ثقافة المقال

العرب وعلاقة الإعلام بالإصلاح في عهد الفساد!!

محرز شلبي:

” الإعلام يجب أن يكون منبراً للتصحيح ومكافحة الفساد وليس منبراً للتشهير وتصفية الحسابات.”

إن الإصلاح “فكرة”، تسيطر فيها القوى الروحيّة على المادة. والفساد واقع دامي مشهود، تسيطر فيه القوى المادية على مطالب الأرواح والعقول؛ فكيف يقوم الإصلاح في زمن عصابات تحكم أي مجتمع ؟

*ما هو الفساد أولا ؟
جرثومة أخطر من كورونا التي تجنّد لها حتى رواد الفساد ذاته عبر العالم!!
فهو سلوك غير رسمي وغير شرعي تفرضه ظروف معينة وتساعد عليه يقتضيه التحول الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي.
من مظاهره ” العمولة والرشوة والاختلاس والسرقة والمحسوبية والتخريب السياسي والعدائي والصراعات البينية والتخريب الفكري والأخلاقي عن طريق وسائل الاعلام”

*حقيقة غائبة أم مغيبة !؟
تتحمل وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية مسؤولية تاريخية في مكافحة الفساد بجميع أشكاله على اعتبار أنها تمثل السلطة الرابعة في المجتمع بعد السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وبالتالي في الواقع هي تشكل سلطة شعبية تعبر عن ضمير المجتمع وتحافظ على مصالحه الوطنية.

*إلا في الوطن العربي !!
إنها لمفارقة عجيبة تدعو إلى الأسف والتأمل معاً؛ كما يقول الكاتب د. مجدي إبراهيم ” فأمّا الأسف؛ فعلى الأوضاع المتردية في العالم العربي، فاقت الحصر وألزمت الناظرين إليها روح التشاؤم والقنوط.”
وأما التأمل؛ ففي هذا (الإصلاح) يضيف قائلا عن ” الذي نتحدَّث عنه، وكأننا لأول مرة نسمع عن “الكلمة” شيئاَ ذا دلالة، فلا كأننا كنا منذ زمن بعيد معنيين بآثار الإصلاح في الفكر والواقع، ولا كأن المنهج الذي ينبغي أن نسير عليه كان أمامنا واضحاً وضوح الشمس في ضحاها … ، من خلال رموز الفكر الإصلاحي امتداداً للقرن العشرين، أولئك الذين قدموا لأمتهم العربية أصوب الآراء وأدق القضايا وأشدّها خطراً على المستويين: الداخلي والخارجي.”

*لا إصلاح في وجود الفساد
مهما كانت الظروف ، يستحيل أن نغَضّ النظر عن الفساد ونحن نتكلم في الإصلاح ونتولّاه بالرعاية والاهتمام.
الفساد في زمن الإصلاح ليس مجرد شعار ، فهو عمل يقطف رؤوساً قد أينعت وحان قطافها ، عمل يستهدف الكبار كي يرتدع الصغار ، يقدم الحجة والبرهان والدليل كي يصبح المغرور العزيز متهم ذليل ، فينال جزاء ما اقترفت يداه الآثمة عقاباً عادلاً وخزياً وعاراً ، فالكل راعٍ ، والكل مسؤولٌ عن رعيته .
بالمناسبة فإن جريدة القرار نشرت لقاء مع الإعلامي أكرم عمران تحدث فيه عن تجربته في صفحة فساد في زمن الإصلاح .. الصفحة التي أثارت جدلا و اهتماما واسعا في بلده و حيث من المهم التعرف على طريقة تفكيرعمران و كيف يتعامل مع قصص الفساد التي باتت ترد إليه يوميا و بالعشرات…؟
وجه إليه سؤالا من إعلامي آخر فعلا مجاهدا ضد الفساد” هل نحن قادرون كإعلام على معالجة وتصحيح قضايا الفساد المتشعبة والمتأصلة في كل مفاصل الحياة ؟
فكان جوابه : ” برأيي الشخصي أننا غير قادرون على ذلك ضمن الظروف والإمكانيات المتاحة لنا ، فتصحيح الفساد ومعالجة هذه الظاهرة وبهذا المستوى من الأمور المعقدة والصعبة جداً ، ولكننا وبالحد الأدنى نقوم بتسليط الضوء على مواقع وقضايا الفساد ونحاول توثيقها بالأدلة والأرقام والمعطيات القاطعة والعمل على إيصال هذه المعلومات لمن يعنيه الأمر ومتابعتها قدر الإمكان للحد منها.
*ما سبيل إزالة الفساد ليتحقق الإصلاح ،وهل للإعلام دور هام !؟
واقعنا اليوم لم نرى فيه أي قضية فساد عالجها الإعلام الرسمي ، بل كان دوره سلبي جداً من خلال تبييض صفحة العديد من الفاسدين من خلال البرامج التي شوهدت على شاشات التلفزيون العربي عموما، فالبرامج التي عرضها لم يقدم فيها ولا حتى وثيقة واحدة ولم يعاقب أي فاسد ولم تقدم ولم تؤخر ، بل عملت على تبييض صفحاتهم والشعور أحياناً بأنها على العكس تقوم بمحاربة المصلح ..
*معالجة الفساد في الوطن العربي / قاعدة شاذة!!
يبدو أن مقولة : ” اصلح نفسك ثم غيرك ” ومن خلال واقع العرب ومحنهم وتجاربهم المتعددة الأشكال ، ثبت من أجل تحقيق الإصلاح وإزالة الفساد ( نسبيا ) صار من الضروري البدء من فوق إلى أسفل لا العكس …، فحكومات عديدة دائماً تنادي بمكافحة الفساد ولكنها عندما تقدم على الإجراءات العملية تقوم بفصل عامل هنا أو عامل هناك وعلى أبعد تقدير تقوم بفصل مدير ما أو تحويله إلى مهام أخرى ،فمن المتعارف عليه أنه عندما يتعرض فريق ما لخسائر متتالية تقوم الجهة المعنية بإقالة رأس هذا الفريق كونه أثبت الفشل المتكرر في كل الفرص الممنوحه له، ولكن ما يجري لدى العرب أنه بدل ذلك يُقال اللاعبون الصغار ويبقى رأس الفريق الفاشل في منصبه ،وهذا يدل على عدم الجدية في مكافحة الفساد وعدم انتظار النتائج المرجوة من تلك المعالجات .

*الفساد كلمة لا طعم لها
أينما حللت وجلست إلا وصار الكلام عن الفساد والمفسدين لسان الجنسين من الكبار والصغار !!
ونحن نتحدث عن تشخيص الفساد كما تحدث الكثير على كل المستويات ويتحدث وسيتم الحديث عنه ، من كثرة تردادها صار سلوك الفساد هدف كل من أراد أن يلتحق بمهام ما !!
فالسؤال هو ما جدوى تشخيص الفساد إذا لم يقترن بالمحاسبة والعقاب؟ فإهمال السلطات التشريعية والتنفيذية لمحاسبة المفسدين يؤدي حتماً إلى انهيار البيئة الاجتماعية على اعتبار أن الردع غير موجود ويتحول التشخيص إلى حالة من التنفيس لا تهدف إلى إصلاح المجتمع والمحافظة عليه.
*هل معنى ذلك اليأس من بث روح الإصلاح ؟
لا لابد من التعاون ونشر وعي الإصلاح من خلال الوسائل السلمية الاجتماعية والثقافية والإعلامية والتربوية دوماً وتشجيع المواطنين الشرفاء بذلك بشرط التدقيق في المعلومات الواردة تحاشياً للإساءة أو الافتراءات الكيدية ، فالإعلام الخاص أو العام في الواقع يجب أن يكون منبراً للتصحيح ومكافحة الفساد وليس منبراً للتشهير وتصفية الحسابات الشخصية بحجة مكافحة الفساد. ​
*كلمة أخيرة ؟
هكذا علم التاريخ الشعوب ، بأن الوطن العربي فيه دول كمعظمها فساد في زمن الإصلاح ، ومثيلاتها تلعب داخل جسد الفساد ،في حين أن الإعلام الرسمي يلامس جسد الفساد فقط من الخارج وبالتالي فإن إعلام الفقراء ليس بحاجة إلى كاميرات ، فكل المسئولين تحت الضوء وسيبقون تحت الضوء ،معهم في بيوتهم ،وفي سياراتهم ،وفي مؤسساتهم ،وفي كل آن وفي كل مكان ،ووسائل التواصل صارت للجميع بالمرصاد.

1

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق