهم صفاته أنه عاطفي لكنه صامت ومع ذلك حاول أن يصارع المجتمع الذكوري.
وحضور القارئ الأنثى في كتابات فرجينيا وولف هو الذي ألهمها توظيف تكنيك جديد هو ليس بالمونولوج الداخلي المباشر الذي يستخدم” في القصص بغية تقديم المحتوى النفسي للشخصية والعمليات النفسية فيها دون التكلم بذلك على نحو كلي او جزئي”، ولا هو بالمونولوج الداخلي غير المباشر بوصفه” ذلك النمط( …) الذي يقدم فيه المؤلف الواسع المعرفة مادة غير متكلم بها ويقدمها كما لو أنها كانت تأتي من وعي الشخصية”، وإنما هو تكنيك آخر، إنه سارد خفي يشتغل على المستويين النصي وما بعد النصي في إطارين نفسي وذهني، وبغيته في الاساس النقد وليس السرد وما حصر فرجينيا وولف لأقواله بين أقواس كبيرة إلا تعبير عن مقصدية التعاطي النقدي، بعبارة أخرى نقول إنه تكنيك ابتدعته وولف يخص القارئة بالدرجة الأولى ويختلف عن الساردين الموضوعي والذاتي.
وهو أيضا سارد وسيط شبحي يسترق النظر بوجهة رأي تتدخل في عمل السارد الموضوعي وقد تتوغل في ذهن الشخصية الساردة نفسها. وهذا السارد ليس معادلا موضوعيا للقارئ ولا هو تداع حر غير مقصود، كما أنه ليس حلما أو مونتاجا ولا وسيلة سينمائية، وإنما هو بنية نصية ذهنية مستقلة وخالصة بوجهة نظر تنتقل ذهنيا من طبقة الوعي المسردن إلى طبقة الوعي المنتقد.
ويمكن أن نطلق على هذا السارد اسم( السارد الإرشادي) لأنه يقصد القارئ والقارئة معا، ناقدا وواصفا ومعلقا مسترقا السمع ومتسللا خلسة من دون علم السارد الموضوعي أو الذاتي مستلا الافكار استلالا واشيا بها للقراء وقد يقتنصها عنوة ليظهرها بمغالبة واختراق في أي وقت شاء، لابسا لبوس التخفي حتى أن المؤلف نفسه قد يختلط عليه وجوده فيعتقد أنه سارده الأصل وقد يظنه شخصية متلصصة وهذا ما يجعله متملصا من قبضة الرقيب السردي، متمتعا بحرية الظهور والاختباء.
ويظهر هذا النوع من الساردين عند فرجينيا وولف في روايتها”اورلندو” لتكون هي المبتدعة له على حد علمنا والذي به دخلت عالم الكتابة الميتاسردية.
ويستدعي توظيف السارد الارشادي ـ بوصفه وسيلة نصية تتخطى السرد إلى ما بعده ـ وعيا ابستمولوجيا وتفكيرا معرفيا وممارسة جنونية وفعلا ذاكراتيا يصارع الوجود ويعرف مواطن الاضطراب والعصاب.
ولعل أهم الاليات التي يتم بموجبها توظيف هذا السارد هو تحول صوته السردي من الغياب أو التكلم إلى الخطاب، مع تمييز جنوسي بين القارئ والقارئة وهو ما سمح لفرجينيا وولف أن تقول ما تريد وتنقد بوضوح الواقع وتبحث عن المعاني وتتعرف على الذات حتى صارت قريبة الى رصد رؤى صوفية ميتافيزيقية، وما ذلك الا لأن القارئ /القارئة هو هدفها ما بعد النصي وهكذا بدت وولف كاتبة جنبا الى جنب كونها ناقدة.
والمؤلف الذي لا يمتلك قدرة نقدية لن يستطيع توظيف هذا النوع من الساردين لأنه سيحتاج اولا الى قدرة معرفية في الانغماس في تيار الوعي وثانيا انه يتطلب إدراكا واعيا للآلية لتي بموجبها تتصاعد درامية السرد سواء بالتغريب او الادهاش او المفارقة وثالثا ما يقتضيه من معرفة معمقة بوظيفة كل من السارد الارشادي والمسرود له والقارئ الضمني.
واذا كان مطلب السارد الارشادي القارئ الفعلي الخارجي فإن مطلب المسرود له القارئ الضمني بينما يكون مطلب القارئ الضمني المتلقي. وكان الناقد روبرت همفري قد عدَّ المونولوج الداخلي غير المباشر هو الاكثر اعتمادا عند فرجينيا وولف، وذكر بشكل عابر وعفوي ما سماه فكرة المعلومات التي عدها أساسا قويا يقدمه المؤلف للتكنيك القصصي، لكن الذي فاته أن جزءا من استعمال هذا التكنيك ليس هو المسرود له بل القارئ، ولقد وقف عند ثلاث من روايات فرجينيا وولف وهي مسز دالوي والى المنارة والأمواج وتناسى رواية أورلندو التي تتضمن هذا الاشتغال الاستحداثي في الكتابة بتيار الوعي.
ولا يخفى أن وراء توصيف( فكرة المعلومات) ما يشي بالسلبية على اعتبار أن تدخل المؤلف في عمل السارد سينافي ذاته الثانية، لا سيما في الكتابة السيرية التي ينبغي أن ترتب الأحداث السردية فيها بطريقة واقعية لا وقائعية تماشيا مع نظرية المحاكاة في الفن التي أساسها التخييل الذي به ترتفع الكتابة من مستوى شخصي إلى مستوى انساني عام.
لكن الذي نراه في توظيف النقد في الكتابة السيرية انما هو ايجابي كونه يعمل على إيقاظ بنية القارئ عبر السارد الارشادي الذي سيجعل للتداعي النفسي خصوصية فنية، مميزا بين القارئ والقارئة. ولن نجانب جادة الصواب إذا قلنا إن هذا الذي فطنت له فرجينيا وولف في روايتها” اورلندو” هو الذي ستنادي به فيما بعد مناهج القراءة والتأويل والهيرومنينوطيقيا التي تركز على الدور الحقيقي للقارئ الباحث عن تصور لتاريخ الوضع الانساني رجالا ونساء فلا يقتصر على الذكور فقط، فضلا عن ما ستعطيه النسوية الجديدة من اهتمام بالنسوية ذات الطابع الاكاديمي كما فعلت جوليا كرستيفيا والين شوالتر الاولى أهتمت بالامومية متأثرة بجاك لاكان واستعملت الثانية مصطلح النقد النسوي في كتابها نحو بلاغة نسوية عام 1979 مهتمة” بدراسة كيفية تأثر جمهور القارئات بالصور الاختزالية أو الاقصائية للمرأة”.
وقد جاءت رواية اورلندو في شكل سيرة غيرية ذات مديات كتابية سردية وميتاسردية ومعطيات نقدية موظفة التداعي الحر باستعمال تيار الوعي مراهنة على دور السارد الإرشادي في اعلاء شأن القارئ وعلى النحو الآتي :
أولا : التعاطي الميتاسردي /
في هذا النمط من الكتابة السيرية يتم الاشتغال على بنية سردية خارج نصية تدخل الى ذهن السارد الموضوعي ووظيفتها الارشاد والتعيين وهو ما جعل المؤلفة تضع كلامه بين قوسين كبيرين مميزة له عن الساردين: السارد الموضوعي الذي يريد التسجيل لحياة اورلندو جامعا الوثائق، والسارد الذاتي الذي يريد البوح بما يعرفه فقط.
ولا يخاتل السارد الإرشادي السارد الموضوعي حسب بل هو ايضا يخاتل الكاتبة ويفرض عليها ان تقتحم عمل السارد الموضوعي معبرة عن ذاتها وكاشفة عن مشاعرها” شغف وفوضى وعواطف يكرهها كل كاتب سيرة” ثم تقطع” ولكن لنتابع” وهذا التحريض في الأساس موجه للقارئ الخارجي أكثر منه للمسرود له والقارئ الضمني.
وما توكيدها أن هذه السيرة تكتب من قبل امرأة إلا اشعار بأن هناك قارئة أنثى جنبا إلى جنب قارئ ذكر، تقول:” وعلى كاتبة السيرة أن تلفت الانتباه هنا الى حقيقة ان هذه الصفة الخرقاء فيه كانت غالبا ما ترافق بحب للعزلة”.
ولا خلاف أن في توظيف مخطوطة مذكرات اورلندو التي طالها الحرق فدمر أغلب الوثائق دلالة واضحة على النهج الواقعي الذي أتاح للسارد الارشادي التدخل بالحدس والتخمين مجوزا أن تكون المخيلة بديلة عن الوثيقة لاسيما انكباب السارد الموضوعي على ملاحقة هذه المخطوطة مع قلة المعلومات المتوفرة لديه في اكمال القصة.
وقد يقتحم السارد الارشادي ذاتين: الذات الروائية وذاتها الثانية المؤلفة وقصده توخي الصدق والتحري عن الحقيقة في الترجمة لحياة اورلندو الذي تخبط بين تضادية الجسد والروح والعشق والهجر والعزلة والرفقة فوجد راحته في الطبيعة، تاركا حياة القصور والرفاهية، غير مكترث أن يكون رجلا أو امرأة، متقبلا ضياع الفروسية والوجاهة والاملاك والسيادة، متنازلا بكل اريحية عن ذكوريته غير واجد في ذلك ادنى خسارة، وواثقا أن الجسد زائل وأن الروح هي الباقية.
ويعري النظر في المرآة ارولندو روحيا ليجد نفسه امرأة امتزجت برجل وقد انتابتها مشاعر الرغبة العنيفة والعقل والتهور والتمنع، وتجعله الأنوثة يشفق على الهوامش من الغجر والرعاة والخدم والفلاحين والبسطاء، لذا يرفض السفارة وينبذ الوزارة ويلبس ملابس شابة انكليزية تنماز بالنعومة والرقة والميوعة وسرعة البكاء والاجفال لادنى هزة والافتتنان والغرور والاضطراب وكثرة الحساسية والتخوف والقلق.
وهذه التركيبة من المشاعر هي التي تصيره شاعرة تكتب برومانسية يخفق قلبها لأي صورة قاسية ” الشاعر محيط أطلسي وأسد في آن معا حينما يغرقنا الأول ينهشنا الثاني” وتتلاقى عندها الاضدادا النور/ العتمة، المعاشرة /التعفف، جمال الثلج /خيانة الطوفان، صوت جناحي آلهة الحب /صوت صرير اجنحة سوداء خشنة..الخ.
وبتدخل السارد الارشادي يتوجه السرد لصالح القارئة أكثر من القارئ، مستعملا ضميري الخطاب والمتكلمين، معليا الكينونة المؤنثة واصفا لها بأنها معقدة بسبب التضاد بين التضحية والجلد والفقد والطلب.
وحين قرر ارولندو أن يعود الى رجولته خالعا التنورة ولابسا البنطال، فوجئ بالصرامة التي تلبسته فقلت ميوعته ولم يعد يرى بعينيه وانما من مؤخرة رأسه ولذلك عمَّ حياته الظلام وأصبح الزمن قاسيا وتغلب الواقع على الحلم وصار يحسبه بالساعات حتى اذا أتت الساعة الثانية عشرة التي هي ساعة الطبيعة الحتمية التي بها التحول والدوران تتحول رؤيا العالم لدى اورلندو من رؤية استعمارية ذكورية الى رؤية ما بعد استعمارية انثوية فالاستيطان سيتهرأ وتتحول صورته الوحشية القائمة على القوة والعنف الى صورة مخنثة مغلفة بالرقة يطغى عليه التشارك والانفتاح، وليس فيها تفوق أو تعال، وهو ما تدعو اليه أدبيات ما بعد الكولونيالية اليوم.
ثانيا : التعاطي السايكولوجي /
أسهم توظيف تيار الوعي في استبطان حياة اورلندو الشاب الشاعر الشغوف بالورود والجمال والبرية ذي الاطوار الغريبة الذي” كان يوجد في شخصه قوة الرجل ورشاقة المرأة” وأفاد هذا التيار الذي يوصف بالفيضان في التعرية والمكاشفة باستعمال المرآة التي فضحت المخفي وبانت عن حقيقة اورلندو وما يستتبع هذه التعرية من التعريف بخفايا مؤنثة كمشاعر النشوة التي تنتاب الانثى فتكون المازوشية أساسها حتى أنها قد ترمي بنفسها في البحر من أجل أن ينقذها حبيب بعكس الذكورة التي تكون السادية مطلبها حين تنتابها مشاعر التفوق والغلبة فتسعى الى الاستدراج والمراوغة كي تظفر بالانثى، وتؤكد وولف أن الصرح الكامل للسلطة الانثوية مبني على حجر الاساس ذاك هو العفة التي هي جوهر الأنوثة وركيزتها الوسطى التي تجعل النساء يصبن بالجنون لحمايتها ويمتن حين تسلب منهن ولكن بالنسبة الى من كان رجلا لثلاثين سنة ..ما كان سيجفل كثيرا اتجاه ذلك الشعور.
وهذه التعرية وتلك المكاشفة إنما تبتغي قارئين الأول ضمني والآخر فعلي، ومن الاليات التي استطاعت بها فرجينيا وولف تحقيق هذه البغية الاستئناف الذي به تقطع الساردة الحكاية وتخاطب القارئ بعبارات ميتاسردية مثل” هبا بنا نستأنف قص الحكاية: توغلا في ذلك اليوم أكثر من المعتاد” وهي إذ تستند الى وثائق تاريخية تفيدها في كتابة سيرة اورلندو لكنها تتعمد الاشارة الى أن الوثائق نفسها قد لا تكون مقنعة ومنطقية لانها ستكون كالخيال” ولكننا نصل الان الى حادثة تعترض طريقنا مباشرة لذا لا مجال لتجاهلها ومع ذلك فهي مظلمة وغامضة وغير موثقة وبالتالي فلا تفسير لها قد تكتب المجلدات في شرحها فهناك انظمة دينية بكاملها تناسست على مغزاها اما واجبنا البسيط فهو ان نروي الحقائق بقدر ما هي معروفة وان نترك القارئ يفسرها كما يريد”
وهي لا تتوانى من إشراك القارئ في البنية السردية” ويمكن لهؤلاء القراء أن يسمعوا همساتنا صوتا حيا وأن يروا حين لا يقول شيئا في الغالب كيف كان يبدو وهو بالضبط( …)واننا لمثل هؤلاء القراء نقوم بفعل الكتابة فمن الواضح اذن لمثل هذا القارئ ان اورلندو كان مركبا على نحو غريب من كثير من الأمزجة”.
وقد يكون للتلاقي السايكولوجي ما بين الكاتبة وبطلها اورلندو مسلكا تتحدى به القارئ فمثلما وجد اورلندو في الكتابة والحبر والدواة نجاته مقررا كسر العزلة والتواصل مع العالم الخارجي فكذلك اتخذت المؤلفة فرجينيا وولف من الكتابة نقدا ورواية منفذا لها من عزلتها ” الطبيعة التي تلتد بالتشوش والغموض حتى اننا حتى تاريخه لا نعرف السبب الذي يدعونا الى الصعود الى الطابق العلوي او لماذا نهبط مجددا فحركاتنا اليومية جدا هي اشبه بمرور سفينة في بحر مجهول” وهذا البوح يذكرنا بكتابها النقدي المهم( غرفة تخص المرء لوحده).
فهل كانت فرجينيا تستشرف في هذه الرواية سيرتها المسكونة بالاشباح لتكون هذه الرواية منفذها الذي جربت فيه مغادرة السرد الى الميتاسرد” يواجه كاتب السيرة الان صعوبة ربما يكون من الافضل ان يعترف بها لا أن يموهها.”
ومن آليات السرد التي بها حولت وولف قارئها من متقبل مستهلك الى متقبل منتج التحول في صوت السارد الذاتي من ضمير الغائب الى ضمير الغائبة الذي قسم الرواية الى قسمين الاول ذكوري يسرد بالضمير الغائب” كان هو ـ ولا مجال للشك في نفسه رغم أن الموضة السائدة انذاك كانت تساهم في تمويه ذلك ـ اخذا بتقطيع شرائح من رأس رجل مغربي كانت تتأرجح من عوارض السقف” والقسم الثاني ـ الذي شكّل الجزء الاكبر من الرواية بصفحاتها الاحدى والثمانين بعد المئتين ـ كان أنثويا بامتياز يسرد بضمير الغائبة” راحت لآلئها تتوهج كإشارة فوسفورية في العتمة ففر من رأس شلرداين طائر بري صرخت اورلندو انها الاوزة البرية منتصف الليل 1928 “
وقد ترتبت على هذا الاختلاف الجنوسي في الصوت السردي ثيمتان موضوعيتان متضادتان الأولى النزعة الاستعمارية المنطوية على هيمنة اللون الأبيض وما يستتبعها من أفعال استعمارية تتمثل في الغلبة والوحشية والهيمنة والاستحواذ وهذا ما اشتمل عليه القسم الاول من الرواية بينما تتحول هذه الرؤية في القسم الثاني من الرواية الى رؤية ما بعد استعمارية فالهيمنة وإن كانت علامة تفوق لكنها ظلت تُشعر الرجل الأبيض بالخذلان أمام جثة الرجل الأسود.
ولا مناص من أن يكون في توظيف التساؤلات بشكل مركزي في الكتابة اشتغال على بنية القارئ باستعمال السارد الارشادي كقوله:” ولكن كيف يمكنك أن تخاطب شخصا لا يراك؟ شخصا يرى غيلانا والهة الأساطير الإغريقية وربما أعماق البحر بدلا عن ذلك؟”، واورلندو وحيد لا يراه إلا القراء محدقين إليه ملاحظين تضاداته.
ولعبت الضدية دورا في توكيد ثيمة الانشطار في حياة اورلندو الذي تذبذب بين أن يكون امرأة فيشعر بسحر الانوثة وبين أن يكون رجلا فيشعر بالوحشية والقوة” أن الشخص توأم الشخص الاخر(…) إن كل الحدود القصوى من الشعور على صلة بالجنون”، وقد انبنى على هذه الثيمة تصاعد التحبيك فالنهار هو الرجل والليل هو الأنثى وقد اجتمعت آلهة الحب بآلهة الشهوة وأن في قمة السعادة الموت وفي الفرح الكآبة، وهكذا.
وأسهم النوم والأحلام والشعر في تنغيص حياة اورلندو حتى وقع في الحيرة والشك هل هو امراة استرجلت أم رجل استخنث فضلا عن جعل الغلبة للانوثة التي تفوقت على الذكورة وهو ما اكده القسم الثاني من الرواية الذي جاء بضمير الغائبة. هذا إلى جانب توظيف التكنيكات السردية الأخرى من قبيل الاستباقات الزمنية التي استشرفت المآل الذي سيقع فيه البطل اورلندو والتوظيف الفنتازي الذي جعل الشعرية طاغية على حبكة الرواية، وبالشكل الذي جعل النهاية أنثوية، وكأن وولف تريد أن تؤكد” أن الجسد لا يتأنث لمجرد أن صاحبته امرأة والثقافة تؤكد أن ليس كل النساء إناثا كما أن المرأة ليست في حالة انوثة دائمة وليس التأنيث في نظر الثقافة الفحولية إلا مجموعة من القيم الجسدية الصافية او المصطفاة تحصرها الثقافة في صفات وحدود متعارف عليها”،
وبذلك تكون فرجينيا وولف قد طورت المبنى السردي من خلال توظيف تيار الوعي معرِّية بطلها من ذكوريته مبتكرة السارد الارشادي على المستوى ما بعد السردي مستشرفة رؤية نسوية للعالم بعين فاحصة تثقب المجهول فترأى القادم.
ولا غرو أن تكون رؤيتها الاستشرافية صادقة ويكون تخمينها في محله؛ فالرؤية الاستعمارية قد ولت بسبب جفائها ورتابتها وحلت محلها رؤية ما بعد استعمارية تنماز بنضارتها وخصوبتها لكنها نفسها ستكون قابلة للزوال والتحول أيضا.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق